الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      والنجم إذا هوى  ما ضل صاحبكم وما غوى  وما ينطق عن الهوى  إن هو إلا وحي يوحى  علمه شديد القوى  ذو مرة فاستوى  وهو بالأفق الأعلى  ثم دنا فتدلى  فكان قاب قوسين أو أدنى  فأوحى إلى عبده ما أوحى  ما كذب الفؤاد ما رأى  

                                                                                                                                                                                                                                      بسم الله الرحمن الرحيم .

                                                                                                                                                                                                                                      والنجم إذا هوى أقسم الله تعالى بالقرآن،  إذ أنزل نجوما متفرقة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في عشرين سنة، والمراد بالنجم: القرآن، سمي نجما، لتفريقه في النزول، والعرب تسمي التفريق تنجيما، والمفرق منجما، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء ، وزاذان ، وهوى معناه: نزل من أعلى إلى أسفل، يقال: هوى يهوي هويا وهويا، إذا سقط من علو إلى أسفل، وقال في رواية الوالبي ، وعطية : يعني: الثريا إذا سقطت وغابت.

                                                                                                                                                                                                                                      والعرب تطلق اسم النجم على الثريا خاصة، وقال في رواية عكرمة : يعني: المرجوم من النجوم، وهو ما يرمى به الشياطين عند استراق السمع.

                                                                                                                                                                                                                                      وجواب القسم قوله تعالى: ما ضل صاحبكم وما غوى [ ص: 193 ] يعني: النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: ما ضل عن طريق الهدى.

                                                                                                                                                                                                                                      وما ينطق عن الهوى وما يتكلم بالباطل، وذلك أنهم قالوا: إن محمدا يقول القرآن من تلقاء نفسه.

                                                                                                                                                                                                                                      فقال الله تعالى: ما ينطق محمد بالقرآن من هوى نفسه.

                                                                                                                                                                                                                                      "إن هو" ما القرآن إلا من الله، وحي يوحى إليه، يأتيه به جبريل ، وهو قوله: علمه شديد القوى يعني: جبريل، والقوى: جمع قوة.

                                                                                                                                                                                                                                      ذو مرة ذو قوة، وشدة في خلقه، فاستوى جبريل وهو كناية عن جبريل ، بالأفق الأعلى يعني: أفق المشرق والمغرب، والمراد بالأعلى: جانب المشرق، وهو فوق جانب المغرب، في صعيد الأرض لا في الهواء، قال المفسرون: إن جبريل كان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم في صورة الآدميين، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريه نفسه على صورته التي خلق عليها، فأراه نفسه مرتين، مرة في الأرض، ومرة في السماء، فأما في الأرض: ففي الأفق الأعلى، وذلك أن محمدا صلى الله عليه وسلم كان بحراء ، فطلع له جبريل عليه السلام من المشرق، فسد الأفق إلى المغرب، فخر رسول الله صلى الله عليه وسلم مغشيا عليه، فنزل جبريل في صورة الآدميين، فضمه إلى نفسه، وهو يقول: ثم دنا فتدلى تقديره: ثم تدلى فدنا، أي: قرب بعد بعده وعلوه في الأفق الأعلى، فدنا من محمد صلى الله عليه وسلم، قال الحسن ، وقتادة : ثم دنا جبريل ، بعد استوائه بالأفق الأعلى من الأرض، فنزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال أبو صالح : جبريل الذي دنا فتدلى.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال الزجاج : معنى دنا وتدلى واحد؛ لأن المعنى: أنه قرب، وتدلى زاد في القرب، كما تقول: قد دنا مني فلان وقرب، ولو قلت: قرب مني ودنا جاز.

                                                                                                                                                                                                                                      فكان قاب قوسين يقال: قاب قوس، وقيب قوس، أي: قدر قوس، وهذا قول جميع المفسرين في القاب، قال الكسائي : هي لغة حجازية، يقال: كان مني قاب قوسين، وقاد قوسين، وقيد قوسين.

                                                                                                                                                                                                                                      قال الزجاج : كان ما بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدار قوسين.

                                                                                                                                                                                                                                      والقوس: ما يرمى به في قول [ ص: 194 ] مجاهد ، وعكرمة ، وعطاء ، عن ابن عباس ، وخصت بالذكر على عادتهم، كما قال الكسائي ، وقال عبد الله بن مسعود : قدر ذراعين.

                                                                                                                                                                                                                                      وهو قول شقيق بن سلمة ، وأبي إسحاق الهمذاني ، وروي ذلك مرفوعا.

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا عبد الرحمن بن الحسين الحافظ ، فيما أجاز لي أنا عمر بن أحمد الواعظ ، نا عثمان بن أحمد ، نا الحسين بن علي ، نا إسماعيل بن عيسى ، نا المسيب بن شريك ، عن محمد بن عمرو ، عن كثير بن خنيس ، عن أنس بن مالك ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: فكان قاب قوسين أو أدنى أما قاب قوسين ، فقول ذراعين أو أدنى من ذراعين  ومعنى القوس على هذا القول ما يقاس به الشيء، والذراع ما يقاس به قال ابن السكيت : قاس الشيء يقوسه قوسا، لغة في قاسه يقيسه إذا قدره.

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا أبو بكر محمد بن إبراهيم الفارسي ، أنا محمد بن عيسى بن عمرويه ، نا إبراهيم بن محمد ، نا مسلم بن الحجاج ، نا ابن نمير ، نا أبو أسامة ، نا زكريا ، عن ابن أشوع ، عن عامر ، عن مسروق ، قال: قلت لعائشة رضي الله عنها في قوله: ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى قالت: إنما ذاك جبريل كان يأتيه في صورة الرجال، وإنه أتاه في هذه المرة في صورته التي هي صورته فسد أفق السماء  ومعنى قوله: أو أدنى قال الزجاج : أي: فيما تقدرون أنتم، والله تعالى عالم بمقادير الأشياء، ولكنه يخاطبنا على ما جرت به عادة المخاطبة فيما بيننا. ومعنى الآية: أن جبريل عليه السلام مع عظمه، وكثرة أجزائه، حتى سد الأفق بجناحيه، دنا من النبي صلى الله عليه وسلم في غير تلك الصورة، حتى قرب منه، وفي ذلك بيان قدرة الله تعالى.

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا محمد بن أبي إسحاق المطوعي ، أنا محمد بن أحمد بن حمدان بن علي المقري ، أنا أبو يعلى ، نا أبو خيثمة ، نا الحسن بن موسى ، نا زهير ، نا أبو [ ص: 195 ] إسحاق الشيباني ، قال: أتيت دارة زر بن حبيش ، فألقيت على محبة منه، وعنده شباب، فقالوا لي: سله فكان قاب قوسين أو أدنى فسألته فقال: قال عبد الله بن مسعود : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى جبريل وله ست مائة جناح،  ورواه البخاري ، عن قتيبة ، عن أبي عوانة .

                                                                                                                                                                                                                                      ورواه مسلم ، عن أبي الربيع ، عن عباد بن العوام كلاهما، عن أبي إسحاق قوله: فأوحى إلى عبده ما أوحى قال ابن عباس في رواية عطاء ، والكلبي : أوحى جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما أوحى الله إليه.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال قتادة : يوحي الله إلى جبريل ، ويوحي جبريل إلى محمد صلى الله عليهما.

                                                                                                                                                                                                                                      قوله: ما كذب الفؤاد ما رأى يقال: كذبه، إذا قال له الكذب ولم يصدقه، قال المبرد : معنى الآية: أنه رأى شيئا فصدق فيه.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال أبو الهيثم : ما رأى بمعنى: الرؤية، تقول: ما أوهمه الفؤاد أنه رأى ولم ير، بل صدقه الفؤاد رؤيته.

