الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ وَقَوْلُهُ: ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ ثُمَّ أَوْجَبَ تَأْخِيرَ الْخَبَرِ بَعْدَ الْخَبَرِ الْأَوَّلِ، يُرِيدُ: ثُمَّ أُخْبِرُكُمْ بَعْدَ مَا أَخْبَرْتُكُمْ بِنُزُولِ التَّوْرَاةِ عَلَى مُوسَى. فَدَخَلَتْ ثُمَّ لِتَأْخِيرِ الْخَبَرِ، لَا لِتَأْخِيرِ النُّزُولِ. ذَكَرَ ذَلِكَ الزَّجَّاجُ، وَابْنُ الْأَنْبَارِيِّ. قَوْلُهُ: تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ أَيْ: عَلَى الَّذِي أَحْسَنَهُ مُوسَى مِنَ الْعِلْمِ وَكُتُبِ اللَّهِ الْقَدِيمَةِ، فَيَكُونُ أَحْسَنَ بِمَعْنَى: عَلِمَ، وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ: تَمَامًا: عَلَى ذَلِكَ: زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ. قَالَ الزَّجَّاجُ: وَتَمَامًا مَنْصُوبٌ مَفْعُولٌ لَهُ، وَكَذَلِكَ وَتَفْصِيلًا. وَالْمَعْنَى: آتَيْنَا لِلتَّمَامِ وَالتَّفْصِيلِ لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً . وَقَوْلُهُ: لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَيْ يُؤْمِنُوا بِالْبَعْثِ وَيُصَدِّقُوا بِالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ. وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ يَعْنِي: الْقُرْآنَ، فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا : اتَّبِعُوا حَلَالَهُ، وَاتَّقُوا حَرَامَهُ، لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ: لِتَكُونُوا رَاجِينَ لِلرَّحْمَةِ. أَنْ تَقُولُوا: قَالَ الْفَرَّاءُ: أَنْ مُتَعَلِّقَةُ بِ اتَّقُوا، وَالتَّأْوِيلُ: اتَّقُوا أَنْ تَقُولُوا. وَعِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ مَعْنَاهُ: أَنْزَلْنَاهُ كَرَاهَةَ أَنْ تَقُولُوا، ثُمَّ حَذَفَ الْمُضَافَ، إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ يَعْنِي: التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا يَعْنِي: الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ وَمَا كُنَّا عَنْ تِلَاوَةِ كُتُبِهِمْ إِلَّا غَافِلِينَ. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: الْخَطَابُ لِأَهْلِ مَكَّةَ. وَالْمُرَادُ: إِثْبَاتُ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِإِنْزَالِ الْقُرْآنِ كَيْلَا يَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ: إِنَّ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ أُنْزِلَا عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَكُنَّا غَافِلِينَ عَمَّا فِيهِمَا. فَقَطَعَ اللَّهُ مَعَاذِيرَهُمْ بِإِنْزَالِ الْقُرْآنِ. قَالَ الْكِسَائِيُّ: وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ لَا نَعْلَمُ مَا هِيَ; لِأَنَّ كِتَابَهُمْ لَمْ يَكُنْ بِلُغَتِنَا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ كِتَابًا بِلُغَتِهِمْ كَيْلَا يَعْتَذِرُوا بِأَنَّ الْكِتَابَ لَمْ يَأْتِهِمْ، وَأَنَّ الرَّسُولَ لَمْ يُبْعَثْ إِلَيْهِمْ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: أَوْ تَقُولُوا، يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ: لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ رَسُولٌ مِنْ رَبِّكُمْ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ حِينَ لَمْ تَعْرِفُوا دِرَاسَةَ الطَّائِفَتَيْنِ، وَهُدًى وَرَحْمَةً يَعْنِي: الْقُرْآنَ، فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ هَذَا الْبَيَانِ، وَصَدَفَ: أَعْرَضَ عَنْهَا، ثُمَّ أَوْعَدَهُمْ فَقَالَ سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ الْآيَةَ. قَوْلُهُ: هَلْ يَنْظُرُونَ: مَعْنَى يَنْظُرُونَ: يَنْتَظِرُونَ، وَهَلِ اسْتِفْهَامٌ مَعْنَاهُ النَّفْيُ، أَيْ: لَا يَنْتَظِرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ الْمَوْتِ لَقَبْضِ أَرْوَاحِهِمْ، وَهَذَا خَبَرٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ، أَيْ: يَجِبُ أَنْ لَا يَنْتَظِرُوا بَعْدَ تَكْذِيبِكَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ الْمَوْتِ فَيَقَعُوا فِي الْعَذَابِ. أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَتَنَزَّلُ أَمْرُ رَبِّكَ فِيهِمْ بِالْقَتْلِ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الْمَعْنَى: أَوْ يَأْتِي إِهْلَاكُ رَبِّكَ إِيَّاهُمْ بِعَذَابٍ عَاجِلٍ أَوْ بِالْقِيَامَةِ. أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ قَالَ عَامَّةُ الْمُفَسِّرِينَ: يَعْنِي: طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَهَذَا إِنَّمَا يَنْتَظِرُهُ مَنْ تَأَخَّرَ فِي الْوُجُودِ مِنْ مُكَذِّبِي هَذِهِ الْأُمَّةِ. يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَيْ: لَا يَنْفَعُهَا الْإِيمَانُ عِنْدَ الْآيَةِ الَّتِي تَضْطَرُّهُمْ إِلَى الْإِيمَانِ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَوْ بَعَثَ عَلَى كُلِّ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ عَذَابًا لَاضْطُرَّ النَّاسُ إِلَى الْإِيمَانِ وَسَقَطَ التَّكْلِيفُ وَالْجَزَاءُ. . أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَخْبَرَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنَ الْمَغْرِبِ، فَإِذَا طَلَعَتْ مِنَ الْمَغْرِبِ آمَنِ النَّاسُ كُلُّهُمْ، وَذَلِكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا وَقَوْلُهُ: قُلِ انْتَظِرُوا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: انْتَظِرُوا يَا أَهْلَ مَكَّةَ، إِنَّا مُنْتَظِرُونَ: بِكُمُ الْعَذَابَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَوْ قَبْلَهَا فِي الدُّنْيَا.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية