الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا قَوْلُهُ: وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ قَالَ الْفَرَّاءُ، وَالزَّجَّاجُ: جَنَاحُ الْإِنْسَانِ عَضُدُهُ إِلَى أَصْلِ إِبِطِهِ. وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ، قَالَ: كَفَّكَ تَحْتَ عَضُدِكَ. وَقَوْلُهُ: تَخْرُجْ بَيْضَاءَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ لِيَدِهِ نُورٌ سَاطِعٌ، يُضِيءُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ كَضَوْءِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَأَشَدَّ ضَوْءًا. فَذَلِكَ قَوْلُهُ: بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ أَيْ: مِنْ غَيْرِ بَرَصٍ فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ، قَالَ اللَّيْثُ: وَيُكَنَّى بِالسُّوءِ عَنِ الْبَرَصِ. وَقَوْلُهُ: آيَةً أُخْرَى أَيْ: دَلَالَةً عَلَى صِدْقِكَ سِوَى الْعَصَا. لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى أَرَادَ الْآيَةَ الْكُبْرَى، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَتْ يَدُ مُوسَى أَكْبَرَ آيَاتِهِ. اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى جَاوَزَ الْقَدْرَ فِي الْعِصْيَانِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ خَرَجَ فِي مَعْصِيَتِهِ إِلَيَّ فَتَجَاوَزَ بِهِ مَعَاصِيَ النَّاسِ. قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ حَتَّى لَا أَخَافَ غَيْرَكَ. وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَضِيقُ صَدْرًا بِمَا كُلِّفَ مِنْ مُقَاوَمَةِ فِرْعَوْنَ وَجُنْدِهِ وَحْدَهُ، فَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُوَسِّعَ قَلْبَهُ لِلْحَقِّ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ أَحَدًا لَا يَقْدِرُ عَلَى مَضَرَّتِهِ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ، وَإِذَا عَلِمَ ذَلِكَ لَمْ يَخَفْ فِرْعَوْنَ، وَإِنِ اشْتَدَّتْ شَوْكَتُهُ وَكَثُرَ جُنُودُهُ. وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي سَهِّلْ عَلَيَّ مَا بَعَثْتَنِي لَهُ. وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ أَطْلِقْ عَنْ لِسَانِي الْعُقْدَةَ الَّتِي فِيهِ حَتَّى يَفْهَمُوا كَلَامِي. وَهُوَ قَوْلُهُ: يَفْقَهُوا قَوْلِي وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي عَوْنًا وَظَهِيرًا مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، قَالَ الزَّجَّاجُ: اشْتِقَاقُهُ فِي اللُّغَةِ مِنَ الْوَزَرِ، وَهُوَ الْجَبَلُ الَّذِي يُعْتَصَمُ بِهِ لِيُنْجِيَ مِنَ التَّهْلُكَةِ، وَالْوَزِيرُ الَّذِي يَعْتَمِدُ الْمَلِكُ عَلَى رَأْيِهِ فِي الْأُمُورِ وَيَلْتَجِئُ. وَقَوْلُهُ: هَارُونَ أَخِي مَفْعُولُ الْجَعْلِ عَلَى تَقْدِيرِ اجْعَلْ هَارُونَ أَخِي وَزِيرِي. اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي قَوِّ ظَهْرِي وَأَعِنِّي بِهِ، وَالْأَزْرُ الظَّهْرُ. وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي اجْمَعْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فِي النُّبُوَّةِ، وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ أُشَدِّدُ بِهِ أَزْرِي وَأُشْرِكُهُ فِي أَمْرِي عَلَى الْجَوَابِ وَالْمُجَازَاةِ، وَالْوَجْهُ الدُّعَاءُ عَلَى مَا قَرَأَتْ بِهِ الْعَامَّةُ؛ لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا تَقَدَّمُهُ مِنْ قَوْلِهِ: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي فَكَمَا أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ دُعَاءٌ، فَكَذَلِكَ مَا عُطِفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا قَالَ الْكَلْبِيُّ: يَقُولُ: نُصَلِّي لَكَ كَثِيرًا. وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا بِحَمْدِكَ وَالثَّنَاءِ عَلَيْكَ، بِمَا أَوْلَيْتَنَا مِنْ نِعَمِكَ، وَمَنَّيْتَ بِهِ عَلَيْنَا مِنْ تَحْمِيلِ رِسَالَتِكَ. إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا عَالِمًا إِذْ خَصَصْتَنَا بِهَذِهِ النِّعْمَةِ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية