الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      فَاسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَهُ: قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى أُعْطِيتَ مَا سَأَلْتَ، وَسُؤَالُ الْإِنْسَانِ: أُمْنِيَتُهُ الَّتِي يَطْلُبُهَا، فَلَيَّنَ اللَّهُ لَهُ صَدْرَهُ، وَحَلَّ الْعُقْدَةَ مِنْ لِسَانِهِ، وَبَعَثَ مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ. ثُمَّ أَخْبَرَ بِمِنَّتَهِ عَلَيْهِ قَبْلَ هَذَا، فَقَالَ: وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى أَيْ: أَحْسَنَّا إِلَيْكَ، وَأَنْعَمْنَا عَلَيْكَ قَبْلَ هَذِهِ الْمَرَّةِ. ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى أَيْ: أَلْهَمْنَاهَا حِينَ عَيِيَتْ بِأَمْرِكَ مَا كَانَ فِيهِ سَبَبُ نَجَاتِكَ مِنَ الْقَتْلِ، وَمَعْنَى مَا يُوحَى: مَا يُلْهَمُ. ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ الْإِيحَاءَ، فَقَالَ: أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ أَيِ: اجْعَلِيهِ فِيهِ بِأَنْ تَرْمِيَهُ فِيهِ، فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ النِّيلَ. وَالْيَمُّ الْبَحْرُ، وَالنَّهْرُ الْكَبِيرُ، فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ وَهُوَ شَطُّ الْبَحْرِ وَالْوَادِي، يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ يَعْنِي فِرْعَوْنَ، وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي قَالَ عَطَاءٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَا يَلْقَاكَ أَحَدٌ إِلَّا أَحَبَّكَ، لَا مُؤْمِنٌ وَلَا كَافِرٌ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: حُسْنٌ وَمَلَاحَةٌ، فَحَيْثُ أَبْصَرَتْ وَجْهَهُ آسِيَةُ قَالَتْ لِفِرْعَوْنَ: قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ وَقَالَ قَتَادَةُ: مَلَاحَةٌ كَانَتْ فِي عَيْنِ مُوسَى، مَا رَآهُ أَحَدٌ إِلَّا عَشِقَهُ. وَقَالَ عُبَيْدَةُ: يَقُولُ: جَعَلْتُ لَكَ مَحَبَّةً عِنْدَ غَيْرِي، أَحَبَّكَ فِرْعَوْنُ، فَسَلِمْتَ مِنْ شَرِّهِ، وَأَحَبَّتْكَ امْرَأَتُهُ آسِيَةُ، فَتَبَنَّتْكَ. وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي وَلِتُرَبَّى وَتُغَذَّى بِمَرْأَى مِنِّي، يُقَالُ: صَنَعَ الرَّجُلُ جَارَيْتَهُ إِذَا رَبَّاهَا، وَصَنَعَ فَرَسَهُ إِذَا دَاوَمَ عَلَى عَلْفِهِ، وَالْقِيَامِ عَلَيْهِ. وَتَفْسِيرُ قَوْلِهِ: عَلَى عَيْنِي بِمَرْأَى مِنِّي صَحِيحٌ، وَلَكِنْ لَا يَكُونُ لِمُوسَى فِي هَذَا تَخْصِيصٌ، فَإِنَّ جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ بِمَرْأَى مِنَ اللَّهِ، وَالصَّحِيحُ فِي هَذَا قَوْلُ قَتَادَةَ: لِتُغَذَّى عَلَى مَحَبَّتِي وَإِرَادَتِي. وَهَذَا الْقَوْلُ اخْتِيَارُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَابْنِ الْأَنْبَارِيِّ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: لِتُغَذَّى عَلَى مَحَبَّتِي، وَمَا أُرِيدُ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: اتَّخِذْ شَيْئًا عَلَى عَيْنِي، أَيْ: عَلَى مَحَبَّتِي. وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: الْعَيْنُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ يُقْصَدُ بِهَا قَصْدَ الْإِرَادَةِ وَالِاخْتِيَارِ، مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ: غُذِّيَ عَلَى عَيْنِي، أَيْ عَلَى الْمَحَبَّةِ مِنِّي. وَالْمَعْنَى: وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي، قَدَّرْنَا مَشْيَ أُخْتِكَ وَقَوْلَهَا هَلْ أَدُلُّكِ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ؛ لِأَنَّ هَذَا كَانَ مِنْ أَسْبَابِ تَرْبِيَةِ مُوسَى عَلَى مَا أَرَادَ اللَّهُ. وَهُوَ قَوْلُهُ: إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ يَعْنِي حِينَ قَالَتْ لَهَا أُمُّ مُوسَى: قُصِّيهِ. فَاتَّبَعَتْ مُوسَى عَلَى أَثَرِ الْمَاءِ، وَقَوْلُهُ: فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ يَعْنِي: حِينَ أَبَى مُوسَى الْمَرَاضِعَ، فَقَالَتْ: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ أَيْ: يُرْضِعُهُ وَيَضُمُّهُ إِلَيْهِ، فَقِيلَ لَهَا: وَمَنْ هِيَ؟ قَالَتْ أُمِّي. قَالُوا: أَمَّكِ لَهَا لَبَنٌ. قَالَتْ: لَبَنُ أَخِي هَارُونَ. فَأَرْسَلُوهَا، فَجَاءَتْ بِالْأُمِّ، فَقَبِلَ ثَدْيَهَا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ أَيْ: رَدَدْنَاكَ إِلَيْهَا، كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا بِكَ وَبِرُؤْيَتِكَ، وَقَتَلْتَ نَفْسًا يَعْنِي: الْقِبْطِيَّ الَّذِي وَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ، فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ مِنْ غَمِّ مَخَافَةِ أَنْ تُقْتَلَ بِهِ، خَلَّصْنَاكَ مِنْهُ حِينَ هَرَبْتَ إِلَى مَدْيَنَ، وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٍ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ: الْفُتُونُ وُقُوعُهُ فِي مِحْنَةٍ بَعْدَ مِحْنَةٍ، خَلَّصَهُ اللَّهُ مِنْهَا، أَوَّلُهَا: أَنَّ أُمَّهُ حَمَلَتْهُ فِي السَّنَةِ الَّتِي كَانَ فِرْعَوْنُ يَذْبَحُ فِيهَا الْأَطْفَالَ، ثُمَّ إِلْقَاؤُهُ فِي الْبَحْرِ، ثُمَّ مَنْعُهُ الرَّضَاعَ إِلَّا مِنْ ثَدْيِ أُمِّهِ، ثُمَّ جَرُّهُ لِحْيَةَ فِرْعَوْنَ حَتَّى هَمَّ بِقَتْلِهِ، ثُمَّ تَنَاوَلُهُ الْجَمْرَةَ بَدَلَ الدُّرَّةِ، ثُمَّ قَتْلُهُ الْقِبْطِيَّ، ثُمَّ خُرُوجُهُ إِلَى مَدْيَنَ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ، وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُصُّ الْقِصَّةَ عَلَى سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَيَقُولُ عِنْدَ كُلِّ بَلِيَّةٍ: وَهَذَا مِنَ الْفُتُونِ يَا ابْنَ جُبَيْرٍ. وَعَلَى هَذَا مَعْنَى فَتَنَّاكَ خَلَّصْنَاكَ مِنْ تِلْكَ الْمِحَنِ كَمَا يُفْتَنُ الذَّهَبُ بِالنَّارِ فَيَخْلُصُ مِنْ كُلِّ خَبَثٍ وَشَائِبٍ، وَالْفُتُونُ مَصْدَرٌ، وَقَوْلُهُ: فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَخَرَجْتَ إِلَى أَهْلِ مَدْيَنَ فَلَبِثْتَ سِنِينَ، وَمِثْلُ هَذَا الْحَذْفِ فِي التَّنْزِيلِ كَثِيرٌ، قَالَ الْفَرَّاءُ: وَهُوَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ، أَنْ تَجْتَزِئَ بِحَذْفِ كَثِيرٍ مِنَ الْكَلَامِ إِذَا كَانَ الْمَعْنَى مَعْرُوفًا. وَمَدْيَنُ بَلَدُ شُعَيْبٍ، وَكَانَ عَلَى ثَمَانِ مَرَاحِلَ مِنْ مِصْرَ، هَرَبَ إِلَيْهَا مُوسَى فَأَقَامَ بِهَا عَشْرَ سِنِينَ. قَوْلُهُ: ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى يَعْنِي: عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَهُوَ الْقَدْرُ الَّذِي يُوحَى فِيهِ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ، هَذَا قَوْلُ الْمُفَسِّرِينَ، وَالْمَعْنَى: عَلَى الْوَعْدِ الَّذِي وَعَدَهُ اللَّهُ وَقَدَّرَهُ فِي عِلْمِهِ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ بِالرِّسَالَةِ، وَهُوَ أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ: ثُمَّ جِئْتَ عَلَى الْقَدْرِ الَّذِي قَدَرْتَ أَنْ تَجِيءَ. قَوْلُهُ: وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي الِاصْطِنَاعُ: اتِّخَاذُ الصَّنِيعَةِ، وَهُوَ الْخَيْرُ تُسْدِيهِ إِلَى إِنْسَانٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ اصْطَنَعْتُكَ لِوَحْيِي وَرِسَالَتِي. وَالْمَعْنَى: لِتَتَصَرَّفَ عَلَى إِرَادَتِي وَمَحَبَّتِي، وَذَلِكَ أَنَّ تَبْلِغَةَ الْوَحْيِ، وَقِيَامَهُ بِأَدَاءِ الرِّسَالَةِ تَصَرُّفٌ عَلَى إِرَادَةِ اللَّهِ وَمَحَبَّتِهِ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: تَأْوِيلُهُ اخْتَرْتُكَ لِإِقَامَةِ حُجَّتِي، وَجَعَلْتُكَ بَيْنِي وَبَيْنَ خَلْقِي، حَتَّى صِرْتَ فِي التَّبْلِيغِ عَنِّي بِالْمَنْزِلَةِ الَّتِي أَكُونُ أَنَا بِهَا لَوْ خَاطَبْتُهُمْ وَاحْتَجَجْتُ عَلَيْهِمْ. اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي الْآيَاتِ التِّسْعَ الَّتِي بُعِثَ بِهَا مُوسَى. وَلَا تَنِيَا لَا تَضْعُفَا، وَلَا تَفْتُرَا، يُقَالُ: وَنَى يَنِي إِذَا ضَعُفَ. فِي ذِكْرِي قَالَ الْفَرَّاءُ: فِي ذِكْرِي وَعَنْ ذِكْرِي سَوَاءٌ. وَالْمَعْنَى: لَا تُقَصِّرَا فِي ذِكْرِي بِالْإِحْسَانِ إِلَيْكُمَا وَالْإِنْعَامِ عَلَيْكُمَا، وَذِكْرُ النِّعْمَةِ شُكْرُهَا. اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ تَكْرِيرُ الْأَمْرِ بِالذَّهَابِ لِلتَّأْكِيدِ، إِنَّهُ طَغَى مَرَّ تَفْسِيرُهُ. فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالسُّدِّيُّ: كَنَّيَاهُ. وَاخْتَلَفُوا فِي كُنْيَتِهِ، فَقِيلَ: أَبُو الْعَبَّاسِ، وَأَبُو الْوَلِيدِ، وَأَبُو مُرَّةَ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: يَعْنِي بِالْقَوْلِ اللَّيِّنِ: هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمُرَوَّزَيْ، فِي كِتَابِهِ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِدَادِي، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، أَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَنَا أَبُو عَمْرٍو، عَنْ أَسْبَاطٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: الْقَوْلُ اللَّيِّنُ أَنَّ مُوسَى أَتَاهُ فَقَالَ لَهُ: تُسْلِمُ وَتُؤْمِنُ بِمَا جِئْتُ بِهِ، وَتَعْبُدُ رَبَّ الْعَالَمِينَ عَلَى أَنَّ لَكَ شَبَابَكَ فَلَا تَهْرَمُ، وَتَكُونُ مَلِكًا لَا يُنْزَعُ مِنْكَ حَتَّى تَمُوتَ، وَلَا يُنْزَعَ مِنْكَ لَذَّةُ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْجِمَاعِ حَتَّى تَمُوتَ، فَإِذَا مِتَّ دَخَلْتَ الْجَنَّةَ، وَكَانَ لَا يَقْطَعُ أَمْرًا دُونَ هَامَانَ، وَكَانَ غَائِبًا، فَقَالَ فِرْعَوْنُ: إِنَّ لِي ذَا أَمْرٍ وَهُوَ غَائِبٌ حَتَّى يُقْدِمَ. فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ قَدِمَ هَامَانُ، فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ: أَعَلِمْتَ أَنَّ مُوسَى قَدْ دَعَانِي إِلَى أَمْرٍ أَعْجَبَنِي، وَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي دَعَاهُ إِلَيْهِ، وَأَرَدْتُ أَنْ أَقْبَلَهُ مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ هَامَانُ: قَدْ كُنْتُ أَرَى أَنَّ لَكَ رَأْيًا بَيِّنًا، أَنْتَ رَبٌّ فَتُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مَرْبُوبًا، وَبَيْنَا أَنْتَ تُعْبَدُ فَتُرِيدُ أَنْ تَعْبُدَ. فَقَلَبَهُ عَنْ رَأْيِهِ ذَلِكَ فَأَبَى، قَالَ الشَّيْخُ سَمِعْتُ إِسْمَاعِيلَ بْنَ أَبِي الْقَاسِمِ النَّصْرَأَبَاذِي، سَمِعْتُ وَالِدِي، سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْأَزْرَقِيَّ، سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ يَقُولُ: حَضَرْتُ مَجْلِسَ يَحْيَى بْنِ مُعَاذٍ، وَقَرَأَ رَجُلٌ هَذِهِ الْآيَةَ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا فَبَكَى يَحْيَى، ثُمَّ قَالَ: إِلَهِي، هَذَا رِفْقُكَ بِمَنْ يَقُولُ أَنَا إِلَهٌ، فَكَيْفَ رِفْقُكَ بِمَنْ يَقُولُ: أَنْتَ إِلَهِي، إِنَّ قَوْلَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَهْدِمُ كُفْرَ خَمْسِينَ سَنَةً، فَمَا تَصْنَعُ بِذُنُوبِ خَمْسِينَ سَنَةً. وَقَوْلُهُ: لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى أَيِ: ادْعُوَاهُ عَلَى الرَّجَاءِ وَالطَّمَعِ، لَا عَلَى الْيَأْسِ مِنْ فَلَاحِهِ، فَوَقَعَ التَّعَبُّدُ لَهُمَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ لَهُمَا فِي دُعَائِهِ إِلَى الْحَقِّ، وَقَدْ كَشَفَ الزَّجَّاجُ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى، فَقَالَ: الْمَعْنَى فِي هَذَا عِنْدَ سِيبَوَيْهِ: اذْهَبَا عَلَى رَجَائِكُمَا وَطَمَعِكُمَا، وَالْعِلْمُ مِنَ اللَّهِ قَدْ أُتِيَ مِنْ وَرَاءِ مَا يَكُونُ، وَإِنَّمَا تُبْعَثُ الرُّسُلُ وَهُمْ يَرْجُونَ وَيَطْمَعُونَ أَنْ يُقْبَلَ مِنْهُمْ. وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: مَذْهَبُ الْفَرَّاءِ فِي هَذَا: كَيْ يَتَذَكَّى أَوْ يَخْشَى فِي تَقْدِيرِكُمَا، وَمَا تَمْضِيَانِ عَلَيْهِ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية