والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى وهو بالأفق الأعلى ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ما كذب الفؤاد ما رأى
بسم الله الرحمن الرحيم .
والنجم إذا هوى إذ أنزل نجوما متفرقة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في عشرين سنة، والمراد بالنجم: القرآن، سمي نجما، لتفريقه في النزول، والعرب تسمي التفريق تنجيما، والمفرق منجما، وهذا قول أقسم الله تعالى بالقرآن، في رواية ابن عباس ، وزاذان ، وهوى معناه: نزل من أعلى إلى أسفل، يقال: هوى يهوي هويا وهويا، إذا سقط من علو إلى أسفل، وقال في رواية عطاء ، الوالبي وعطية : يعني: الثريا إذا سقطت وغابت.
والعرب تطلق اسم النجم على الثريا خاصة، وقال في رواية : يعني: المرجوم من النجوم، وهو ما يرمى به الشياطين عند استراق السمع. عكرمة
وجواب القسم قوله تعالى: ما ضل صاحبكم وما غوى [ ص: 193 ] يعني: النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: ما ضل عن طريق الهدى.
وما ينطق عن الهوى وما يتكلم بالباطل، وذلك أنهم قالوا: إن محمدا يقول القرآن من تلقاء نفسه.
فقال الله تعالى: ما ينطق محمد بالقرآن من هوى نفسه.
"إن هو" ما القرآن إلا من الله، وحي يوحى إليه، يأتيه به جبريل ، وهو قوله: علمه شديد القوى يعني: جبريل، والقوى: جمع قوة.
ذو مرة ذو قوة، وشدة في خلقه، فاستوى جبريل وهو كناية عن جبريل ، بالأفق الأعلى يعني: أفق المشرق والمغرب، والمراد بالأعلى: جانب المشرق، وهو فوق جانب المغرب، في صعيد الأرض لا في الهواء، قال المفسرون: إن جبريل كان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم في صورة الآدميين، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريه نفسه على صورته التي خلق عليها، فأراه نفسه مرتين، مرة في الأرض، ومرة في السماء، فأما في الأرض: ففي الأفق الأعلى، وذلك أن محمدا صلى الله عليه وسلم كان بحراء ، فطلع له جبريل عليه السلام من المشرق، فسد الأفق إلى المغرب، فخر رسول الله صلى الله عليه وسلم مغشيا عليه، فنزل جبريل في صورة الآدميين، فضمه إلى نفسه، وهو يقول: ثم دنا فتدلى تقديره: ثم تدلى فدنا، أي: قرب بعد بعده وعلوه في الأفق الأعلى، فدنا من محمد صلى الله عليه وسلم، قال ، الحسن : ثم دنا وقتادة جبريل ، بعد استوائه بالأفق الأعلى من الأرض، فنزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم.
وقال أبو صالح : جبريل الذي دنا فتدلى.
وقال : معنى دنا وتدلى واحد؛ لأن المعنى: أنه قرب، وتدلى زاد في القرب، كما تقول: قد دنا مني فلان وقرب، ولو قلت: قرب مني ودنا جاز. الزجاج
فكان قاب قوسين يقال: قاب قوس، وقيب قوس، أي: قدر قوس، وهذا قول جميع المفسرين في القاب، قال : هي لغة حجازية، يقال: كان مني قاب قوسين، وقاد قوسين، وقيد قوسين. الكسائي
قال : كان ما بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدار قوسين. الزجاج
والقوس: ما يرمى به في قول [ ص: 194 ] ، مجاهد وعكرمة ، وعطاء ، عن ، وخصت بالذكر على عادتهم، كما قال ابن عباس ، وقال الكسائي : قدر ذراعين. عبد الله بن مسعود
وهو قول ، شقيق بن سلمة وأبي إسحاق الهمذاني ، وروي ذلك مرفوعا.
أخبرنا عبد الرحمن بن الحسين الحافظ ، فيما أجاز لي أنا عمر بن أحمد الواعظ ، نا عثمان بن أحمد ، نا الحسين بن علي ، نا إسماعيل بن عيسى ، نا المسيب بن شريك ، عن محمد بن عمرو ، عن كثير بن خنيس ، عن ، قال: أنس بن مالك فكان قاب قوسين أو أدنى أما قاب قوسين ، فقول ذراعين أو أدنى من ذراعين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ومعنى القوس على هذا القول ما يقاس به الشيء، والذراع ما يقاس به قال : قاس الشيء يقوسه قوسا، لغة في قاسه يقيسه إذا قدره. ابن السكيت
أخبرنا أبو بكر محمد بن إبراهيم الفارسي ، أنا محمد بن عيسى بن عمرويه ، نا إبراهيم بن محمد ، نا ، نا مسلم بن الحجاج ابن نمير ، نا ، نا أبو أسامة زكريا ، عن ، عن ابن أشوع عامر ، عن مسروق ، قال: رضي الله عنها في قوله: لعائشة ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى قالت: إنما ذاك جبريل كان يأتيه في صورة الرجال، وإنه أتاه في هذه المرة في صورته التي هي صورته فسد أفق السماء ومعنى قوله: قلت أو أدنى قال : أي: فيما تقدرون أنتم، والله تعالى عالم بمقادير الأشياء، ولكنه يخاطبنا على ما جرت به عادة المخاطبة فيما بيننا. ومعنى الآية: أن الزجاج جبريل عليه السلام مع عظمه، وكثرة أجزائه، حتى سد الأفق بجناحيه، دنا من النبي صلى الله عليه وسلم في غير تلك الصورة، حتى قرب منه، وفي ذلك بيان قدرة الله تعالى.
أخبرنا محمد بن أبي إسحاق المطوعي ، أنا محمد بن أحمد بن حمدان بن علي المقري ، أنا ، نا أبو يعلى ، نا أبو خيثمة ، نا الحسن بن موسى زهير ، نا ، قال: أبو [ ص: 195 ] إسحاق الشيباني أتيت دارة ، فألقيت على محبة منه، وعنده شباب، فقالوا لي: سله زر بن حبيش فكان قاب قوسين أو أدنى فسألته فقال: قال : عبد الله بن مسعود جبريل وله ست مائة جناح، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ورواه ، عن البخاري قتيبة ، عن . أبي عوانة
ورواه ، عن مسلم ، عن أبي الربيع كلاهما، عن عباد بن العوام أبي إسحاق قوله: فأوحى إلى عبده ما أوحى قال في رواية ابن عباس ، عطاء : أوحى والكلبي جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما أوحى الله إليه.
وقال : يوحي الله إلى قتادة جبريل ، ويوحي جبريل إلى محمد صلى الله عليهما.
قوله: ما كذب الفؤاد ما رأى يقال: كذبه، إذا قال له الكذب ولم يصدقه، قال : معنى الآية: أنه رأى شيئا فصدق فيه. المبرد
وقال أبو الهيثم : ما رأى بمعنى: الرؤية، تقول: ما أوهمه الفؤاد أنه رأى ولم ير، بل صدقه الفؤاد رؤيته.
وما رأى مصدر في موضع النصب؛ لأنه مفعول كذب، وهذا إخبار عن قال رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج ربه، : رأى ابن عباس محمد ربه بفؤاده، ولم يره بعينه.
ويكون ذلك على أن الله تعالى جعل بصره في فؤاده، أو خلق لفؤاده بصرا، حتى رأى ربه رؤية غير كاذبة، كما ترى بالعين، ومذهب جماعة من المفسرين: أنه رآه بعينه.
وهو قول أنس ، وعكرمة ، ، وكان يحلف بالله: لقد رأى والحسن محمد ربه.
فكل هؤلاء أثبتوا رؤية صحيحة: إما بالعين، وإما بالفؤاد، ومذهب عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما في هذه الآية: أنه رأى ، وعائشة جبريل في صورته التي خلق عليها.
وقرأ ابن عامر ما كذب بالتشديد، وقال : في هذه القراءة بعد؛ لأنه إذا رأى بقلبه، فقد [ ص: 196 ] علمه أيضا، والقلب يكذب ويصدق، فإذا كان الشيء في القلب معلوما، فكيف يكون معه تكذيب؟ وهذا على ما قال المبرد : إذا جعلت الرؤية للفؤاد، فإن جعلتها للعين زال الإشكال، وصح المعنى، فيقال: ما كذب فؤاده ما رآه ببصره. المبرد
ولقد رآه نزلة أخرى قال : رأى ابن عباس محمد صلى الله عليه وسلم ربه.
أخبرنا أبو بكر التميمي ، أنا أبو الشيخ الحافظ ، نا ، نا أبو القاسم البغوي ، نا محمد بن جعفر الوركاني ، عن إسماعيل بن زكريا عاصم ، عن ، عن عكرمة ، قال: ابن عباس محمد صلى الله عليه وسلم ربه. رأى
وأخبرنا أبو بكر ، أنا أبو الشيخ الحافظ ، نا ، نا محمد بن يحيى المروزي ، نا عاصم بن علي قيس ، عن عاصم ، عن ، عن عكرمة ، قال: ابن عباس إبراهيم بالخلة، واصطفى موسى بالكلام واصطفى محمدا بالرؤية. إن الله تعالى اصطفى
أخبرنا أبو منصور المهرجاني ، أنا عبيد الله بن محمد الزاهد ، أنا ، نا البغوي محمد بن إسحاق ، قال: قرأت على محمد بن حاتم المؤدب ، قلت: أخبركم ، نا القاسم بن مالك المزني سفيان بن زياد ، عن عمه سليم بن زياد ، قال: خرجت من مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، فلقيت ، فقال: يا أبا نضر لا تبرح حتى أشهدك على هذا الرجل وإذا الرجل عكرمة مولى ابن عباس معاذ بن عفراء ، فقال: أخبرني بما أخبرك أبوك، عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: حدثني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثه: أنه قال رأى رب العالمين في خضر من الفردوس، سفيان : فلقيت بعد، فسألته عن الحديث، فقال: نعم كذا حدثني إلا أنه قال: رأى ربه بفؤاده. عكرمة
والأكثرون على أنه رأى جبريل في صورته التي خلق عليها نازلا من السماء نزلة أخرى، وذلك أنه رآه في صورته التي خلق عليها مرتين مرة بالأفق الأعلى، ومرة أخرى رآه منهبطا [ ص: 197 ] من السماء إلى الأرض سادا خلقه ما بينهما وعلى قول معنى: ابن عباس نزلة أخرى هو: أنه كانت للنبي صلى الله عليه وسلم عرجات في تلك الليلة، لما استحط ربه من أعداد الصلوات المفروضة، فيكون لكل عرجة نزلة، فرأى ربه في بعض تلك النزلات.