الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                  معلومات الكتاب

                  أحكام القرآن الكريم للطحاوي

                  الطحاوي - أبو جعفر الطحاوي

                  صفحة جزء
                  وقال قائلون منهم : ليس فيما زاد على خمس أواق من الورق صدقه حتى تكون الزيادة أوقية وهي أربعون درهما ، وممن قال ذلك منهم : أبو حنيفة . ورووا ذلك عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - .

                  539 - حدثنا علي بن عبد الرحمن ، قال : حدثنا سعيد بن أبي مريم ، قال : حدثنا يحيى بن أيوب ، قال : حدثني حميد الطويل ، عن أنس بن مالك ، قال : " جعلني عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - على الختانة ، وأمرني أن آخذ إذا بلغ المسلم ماله مائتي درهم خمسة دراهم ، وما زاد ففي كل أربعين درهم ، وجعل أبا موسى الأشعري على الصلاة " .

                  وهذان القولان فهما اللذان وجدناهما في هذا الباب من أقوال المتقدمين ، لا ثالث لهما .

                  ولما اختلفوا في ذلك نظرنا فيما اختلفوا فيه منه لنعطفه على ما يجمعون عليه من أشكاله ، فوجدنا الأصل المتفق عليه أنه لا شيء في المواشي السائمة من الإبل ، والبقر ، والغنم ، حتى تبلغ عددا معلوما ، ثم لا شيء فيما زاد على ذلك العدد المعلوم حتى تبلغ عددا آخر معلوما ، ثم كذلك هي أبدا ما تناهت فيها زيادة ترجع من عدد معلوم فيكون فيما زاد فيه بحساب ما قبله من العدد المعلوم .

                  فلما كان ما ذكرنا كذلك ، وكانت الورق لا تجب الزكاة فيها حتى تبلغ وزنا معلوما ولم يكن في هذا الباب الذي ذكرنا من أقوال أهل العلم من المتقدمين غير القولين اللذين حكيناهما ، وكان في أحدهما سقوط المقدار المعلوم فيما زاد على الخمس أواق ، وكان في الآخر ثبوت المقدار المعلوم فيما زاد عليها بثبت المقدار المعلوم الذي ذكرنا فيها وهو الأوقية التي وزنها أربعون درهما كما قال أبو حنيفة .

                  وكان من حجة أبي يوسف في ذلك على أبي حنيفة أنه قد وجدنا السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا صدقة في أقل من خمسة أوسق ، وكان ما زاد على الخمسة مما تخرج الأرض ففيه من الزكاة بحساب ذلك .

                  قال : وما تخرج الأرض مما ذكرنا فمكيل ، وما فيه الزكاة من الورق الذي وصفنا [ ص: 268 ] فموزون ، وما فيه الزكاة من المواشي التي ذكرنا فمعدود ، فالموزون بالمكيل أشبه منه بالمعدود .

                  وكان من الحجة على أبي يوسف لأبي حنيفة أنا قد رأينا ما تخرج الأرض تجب فيه الزكاة بخروجه منها ، لا بحول يأتي عليه بعد ذلك ، فإذا أديت عنه الزكاة لم تجب فيه بعد ذلك زكاة ، وخرج من أموال الزكاة .

                  ورأينا الدراهم والدنانير ليست كذلك ، فلا تجب الزكاة فيها حتى يحول الحول عليها بعد ملك الذي ملكها إياها ، ثم لا يخرج بعد ذلك الأداء عليها من حكم الزكاة فيها عند كل حول يأتي عليها عنده ، وكانت الدراهم التي هذا حكمها بالسواء ، ثم التي هذا حكمها أشبه منها بما يخرج من الأرض مما حكمه خلاف ذلك .

                  وحجة أخرى : أنا قد رأينا يوسف قد قال فيمن أخرجت أرضه خمسة أوسق مما يجب فيه العشر أو نصف العشر وعليه دين : إن الدين الذي عليه لا يسقط الزكاة مما أخرجته الأرض ، وإنه لو كان عنده خمس أواق من الورق أو خمس ذود من الإبل ، أو ثلاثون من البقر ، أو أربعون من الغنم سالمة وعليه دين ، إن الدين الذي عليه يسقط عنه حكم الزكاة فيما له من ذلك ، فسوى بين حكم الورق وبين حكم المواشي في ذلك ، وخالف بين حكم ذلك كله وبين حكم ما أخرجته الأرض .

                  وإن أرضا لو كانت لصبي لم يبلغ ، أو لمجنون مطبق عليه ، فأخرجت خمسة أوسق مما فيه الزكاة ، إن فيما أخرج من ذلك الزكاة كهو لو كان لرجل بالغ صحيح ، وأنه لا زكاة عليهما في ذهبهما ، ولا في ورقهما ، ولا في سوائمهما فحكم الورق والذهب في ذلك أيضا بحكم المواشي ، لا بحكم ما تخرجه الأرض .

                  وإن أرضا لو كانت لرجل بالغ صحيح ، فأخرجت خمسة أوسق مما تجب فيه الزكاة ، ثم مات قبل أدائه الواجب عليه في ذلك ، إنه مأخوذ بعد موته كما كان مأخوذا في حياته ، وإنه لو كانت له ورق أو ذهب ، أو سوائم فوجبت فيها الزكاة ، ثم مات قبل أدائه الواجب عليه فيها إنه غير مأخوذ بعد وفاته ، فحكم لذلك أيضا بحكم المواشي ، وجعل حكمها حكم الورق والذهب في ذلك حكما واحدا ، وخالف بين ذلك وبين حكم ما أخرجته الأرض في أشباه لهذا كثيرة ، يغني ما ذكرنا منها عن ذكر جميعها .

                  ويجب بما ذكرناه منها لأبي حنيفة على أبي يوسف اشتباه حكم الورق والذهب بالمواشي ، لا بحكم ما تخرج الأرض ، على أن أبا حنيفة لم يكن يقول : إنه لا شيء فيما تخرج الأرض حتى يكون خمسة أوسق كما قال أبو يوسف رحمه الله ، بل كان يقول : ما أخرجت الأرض من قليل وكثير غير الحطب والقصب والحشيش ، ففيه العشر أو نصف [ ص: 269 ] العشر ، وذهب إلى أن ما روي في ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلا توقيت فيه أولى مما روي عنه في ذلك بالتوقيت .

                  وقد تقدمه في قوله هذا مجاهد ، وإبراهيم النخعي ، وسنأتي بذلك وبما روي فيه مما يوافق كل واحد من المذهبين ، وما يوجبه النظر لكل واحد من القولين على الآخر في موضعه من كتابنا هذا إن شاء الله تعالى .

                  فكان احتجاج أبي يوسف فيما اختلف فيه هو وأبو حنيفة فيه مما ذكرنا غير لازم لأبي حنيفة ، وهذا الذي ذكرناه في الأموال العين من الورق ، والذهب ، وفي النقر منها .

                  فأما ما كان من الدراهم والدنانير دينا على ملئ ، مقر به ، فهو كالعين منها في جميع ما ذكرنا ، والزكاة فيه واجبة كوجوبها في العين منها ، إلا أن زكاته التي تجب فيه أيضا على الذي هي عليه أن يخرجها منه إذا قبضه ، وإن أخرج ذلك من ماله الذي في يده عن الدين الذي له أجزأ ذلك عنه .

                  التالي السابق


                  الخدمات العلمية