الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

نصح الأب الذي يهجر الناس بدون أساب واضحة
رقم الإستشارة: 433340

4252 0 670

السؤال

والدي إنسان طيب، معروف باستقامته (لا يظلم) كما هو معروف بعصبيته وشحنائه، تخاصم مع أناس ونشأت بينهم عداوة منذ زمن بعيد، حدث وأن وادّ عمّي أولئك الناس فهجره والدي وأقسم ألاّ يراه ولا يدخل بيته أبداً، وهجر خالي لأنه تصاهر مع شخص تربطه بوالدي عداوة، كما هجر أستاذه وصاحب فضل عليه لأنّه لم يقض له حاجة بمقدوره قضاؤها، كلّمتُه ناصحاً مراتٍ، اصطدمت بإصرار منه على الهجر متحججاً بمرضه (ضغط الدم) ويريد الابتعاد عنهم لاجتناب المشاكل.

أرجوكم الإفادة بنصيحة للوالد وما عليّ فعله لأخرجه ممّا هو ونحن (الوالدة ونحن) فيه؟

وجزاكم الله خيراً.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ Abdulaziz حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

فإنه ليسرنا أن نرحب بك في موقعك إسلام ويب، فأهلاً وسهلاً ومرحباً بك، وكم يسعدنا اتصالك بنا في أي وقت وفي أي موضوع، ونسأل الله جل جلاله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يعافي والدك من هذه الخصلة الذميمة، وأن يغفر له، وأن يتوب عليه، وأن يشرح صدره للذي هو خير، وأن يجعلك عوناً له على طاعة الله ورضاه.

وبخصوص ما ورد برسالتك – أخي الكريم الفاضل – من أن والدك إنسان طيب معروف بالاستقامة ولكنه عصبي وشديد الشحناء فإذا تخاصم مع أحد فإنه يهجره هجراً نهائياً، ولذلك هجر عمك لأنه وصل بعض الذين لا يحبهم وأقسم ألا يراه أبداً ولا يدخل بيته، وهجر خالك كذلك، وأنت تعاني معه أيضاً في أنه يُفرض هذا الإصرار وهذا الهجر على كل من يتعامل معهم ويفرض عليكم ذلك، وتحججه بمرضه وأنه مريض بضغط الدم، وأنه يريد الابتعاد عن الناس لاجتناب المشاكل، وتسألنا عن نصيحة للوالد وما عليك فعله.

أولاً: بالنسبة بما عليك فعله لابد من أن تذكره - بارك الله فيك - بأن هذا الهجر حرام شرعاً، وأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث وخيرهم الذي يبدأ بالسلام)، فإذن هذه كلها أمور يترتب عليها غضب من الله تبارك وتعالى وعقابٌ من الله عز وجل، حيث إن النبي بيَّن – عليه الصلاة والسلام – أن هذا الهاجر لا يُرفع له عمل ولا يستجاب له دعاء حتى يعود إلى صاحبه، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام من أن الأعمال تُرفع كل يوم اثنين وخميس، فيغفر الله لكل مسلم لا يُشرك به شيئاً إلا لمتشاحنين فيقال: (أنظرهما حتى يصطلحا).

فوالدك يجب عليه أن يعلم أن أعماله كلها موقوفة لا تُرفع إلى الله تبارك وتعالى بسبب هذا الهجر، خاصة أن الهجر ليس بسبب شرعي واضح؛ لأن الشرع حدد الأسباب التي تُؤدي إلى الهجر ومتى يكون الهجر مشروعاً ومتى لا يكون مشروعاً، أما هذا الذي يبدو من رسالتك أن هذا هو الهجر التقليدي الذي عليه عامة الناس؛ لأن واحدا يتكلم فيَّ كلمة أو أساء إليَّ إساءة فهذا الهجر كله أولاً من صفات أهل النار والعياذ بالله رب العالمين.

والنبي عليه الصلاة والسلام قال: (إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم) أي الذي يتمادى في الخصومة والقطيعة والهجر، ولذلك أنا أنصح والدك – حفظه الله – أن يتقي الله تبارك وتعالى في نفسه، وأن يعلم أن هذا الأمر الذي هو عليه ليس من الإسلام لا في قليل ولا في كثير، وأن هذا الهجر سوف يوقف عمله ويمنعه من الرفع إلى الله تبارك وتعالى، وأن الله تبارك وتعالى يغضب على من يهجر أخاه، وأن الله تبارك وتعالى لا يُحب الهاجرين لإخوانهم، وأن الله تبارك وتعالى توعد هؤلاء بالعذاب الأليم، بل إن صفة الهجر من صفات المنافقين والعياذ بالله رب العالمين، وأن الأمور يجب أن توضع في نصابها؛ لأن الله قال: (( وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ))[المائدة:8]، فكون الإنسان الآن صار بينه وبين إنسان خلاف نبحث عن أسباب الخلاف ونحاول إصلاحه، أما الهجر على أقل خلاف أو أقل خطأ فهذا من أعمال المنافقين الذين هم في الدرك الأسفل من النار والعياذ بالله رب العالمين إذا لم يتوبوا إلى الله في الدنيا قبل الآخرة.

فالواجب عليك أخي الكريم – عبد العزيز – أن تنصح والدك، وهناك كتب تبين خطورة الهجر وذمه، من الممكن أن ترجع إليها وأن تقرأ عليه كلام أهل العلم، الذي يشرح كلام الله تبارك وتعالى وكلام النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الهجر من الأمراض الخطيرة، ومن المعاصي الكبيرة العظيمة، خاصة إذا لم يكن لله تعالى.

خاصة بأنه كما ذكرتَ قاطع عمك وأقسم أن لا يراه ولا يدخل بيته أبداً، هذا من الظلم والجور؛ لأنه حتى وإن كنت أنت تقاطعه فليس من حقك أن تمنع غيرك من أن يصل من شاء وأن يقطع من شاء؛ لأن هذا ليس من العدل والإنصاف، أما أنك تقاطع كل مَن لا يقاطع من تقاطعه فهذا ظلم، والله تبارك وتعالى لا يحب الظالمين، والله تبارك وتعالى أخبرنا أنه يلعن الظالمين (( أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ))[هود:18]، والله تبارك وتعالى يقول: (( وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ))[إبراهيم:42]، والله تبارك وتعالى يقول: (( وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا ))[طه:111].

فأنا أقول للوالد: عليه أن يتقي الله تعالى وأن يرجع عن هذه الأشياء، وأنا أعلم أن هذا ليس بالأمر السهل، ولكنه في نفس الوقت ليس بالمستحيل، فإن الإنسان منا قد ينشأ في أسرة يتطبع بطباعها ويتأثر بعاداتها وأخلاقها ولكن ينبغي على الإنسان أن يحكم شرع الله في حياته، قد نكتسب بعض الصفات من الأسرة، ولكننا إذا تبيّن لنا أنها ليست صحيحة يجب علينا شرعاً أن نتركها، خاصة بعد البلوغ والعقل وإدراك الإنسان لحقيقة الخير والشر، فلا ينبغي عليَّ أن أتذرع دائماً وأحتج بأن هكذا كان والدي، وهكذا كانت أمي، وهكذا كان أهلي، وأنني لا أستطيع أن أغير، هذا ليس صحيحاً، فإن الله تبارك وتعالى قال: (( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ))[الرعد:11].

فيجب عليك أن تجتهد في نصحه وتذكيره، وأن لا تتوقف عن ذلك رحمة به؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن الذي يهجر أخاه لا يُرفع عمله، وأن أخاه إذا جاء له وطلب منه العفو فلم يعف تتحول حسناته إلى صاحبه الذي يطلب منه العفو، فهذا عمل عظيم، وهو من شرار الخلق عند الله تعالى، ومن أبغض الرجال عند الله الذين يفعلون هذا الأمر ويتمادون في الخصومة بغير وجه حق، وإنما ينبغي أن نكون أمة إنصاف وأمة عدل، وألا يزيد الأمر عن حده وإلا انقلب إلى ضده، فنبحث في أسباب الخلاف أو الشقاق، ثم نحاول القضاء عليها بما يرضي الله سبحانه وتعالى وبما يوافق هدي النبي عليه الصلاة والسلام، وليس من حق والدك شرعاً بأي صفة أن يمنعك من أن تتواصل مع أي أحد شرعاً، بل إنه لو أمرك بذلك لا ينبغي عليك أن تطيعه لأنه لا طاعة في معصية، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (إنما الطاعة في المعروف)، وقال أيضاً (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) فلو أن والدك أمرك أن تقاطع فلاناً لمجرد أنه لا يريده فهذا ليس من حقه شرعاً، وإن كنتَ مطالب بأن تستر هذا الأمر وأن تُبدي له في ظاهر الأمر موافقة، ولكن ليس من حقه شرعاً أن يأمرك بذلك، لا أنت ولا أمك ولا أي أحد؛ لأن هذا ظلم والله تبارك وتعالى لا يحبه، وهذا اعتداء والله عز وجل لا يقبله، وهذه صفات أبغض الرجال عند الله تعالى الواحد الذي يتمادى في الخصومة مهما حاول الناس الإصلاح فإنه يصر على موقفه، هذا من أعمال أهل النار ومن أعمال من لا خلاق لهم، بل إن الله الجليل جل جلاله سبحانه إذا جاءه العبد الذي كفر به لسنوات طوال فسأله العفو والمغفرة وشهد شهادة التوحيد قبله الله تبارك وتعالى وعفى عنه، هل نحن أعظم من الله، هل والدك أعظم وأجل من الله جبار السموات والأرض!

الناس يدعون له صاحبة أو ولداً، وينكرون وجوده، ورغم ذلك إذا جاؤوه سائلين العفو والمغفرة معترفين بالتوحيد فإن الله يغفر لهم، بل إن الإسلام يهدم ما كان قبله، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، فينبغي على والدك – حفظه الله – أن يتقي الله وأن يعلم أن هذه الصفة من صفات أهل النار، وأنه ما دام رجلاً معروفاً باستقامته فينبغي عليه أن يحكم شرع الله في كل تصرف، وأن يعلم أن أي خلاف لابد له من أسباب وبمعرفة الأسباب يتم وضع العلاج، وتنتهي الخلافات، وتنتهي القطيعة.

هذا وبالله التوفيق.

مواد ذات الصله

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

عضوية الموقع

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق:

 
 

الأعلى تقيماً