الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا إِذَا لَزِمَتْهُمُ الْحُجَّةُ وَتَيَقَّنُوا بَاطِلَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ وَتَحْرِيمِ مَا لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ: لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: إِنَّ الْمُشْرِكِينَ جَعَلُوا قَوْلَهُمْ: لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا حُجَّةً عَلَى إِقَامَتِهِمْ عَلَى الشِّرْكِ، فَقَالُوا: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَضِيَ مِنَّا مَا نَحْنُ عَلَيْهِ وَأَرَادَهُ مِنَّا وَأَمَرَنَا بِهِ، وَلَوْ لَمْ يَرْضَ ذَلِكَ مِنَّا لَحَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ. وَلَا يَكُونُ هَذَا حُجَّةً لَهُمْ عَلَى أَنَّ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ حَقٌّ; لِأَنَّ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا تَجْرِي بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَوْ كَانُوا عَلَى صَوَابٍ لِأَنَّ ذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ لَكَانَ مَنْ خَالَفَهُمْ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُمْ أَيْضًا عَلَى صَوَابٍ، لِأَنَّهُمْ أَيْضًا عَلَى مَا شَاءَ، فَيَنْبَغِي أَلَّا يَقُولُوا: إِنَّهُمْ ضَالُّونَ، فَبَانَ أَنَّهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي قَوْلِهِمْ: لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا قَالُوهُ، لِأَنَّهُمْ تَرَكُوا أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى وَتَعَلَّقُوا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ. وَأَمْرُ اللَّهِ بِمَعْزِلٍ عَنْ إِرَادَتِهِ; لِأَنَّهُ يُرِيدُ لِجَمِيعِ الْكَائِنَاتِ غَيْرَ آمِرٍ بِجَمِيعِ مَا يُرِيدُ، فَعَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَتَّبِعَ الْأَمْرَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْإِرَادَةِ بَعْدَ وُرُودِ الْأَمْرِ. قَوْلُهُ: كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَمَا كَذَّبَ هَؤُلَاءِ كَذَّبَ كُفَّارُ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ أَنْبِيَاءَهُمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا شِدَّةَ عَذَابِنَا، قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مِنْ كِتَابٍ نَزَلَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فِي تَحْرِيمِ مَا حَرَّمْتُمْ. إِنْ تَتَّبِعُونَ: مَا تَتَّبِعُونَ فِيمَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ إِلَّا الظَّنَّ، لَا الْعِلْمَ وَالْيَقِينَ، وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ وَمَا أَنْتُمْ إِلَّا خَارِصِينَ كَاذِبِينَ. قَوْلُهُ: قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ قَالَ الزَّجَّاجُ: حُجَّتُهُ الْبَالِغَةُ: تَبْيِينُهُ أَنَّهُ الْوَاحِدُ وَإِرْسَالُهُ الْأَنْبِيَاءَ بِالْحُجَجِ الَّتِي يَعْجِزُ عَنْهَا الْمَخْلُوقُونَ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْمُفَسِّرِينَ: وَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ بِالْكِتَابِ وَالرَّسُولِ وَالْبَيَانِ. فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَا شَاءَ إِيمَانَ الْكَافِرِ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاهُ. أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفِرْيَابِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَّةُ بْنُ أَسْمَاءَ، قَالَ: سَمِعَتْ عَلِيَّ بْنَ زَيْدٍ تَلًّا هَذِهِ الْآيَةَ: قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: انْقَطَعَ وَاللَّهِ هَاهُنَا كَلَامُ الْقَدَرِيَّةِ. قَوْلُهُ: قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الْآيَةَ، هَلُمَّ: كَلِمَةُ دَعْوَةٍ إِلَى شَيْءٍ، تَقُولُ: هَلُمَّ يَا رَجُلُ، وَكَذَلِكَ لِلِاثْنَيْنِ وَالْجَمْعِ وَالْمُؤَنَّثِ مُوَحَّدٌ، وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ تُسْتَعْمَلُ تَارَةً بِمَعْنَى دُعَاءِ الْمُخَاطَبِ كَقَوْلِكَ: هَلُمَّ إِلَيَّ. أَيِ: ادْنُ مِنِّي وَتَعَالَ، وَتَارَةً تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى التَّعْدِيَةِ كَقَوْلِكَ: هَلُمَّ الطَّعَامَ. وَوَرَدَ الْقُرْآنُ بِالْمَعْنَيَيْنِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا ، وَقَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ . قَالَ الزَّجَّاجُ: هَاتُوا وَقَرِّبُوا شُهَدَاءَكُمْ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا يَعْنِي: مَا ذُكِرَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ مِمَّا حَرَّمَهُ الْمُشْرِكُونَ، يَقُولُ: ائْتُوا بِمَنْ يَشْهَدُ لَكُمْ أَنَّ هَذَا التَّحْرِيمَ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ. فَإِنْ شَهِدُوا هُمْ وَقَالُوا: نَشْهَدُ بِذَلِكَ، فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ لَا تُوَافِقْهُمْ عَلَى دِينِهِمْ وَمَقَالَتِهِمْ، وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَعْنِي: هَؤُلَاءِ الْمُحَرِّمِينَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ يُشْرِكُونَ الْأَصْنَامَ. قَوْلُهُ: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ الْآيَةَ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْكُمْ مِنْ صِلَةِ أَتْلُ كَأَنَّهُ قَالَ: أَتْلُ عَلَيْكُمْ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مِنْ صِلَةِ التَّحْرِيمِ. قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْكُمْ إِغْرَاءٌ وَانْقَطَعَ عِنْدَ قَوْلِهِ: مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ ثُمَّ قَالَ: عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، كَمَا قَالَ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ. وَقَوْلُهُ: أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا قَالَ الزَّجَّاجُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مَحْمُولًا عَلَى الْمَعْنَى، فَيَكُونُ: أَتْلُ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا، وَالْمَعْنَى: أَتْلُ عَلَيْكُمْ تَحْرِيمَ الشِّرْكِ. قَالَ: وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ عَلَى مَعْنَى: أُوصِيكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا; لِأَنَّ قَوْلَهُ: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا مَحْمُولٌ عَلَى مَعْنَى: أُوصِيكُمْ بِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا. قَوْلُهُ: وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ يُقَالُ: أَمْلَقَ الرَّجُلُ فَهُوَ مُمْلِقٌ. إِذَا افْتَقَرَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ: مَخَافَةَ الْفَقْرِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهَذَا فِي قَوْلِهِ: وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ . وَهَذَا فِي النَّهْيِ عَنِ الْوَأْدِ: كَانُوا يَدْفِنُونَ الْبَنَاتِ أَحْيَاءً خَوْفَ الْفَقْرِ، فَضَمِنَ اللَّهُ لَهُمُ الرِّزْقَ فَقَالَ: نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يَزْنُوا عَلَانِيَةً فَيَفْعَلُونَ ذَلِكَ سِرًّا، فَنَهَاهُمُ اللَّهُ عَنِ الزِّنَا سِرًّا وَعَلَانِيَةً. قَوْلُهُ: وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِلَّا بِالْقَوَدِ، يَعْنِي: الْقِصَاصَ. أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الصُّوفِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ كَمَارَوَيْهِ الْقَاضِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الزَّعْفَرَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْعَوَّامِ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَابِقٍ، عَنْ خَيْثَمَةَ بْنِ خَلِيفَةَ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: " كَانَ فِيمَا أَعْطَى اللَّهُ تَعَالَى مُوسَى فِي الْأَلْوَاحِ: وَلَا تَقْتُلِ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمْتُ إِلَّا بِالْحَقِّ فَتَضِيقَ عَلَيْكَ الْأَرْضُ بِرَحْبِهَا، وَالسَّمَاءُ بِأَقْطَارِهَا، وَتَبُوءَ بِسَخَطِي فِي النَّارِ". وَقَوْلُهُ: ذَلِكُمْ يَعْنِي: مَا ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَصَّاكُمْ: أَمَرَكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ لِكَيْ تَعْرِفُوا ذَلِكَ. قَوْلُهُ: وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ قَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ: إِنْ كُنْتَ وَصِيًّا فَأَصْلَحْتَ مَالَهُ، وَقُمْتَ لِلَّهِ فِي ضَيْعَتِهِ أَكَلْتَ بِالْمَعْرُوفِ إِنِ احْتَجْتَ إِلَيْهِ، وَإِنْ كُنْتَ غَنِيًّا عَنْهُ فَعُفَّ عَنْ أَكْلِهِ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ: هُوَ حِفْظُ مَالِهِ عَلَيْهِ، وَتَثْمِيرُهُ بِمَا يُوجَدُ السَّبِيلُ إِلَيْهِ. وَقَوْلُهُ: حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ الْأَشُدُّ: مَبْلَغُ الرَّجُلِ الْحُنْكَةَ وَالْمَعْرِفَةَ. قَالَ الْفَرَّاءُ: وَاحِدُهَا شَدٌّ فِي الْقِيَاسِ وَلَمْ أَسْمَعْ لَهَا بِوَاحِدٍ. وَفُسِّرَ بُلُوغُ الْأَشُدِّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِالِاحْتِلَامِ، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: بُلُوغُ أَشُدِّهِ: أَنْ يُؤْنَسَ مِنْهُ الرُّشْدُ مَعَ أَنْ يَكُونَ بَالِغًا، فَحِينَئِذٍ يَجِبُ دَفْعُ الْمَالِ إِلَيْهِ. وَأَوْفُوا الْكَيْلَ أَتِمُّوهُ وَلَا تَنْقُصُوا مِنْهُ شَيْئًا، وَالْمِيزَانَ أَيْ: وَزِنِ الْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ: بِالْعَدْلِ، لَا بَخْسَ وَلَا شَطَطَ، لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا إِلَّا مَا يَسَعُهَا وَلَا تَضِيقُ عَنْهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ كُلِّفَ الْمُعْطِي الزِّيَادَةَ لَضَاقَتْ نَفْسُهُ عَنْهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ كُلِّفَ الْآخِذُ الرِّضَا بِالنُّقْصَانِ. وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِذَا شَهِدْتُمْ أَوْ تَكَلَّمْتُمْ فَقُولُوا الْحَقَّ، وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى أَيْ: وَلَوْ كَانَ الْمَشْهُودُ لَهُ وَعَلَيْهِ وَلَدَكَ وَقَرَابَتَكَ، وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا أَيْ: وَبِمَا عَاهَدْتُمُ اللَّهَ عَلَيْهِ فَأَوْفُوا بِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ لِتَتَذَكَّرُوهُ وَتَأْخُذُوا بِهِ. قَوْلُهُ: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا قَالَ الْفَرَّاءُ: تُفْتَحُ أَنْ بِمَعْنَى: وَأَتْلُ عَلَيْكُمْ أَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا. وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ وَبِأَنَّ هَذَا. وَسِيبَوَيْهِ يَقُولُ: التَّقْدِيرُ: وَلِأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمٌ فَاتَّبِعُوهُ، كَقَوْلِهِ: وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ، قَالَ سِيبَوَيْهِ: وَلِأَنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ. وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ: وَأَنْ مَفْتُوحَةً مُخَفَّفَةً مِنَ الْمُشَدَّدَةِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَأَنَّهُ هَذَا، ثُمَّ حُذِفَ الضَّمِيرُ وَخُفِّفَتْ، وَمَنْ كَسَرَ إِنَّ اسْتَأْنَفَ بِهَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ: دِينِي دِينُ الْحَنِيفِيَّةِ أَقْوَمُ الْأَدْيَانِ وَأَحْسَنُهَا. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: الَّذِي ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ مِنْ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا. فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْيَهُودِيَّةُ وَالنَّصْرَانِيَّةُ وَالْمَجُوسِيَّةُ وَعِبَادَةُ الْأَصْنَامِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي: الْبِدَعَ وَالشُّبَهَاتِ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: يَعْنِي: طَرِيقَ الضَّلَالَةِ فِيمَا حَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنَ الْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ. فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ فَتَضِلَّ وَتَمِيلَ وَتُخَالِفَ بِكُمْ عَنْ دِينِهِ، قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: هَذِهِ الْآيَاتُ مُحْكَمَاتٌ لَمْ يَنْسَخْهُنَّ شَيْءٌ، مَنْ عَمِلَ بِهِنَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ تَرَكَهُنَّ دَخَلَ النَّارَ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية