الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                              ما يكون نقضا للعهد وما لا يكون نقضا له

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر: كانت قريظة قد عاهدت النبي صلى الله عليه وسلم، فلما نزل أبو سفيان، ومن معه من قريش وغطفان بقرب المدينة، أتى حيي بن أخطب النضري، كعب بن أسد القرظي، صاحب عقد بني قريظة وعهدهم، فلم يزل به حتى أجابه إلى نقض العهد الذي كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينه، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، وعبد الله بن رواحة، وخوات بن جبير لينظروا صحة ذلك، فجاؤوا وأخبروا بخبرهم، فلما انصرف أبو سفيان وغطفان، عن المدينة، سار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحاصرهم، ونزلوا على حكم سعد بن معاذ، فحكم بأن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم .

                                                                                                                                                                              واختلفوا فيما يكون نقضا للعهد، فكان الأوزاعي يقول: إن كان من أهل الذمة، فخبر أهل الحرب بعورة المسلمين، ودل عليها، وآوى عيونهم، فقد نقض عهده، وخرج من ذمته، إن شاء الوالي قتله، وإن [ ص: 350 ] شاء صلبه، وإن كان مصالحا، لما يدخل في ذمة المسلمين نبذ إليه على سواء، ( إن الله لا يحب الخائنين ) .

                                                                                                                                                                              وقال مالك في أمر الحبشة: أرى أن ينظر ويتبين، فإن كانوا أسوأ قتلوا، ولا يهجم عليهم الإمام، إلا بأمر يتبين .

                                                                                                                                                                              قال أبو عبيد: ولما استحل رسول الله دماء بني قريظة لمظاهرتهم الأحزاب عليه، وكانوا في عهد منه، فرأى ذلك نكثا لعهدهم، وإن كانوا لم يقتلوا من أصحابه أحدا، ونزل بذلك القرآن في سورة الأحزاب .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر: يعني ففي قوله: ( وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم ) الآية .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر:

                                                                                                                                                                              6291 - ومن حديث محمد بن يحيى حدثني ابن أبي ليلى - يعني محمد بن عمران بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى - ، قال: حدثني أبي قال: حدثني ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: "صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر على كل صفراء وبيضاء، وعلى كل شيء، إلا أنفسهم وذراريهم، قال: فأتى بالربيع وكنانة ابني أبي الحقيق، وأحدهما عروس لصفية، قال: فلما أتى بهما، قال: "أين آنيتكما التي كانت تستعار في أعراس المدينة" ، قالا: أخرجتنا، [ ص: 351 ] وأجليتنا فأنفقناها، قال: "انظرا ما تقولان فإنما إن كتمتماني استحللت بذلك دماءكما وذريتكما "، قالا: نعم، قال: فدعا رجلا من الأنصار، فقال: اذهب إلى مكان كذا، إلى نخل كذا، فانظر نخلة في رأسها رقعة، فانزع الرقعة، فاستخرج تلك الآنية، فائت بها"، قال: فانطلق حتى جاء بها، قال: فقدمهما رسول الله، فضرب أعناقهما، قال: ثم بعث إلى ذريتهما، وأتى بصفية.."، وذكر الحديث .

                                                                                                                                                                              6292 - وحدثنا علي بن عبد العزيز، عن أبي عبيد، [حدثنا عبد الله بن صالح] ، عن عبد الله بن لهيعة، عن الحسن بن ثوبان، عن هشام بن أبي رقية - وكان ممن افتتح مصر - قال: افتتحها عمرو بن العاص، فقال: " من كان عنده مال فليأتنا به، قال: فأتي بمال كثير، وبعث إلى عظيم أهل الصعيد، فقال: المال؟، فقال: ما عندي مال، فسجنه، وكان عمرو يسأل من يدخل عليه، هل تسمعونه يذكر أحدا؟، قالوا: نعم، راهبا بالطور، فبعث عمرو، فأتى بخاتمه، فكتب كتابا على لسانه بالرومية، وختم عليه، ثم بعث به مع رسول من قبله إلى الراهب، قال: فأتى بقلة من نحاس مختومة برصاص، فإذا فيها كتاب، وإذا فيه، يا بني إن أردتم مالكم فاحفروا تحت الفسقينة، قال: فبعث عمرو الأمناء [ ص: 352 ] فحفروا فيها، فاستخرجوا خمسين إردبا دنانير، فضرب عنق النبطي وصلبه .