                                                                                                                                                                                                                                      وما رأى مصدر في موضع النصب؛ لأنه مفعول كذب، وهذا إخبار عن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج ربه،  قال ابن عباس : رأى محمد ربه بفؤاده، ولم يره بعينه.

                                                                                                                                                                                                                                      ويكون ذلك على أن الله تعالى جعل بصره في فؤاده، أو خلق لفؤاده بصرا، حتى رأى ربه رؤية غير كاذبة، كما ترى بالعين، ومذهب جماعة من المفسرين: أنه رآه بعينه.

                                                                                                                                                                                                                                      وهو قول أنس ، وعكرمة ، والحسن ، وكان يحلف بالله: لقد رأى محمد ربه.

                                                                                                                                                                                                                                      فكل هؤلاء أثبتوا رؤية صحيحة: إما بالعين، وإما بالفؤاد، ومذهب عبد الله بن مسعود ، وعائشة رضي الله عنهما في هذه الآية: أنه رأى جبريل في صورته التي خلق عليها.

                                                                                                                                                                                                                                      وقرأ ابن عامر ما كذب بالتشديد، وقال المبرد : في هذه القراءة بعد؛ لأنه إذا رأى بقلبه، فقد [ ص: 196 ] علمه أيضا، والقلب يكذب ويصدق، فإذا كان الشيء في القلب معلوما، فكيف يكون معه تكذيب؟ وهذا على ما قال المبرد : إذا جعلت الرؤية للفؤاد، فإن جعلتها للعين زال الإشكال، وصح المعنى، فيقال: ما كذب فؤاده ما رآه ببصره.

                                                                                                                                                                                                                                      ولقد رآه نزلة أخرى قال ابن عباس : رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه.

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا أبو بكر التميمي ، أنا أبو الشيخ الحافظ ، نا أبو القاسم البغوي ، نا محمد بن جعفر الوركاني ، نا إسماعيل بن زكريا ، عن عاصم ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال: رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه.  

                                                                                                                                                                                                                                      وأخبرنا أبو بكر ، أنا أبو الشيخ الحافظ ، نا محمد بن يحيى المروزي ، نا عاصم بن علي ، نا قيس ، عن عاصم ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال: إن الله تعالى اصطفى إبراهيم بالخلة، واصطفى موسى بالكلام واصطفى محمدا بالرؤية.  

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا أبو منصور المهرجاني ، أنا عبيد الله بن محمد الزاهد ، أنا البغوي ، نا محمد بن إسحاق ، قال: قرأت على محمد بن حاتم المؤدب ، قلت: أخبركم القاسم بن مالك المزني ، نا سفيان بن زياد ، عن عمه سليم بن زياد ، قال: خرجت من مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، فلقيت عكرمة مولى ابن عباس ، فقال: يا أبا نضر لا تبرح حتى أشهدك على هذا الرجل وإذا الرجل معاذ بن عفراء ، فقال: أخبرني بما أخبرك أبوك، عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: حدثني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثه: أنه رأى رب العالمين في خضر من الفردوس،  قال سفيان : فلقيت عكرمة بعد، فسألته عن الحديث، فقال: نعم كذا حدثني إلا أنه قال: رأى ربه بفؤاده.

                                                                                                                                                                                                                                      والأكثرون على أنه رأى جبريل في صورته التي خلق عليها نازلا من السماء نزلة أخرى، وذلك أنه رآه في صورته التي خلق عليها مرتين مرة بالأفق الأعلى، ومرة أخرى رآه منهبطا [ ص: 197 ] من السماء إلى الأرض سادا خلقه ما بينهما وعلى قول ابن عباس معنى: نزلة أخرى هو: أنه كانت للنبي صلى الله عليه وسلم عرجات في تلك الليلة، لما استحط ربه من أعداد الصلوات المفروضة، فيكون لكل عرجة نزلة، فرأى ربه في بعض تلك النزلات.

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية