الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الصوفية.. كرامات أم خرافات
رقم الإستشارة: 287544

12261 1 793

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله.
وبعد:
بكل صراحة أقول تعجز كلماتي عن الإتيان بأفخم كلمات الشكر لجهودكم عامة دون استثناء، وخصوصاً المتميز أ/الهنداوي، ودوركم تجاه المسلمين وشبابهم، والذي أتمنى أن تجزوا عنه خير الجزاء في الدنيا والآخرة، فقد أصبحتم الصديق الأول الذي كلما واجه أحدنا شيئاً أو خطر في باله شيء رجع إليه.

أما سؤالي لكم فهو عن أمر انتشر وشاع بكثرة لا تخفى وإن لم يشاهده أحد فقد سمع عنه كثيراً.

صراحة لا أعلم ما أقول هل هي كرامات رجال صادقين أم كما يقول بعضهم شعوذة وسحر، لقد كثر ذلك عندنا وخصوصاً ما نسميه عندنا (موالد) وهي مجالس يذكر فيها اسم الله كثيراً.

فرجل يتلفظ بـ(هو هو) ويدخل أشياء حديدية في بطنه حتى لا تكاد ترى، وآخر يدخل شيئاً منها من أحد شدقيه حتى يخرج من الآخر، وآخر يأكل حبات الرز ثم يخرجها من جانب بطنه كما هي، وكثيراً جداً من الأمور التي لم تسعفني ذاكرتي بذكرها، والتي أقف أمامها متفرجاً مذهولاً! رجائي أن تجيبني بالأدلة العقلية عما يلي:

1- ما موقف الإسلام من هؤلاء الذين يقومون بأشياء عجيبة لا أعرف الهدف منها؟ ترى هل هم مؤمنون لهذه الدرجة أم ليسوا كذلك؟ فسيدنا أبو بكر وعمر وصحابة رسول الله - رضوان الله عليهم - هل كانت هذه الأشياء عندهم؟! ولا أعتقد أن أحداً بلغ مبلغهم من العلم والإيمان.

2- هذه الأشياء تحدث أمامنا بشكل لا ينكر، يقول صاحبي بأن كرامة الولي قد تجعله يمشي على الماء أو أن يطير في السماء، فهل لهذا أساس في القرآن والسنة؟

3- وهل صحيح أن من التابعين والذين كان منهم أولياء كالشيخ عبد القادر الجيلاني أو ابن تيمية ما إن استنجدت به أنجدك، فالتوسل بالأعمال الصالحة وارد بالسنة كما في قصة الثلاثة، ماذا عن التوسل بالأولياء والصالحين؟
وجزاكم الله خيراً.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ Rami حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فإنه ليسرنا أن نرحب بك في موقعك استشارات الشبكة الإسلامية، فأهلاً وسهلاً ومرحباً بك – ولدي الكريم – وكم يسعدنا اتصالك بنا في أي وقت وفي أي موضوع، ونحن هنا جميعاً إخوانك في خدمتك وفي خدمة جميع المسلمين في أي وقت ليلاً أو نهاراً، ونسأله تبارك وتعالى أن يثبتك على الحق، وأن يبارك فيك، وأن يشرح صدرك للذي هو خير، وأن يصرف عنك كيد شياطين الإنس والجن، وأن يحفظ عليك عقيدتك سليمة صافية بعيدة عن البدع والخرافات والشركيات.

أما بخصوص ما ورد في سؤالك – ابني الكريم الفاضل – فإن الذي رأيته ليس بجديد حقّاً وإنما هو أمر عرفه الناس منذ عشرات بل مئات السنين، إذ أن الذي رأيته ما هو إلا صورة من صور الدجل والشعوذة والكهانة والعرافة وليس من الإسلام في شيء.
أقل شيء أحب أن أذكرك به وهو أنك تدخل على أي كتاب من كتب العقيدة فيها أسماء الله تبارك وتعالى التي قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم: (إن لله تسعة وتسعين اسماً – مائة إلا واحد –) لن تجد فيها لفظ (هو)؛ لأن (هو) ليس من أسماء الله تعالى، بل هو ضمير للغائب في اللغة العربية، وليس باسم، والله تبارك وتعالى ليس له اسم يسمى (هو)، الله تبارك وتعالى يقول: (( اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ))[طه:8]^، فلم يذكر هنا (هو) إلا إشارة للفظ الجلالة المتقدم في الآية كما لا يخفى، أما ما يحصل في هذه المحافل أو الموالد من نداء بلفظ (هو) فإنما ينادى به على بعض ملوك الجن والشياطين حتى يأخذوا أبصار الناس وحتى يجعلوا هؤلاء المشعوذين والدجاجلة يأتون بهذه الأشياء التي قد لا يصدقها العقل، ولذلك أنت انبهرت بهذه الأشياء لأنها حقيقة غير منطقية ولا واقعية، شيء يفوق التصور والتخيل؛ لأنه كما سبق أن هذا الضمير يشار به إلى مذكور في سياق الكلام كما في الآية، أو يشار به إلى مجهول لا يعلمه إلا من ينطق به، لذلك سمي ضميراً لأن صاحبه يضمر معناه، وهؤلاء إنما يضمرون أسماء شياطينهم لا أسماء الله تعالى؛ لأن الله لم يتعبدنا بـ(هو) ولا أمرنا بها حتى نناديه بهذا الضمير.

وهذه ليست من الكرامات في شيء، إنما هذه خرافات الشياطين، واعلم – ولدي رامي – أن الشياطين قد يقدمون خدمات جليلة لمن يعبدونهم من دون الله تعالى حتى يثبتوا على كفرهم وضلالهم وحتى يكونون سبباً في إفساد عقيدة غيرهم، بل إن ابن تيمية رحمه الله تعالى قال: (إن من الجن من يحمل بعض السحرة من مكان إلى مكان، بل يذهب به ليطوف بالكعبة ثم يرجع حتى يراه بعض الناس حتى يلبس على الناس دينهم)، ولذلك قال علماؤنا – وهذه عقيدتنا أهل السنة والجماعة -: (إذا رأيتم الرجل يطير في الهواء ويمشي على الماء ويكلم الحجر والشجر فلا تحكموا له بالإيمان حتى تعرضوا حاله على الكتاب والسنة).
إذا كان الرجل فاهماً دينه فهماً حقّاً يفهم كلام الله تعالى وكلام النبي الكريم محمد عليه الصلاة والسلام كما أراد الله ورسوله ويلتزم بشرع الله فإن هذا هو الولي حقّاً.

أما هذه الأشياء كلها إنما هي أعمال شيطانية يأتي بها هؤلاء لصرف الناس عن دين الله تعالى، وهذه عادة تأتي عندما يضعف الإيمان وتقل الثقافة والوعي تنتشر مثل هذه الأشياء نتيجة جهل الناس بالحقائق، أما عندما يكون الناس على عقيدة صحيحة وعلى فهم ووعي فإن هذه تندثر وتموت تماماً لأنه لن يصدقها أحد.
ومسألة التوسل - بارك الله فيك – لا يكون إلا بالعمل الصالح، (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ))[المائدة:35]^ قال العلماء: الوسيلة هي العمل الصالح كما ورد في قصة الثلاثة الذين أغلق عليهم باب الغار، فهذا تقرب إلى الله ببره لوالديه، وهذا تقرب إلى الله بعفته وحيائه، وهذا تقرب إلى الله برد الحقوق لأصحابها، لم يتوسل واحد منهم لا بالبدوي ولا بالرفاعي ولا بالجيلاني ولا بابن تيمية ولا بابن كثير ولا غيرهم، بل لم يتوسلوا بأحد من الأنبياء والمرسلين؛ لأن التوسل بالأنبياء والمرسلين لا يجوز، والتوسل بالعباد الصالحين أيضاً لا يجوز، وإنما يطلب من الصالح وهو حي وحاضر أن يدعو الله تعالى له، وبنية حصوله على ثواب الدعاء، كما صح عن عمر رضي الله عنه قوله: اللهم إنا كنا نتوسل نبيك صلى الله عليه وسلم فتسقينا، وإنا نتوسل بعم نبيك العباس اللهم فاسقنا، قال: فيسقون رواه البخاري.

وإنما إذا أراد الإنسان أن يتوسل فليتوسل إلى الله بالطاعة – بالعبادة – يصلي ركعتين قضاء حاجة، يتوسل إلى الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وحتى التوسل بالنبي عليه الصلاة والسلام لا يجوز، في أرجح قولي العلماء والتوسل بجبريل وميكائيل لا يجوز، والتوسل بحملة العرش لا يجوز، والتوسل بآل البيت لا يجوز؛ لأن هذا كله ليس عليه دليل ثابت، كما أنه مدخل للشرك.

ولذلك ما رأيته – ولدي رامي – هذا كله من الضلال المبين وكله من عمل السحرة المجرمين، ولا علاقة له بدين الله تبارك وتعالى لا من قريب ولا من بعيد، واقرأ كتب التوحيد الصادق وسوف تعرف هذا الكلام الذي ذكرته، أبو بكر وعمر وصحابة النبي - صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عنهم– جميعاً لم يعهد عنهم هذه الأشياء ولم يسمع أحد منهم هذه الأشياء، بل إن من الصحابة من كان يُقتل أمام النبي عليه الصلاة والسلام ولم يستطع أن يصنع له شيئاً، فلعلك تعرف قصة عمَّار بن ياسر وياسر وزوجه ماتوا، ما عدا عماراً، و(كان النبي صلى الله عليه وسلم يمر بهم وهم يعذبون فيقول: صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة).
إذن - بارك الله فيك – الذي رأيته هذا لا يمت إلى الإسلام بصلة، وإنما هو من أعمال الدجاجلة والمشعوذين وبعض المتصوفة المخرفين ولا علاقة له في دين الله تعالى.

انتبه - بارك الله فيك – ولا تنظر إليهم ولا تجلس معهم ولا تكلمهم، إلا إذا كانت لديك القدرة العلمية على أن تنصحهم فاصنع، وإلا فاتركهم لأن لديهم شياطين قد يؤذونك وقد يلحقون الضرر بك؛ لأنهم لا يرقبون في مؤمن إلاًّ ولا ذمة.

وأما المولد فأصله بدعة فاطمية، اخترعها الفاطميون العبيديون الذين حكموا مصر في فترة من أحلك الفترات التاريخية التي مرت على الأمة حتى طهر مصر منهم القائد الفذ صلاح الدين الأيوبي، ويكفي أن تعلم أن أصل المولد بدعة باطنية، وكفى بهذا حجة، أما الاستدلال البعض بقياس المولد على عاشوراء فينقضه هذا السؤال: هل عاشوراء عيد أم ليس بعيد؟

فإن قيل: هو عيد، قلنا: لماذا سن فيه الصيام وصوم العيدين حرام؟ وإن قيل: ليس بعيد انتقض القياس، حيث لم يقس على نظيره.

أسأل الله أن يثبتك على الحق وأن يهديك صراطه المستقيم، وأن يعلمك التوحيد، وأن تلقى الله تعالى وأنت مؤمن به على الوجه الذي يرضيه، وأن يجنبك خرافات المخرفين وسحر السحرة وشعوذة المشعوذين، وأن يجعلك من أوليائه الصالحين، إنه جواد كريم.

هذا وبالله التوفيق.

مواد ذات الصله

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

عضوية الموقع

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق:

 
 

الأكثر مشاهدة

الأعلى تقيماً