                                                                                                                                                                              قال أبو عبيد: وجه هذا الحديث أن عمرا كان صالحهم على أن لا يكتموه أموالهم، كحديث النبي صلى الله عليه وسلم في ابني أبي الحقيق .

                                                                                                                                                                              وقيل لأحمد: أهل العهد إذا نقضوا، تسبى ذراريهم أم لا؟، قال: كل من ولد بعد النقض يسبون، ومن كان قبل ذلك لا يسبون .

                                                                                                                                                                              وكان الشافعي يقول: وإذا جاءت دلالة على أن لم يوف أهل الهدنة بجميع ما (عاهدهم) عليه. فله أن ينبذ إليهم، [ومن قلت له أن ينبذ إليه فعليه أن] يلحقه بمأمنه، ثم له أن يحاربه، فإن قال إمام: أخاف خيانة قوم، ولا دلالة على خيانتهم من خبر ولا عيان، فليس له، والله أعلم، نقض مدتهم إذا كانت صحيحة .

                                                                                                                                                                              وإذا وادع الإمام قوما، فأغاروا على قوم موادعين، أو أهل ذمة، أو مسلمين، فقتلوا، وأخذوا أموالهم قبل أن يظهروا نقض الصلح، فللإمام غزوهم، وقتلهم، و[سباؤهم] ، وإذا ظهر عليهم، لزمهم من قتلوا أو جرحوا وأخذوا ماله، الحكم كما يلزمه أهل الذمة من قود، و[عقل] وضمان مال، وإذا أخذت الجزية من قوم، فقطع قوم منهم الطريق، أو قاتلوا رجلا مسلما، فضربوه، أو ظلموا مسلما، [ ص: 353 ] أو معاهدا، أو زنا منهم زان، أو أظهر فسادا في مسلم، أو معاهد، حد [فيما فيه] الحد، وعوقب عقوبة منكلة فيما فيه العقوبة، ولم يقتل إلا بأن يجب عليه القتل، ولم يكن هذا نقضا للعهد يحل دمه، لا يكون نقض العهد إلا بمنع الجزية، أو الحكم بعد الإقرار والامتناع بذلك .

                                                                                                                                                                              وكان الشافعي يقول: في الذمي يكتب بعورة المسلمين، أو يخبر [عنهم] ، بأنهم أرادوا بالعدو شيئا، ليحذروه [من] المستأمن أو الموادع، أو يمضي إلى بلاد العدو مخبرا عنهم، فقال: يعزر هؤلاء، ويحبسون عقوبة، وليس هذا بنقض للعهد يحل سبيهم، ولا أموالهم، ولا دماءهم، إذا صار منهم واحد إلى بلاد العدو، فقالوا: لم نرد بهذا نقضا للعهد، فليس بنقض للعهد، ويعزر، ويحبس .

                                                                                                                                                                              وقال النعمان : في الملك من الملوك يصالح المسلمين، ويصير لهم ذمة، ثم جعل يخبر المشركين بعورة المسلمين، ويدل عليها، ويؤوي عيونهم إليه، لا يكون هذا نقضا لعهده، ولكن ينبغي لهم أن يعاقبوه، ويحبسوه، وإن قتل هو وبعض من صار ذمة رجلا من المسلمين، فلا يكون ذلك أيضا نقضا للعهد، ولكن ينظرون من فعل ذلك منهم، [ ص: 354 ] وقامت عليه البينة، قتل به .

                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية