الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
الْمَسْأَلَةِ مِنْ سَائِرِ مَذْهَبِهِ . ثُمَّ قُلْتُ لَهُ : وَمَنْ خَالَفَ الْأَخْبَارَ الَّتِي نَقَلَهَا الْعَدْلُ عَنِ الْعَدْلِ مَوْصُولَةً بِلَا قَطْعٍ فِي سَنَدِهَا وَلَا جَرْحٍ فِي نَاقِلِيهَا وَتَجَرَّأَ عَلَى رَدِّهَا فَقَدْ تَهَجَّمَ عَلَى رَدِّ الْإِسْلَامِ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ وَأَحْكَامَهُ مَنْقُولَةٌ إِلَيْنَا بِمِثْلِ مَا ذَكَرْتَ . فَقَالَ لِي : الْأَخْبَارُ لَا تُوجِبُ عِنْدِي عِلْمًا . فَقُلْتُ لَهُ : يَلْزَمُكَ عَلَى قَوْدِ مَقَالَتِكَ أَنَّكَ لَوْ سَمِعْتَ أَبَا بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، وَعَلِيًّا ، وَطَلْحَةَ ، وَالزُّبَيْرِ ، وَسَعْدًا ، وَسَعِيدًا ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ، وَأَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ يَقُولُونَ : سَمِعْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ كَذَا وَكَذَا أَنَّكَ لَا تَعْلَمُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا لِقَوْلِهِمْ : " سَمِعْنَا " . فَلَمْ يُنْكِرْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا غَيْرَ الشَّنَاعَةِ . ثُمَّ قَالَ لِي : أَخْبَارُ الْآحَادِ فِي الصِّفَاتِ اغْسِلْهَا وَهِيَ عِنْدِي وَالتُّرَابُ سَوَاءٌ وَلَا أَقُولُ مِنْهَا إِلَّا بِمَا قَامَ فِي الْعَقْلِ تَصْدِيقُهُ . قُلْتُ لَهُ : فَلِمَ أَتْعَبْتَ نَفْسَكَ فِي كَتْبِهَا وَسَعَيْتَ إِلَى الشُّيُوخِ فِيهَا وَأَنْصَبْتَ نَفْسَكَ وَأَتْعَبْتَهَا وَأَسْهَرْتَ لَيْلَكَ بِمَا لَا تَدِينُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ وَلَا تَزْدَادُ بِهِ عِلْمًا ؟ فَأَجَابَنِي بِأَنْ قَالَ : كَتَبْتُهُ حَتَّى أُتَمِّمَ بِهِ الْأَبْوَابَ إِذَا أَرَدْتُ تَخْرِيجَهَا . فَقُلْتُ لَهُ : تُخْرِجُ لِلْمُسْلِمِينَ مَا لَا تَدِينُ بِهِ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ لِأَعْرِفَهُ فَقُلْتُ لَهُ : تَعْنِي الْمُسْلِمِينَ عَلَى قَوْدِ مَقَالَتِكَ وَالْحَقُّ فِي غَيْرِ مَا ذَكَرْتَ ؟ ثُمَّ قُلْتُ لَهُ : خَرَقْتَ الْإِجْمَاعَ لِأَنَّ الْأُمَّةَ بِأَسْرِهَا اتَّفَقَتْ عَلَى نَقْلِهَا وَلَمْ يَكُنْ نَقْلُ ذَلِكَ عَبَثًا وَلَا لَعِبًا وَلَوْ كَانَ نَقْلُهُمْ لَهَا كَتَرْكِ نَقْلِهِمْ لَهَا : لَكَانُوا عَابِثِينَ وَحَاشَا لِلَّهِ مِنْ ذَلِكَ وَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ مَقَالَتُهُ فَقَدْ دَخَلَ تَحْتَ الْوَعِيدِ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا وَلَمَّا كَانَتْ أَخْبَارُ الْآحَادِ فِي الصِّفَاتِ لَا تُوجِبُ عَمَلًا : دَلَّ عَلَى أَنَّهَا مُوجِبَةٌ لِلْعِلْمِ فَسَقَطَ بِهَذَا مَا ادَّعَاهُ مَنْ لَمْ يَنْتَفِعْ بِعِلْمِهِ وَتَهَجَّمَ عَلَى إِسْقَاطِ كَلَامِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِنَقْلِ الْعَدْلِ عَنِ الْعَدْلِ مَوْصُولًا إِلَيْهِ : بِرَأْيِهِ وَظَنِّهِ . ثُمَّ ذَكَرْتُ حِسَابَ الْكُفَّارِ : فَقَالَ لِي : قَدْ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّ الْكَافِرَ لَيُحَاسَبُ حَتَّى يَقُولَ : أَرِحْنِي وَلَوْ إِلَى النَّارِ فَهَلَّا قُلْتَ بِهِ ؟ فَقُلْتُ لَهُ : لَيْسَ يَحِلُّ مَا رُوِيَ صَحِيحًا أَوْ سَقِيمًا أَنْ نَقُولَ بِهِ وَإِنَّمَا تَعَبَّدْنَا بِالصَّحِيحِ دُونَ السَّقِيمِ وَالصَّحِيحُ مَعْلُومٌ عِنْدَ أَهْلِ النَّقْلِ بِعَدَالَةِ نَاقِلِيهِ مُتَّصِلًا إِلَى الْمُخْبَرِ عَنْهُ وَالسَّقِيمُ مَعْلُومٌ بِجَرْحِ نَاقِلِيهِ وَهَذَا الْخَبَرُ الَّذِي رَوَيْتُهُ رَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُهَاجِرِ بْنِ مِسْمَارٍ يَعْنِي وَهُوَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَلَيْسَ مِثْلَ هَذَا مِمَّا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ . فَقَالَ لِي : فَأَيُّ شَيْءٍ مَعَكَ فِي أَنَّهُمْ لَا يُحَاسَبُونَ ؟ فَقُلْتُ لَهُ : إِنْ شِئْتَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَإِنْ شِئْتَ مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنْ شِئْتَ مِنْ قَوْلِ صَحَابَتِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . فَقَالَ لِي : مُنْكِرًا لِقَوْلِي فِي الصَّحَابَةِ مَنْ قَالَ هَذَا ؟ فَقُلْتُ : نَعَمْ ، قَرَأْتُ عَلَى أَبِي عِيسَى يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَهْلٍ الْخَصِيبِ الْعُكْبَرِيِّ بِعُكْبَرَا قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ بْنِ ذُرَيْحٍ الْعُكْبَرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هَنَّادِ بْنِ السَّرِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : مَنْ حُوسِبَ دَخَلَ الْجَنَّةَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا وَيَقُولُ لِلْآخَرِينَ يَعْنِي الْكُفَّارَ فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ فَقَالَ لِي : قَدْ سَمِعْتَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ أَبِي عَلِيٍّ الصَّوَّافِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الْخَالِقِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ عَبْدُ الْوَهَّابِ الْوَرَّاقُ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ بِمِثْلِ مَعْنَاهُ يَعْنِي : " مَنْ حُوسِبَ دَخَلَ الْجَنَّةَ " فَقَالَ لِي : هُوَ الْمُسْلِمُ الْمُحْتَرَمُ . فَقُلْتُ لَهُ : جَمَعْتَ بَيْنَ مَا فَرَّقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ؟ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ : وَكَانَ عِنْدَنَا : أَنَّ أَبَا سُلَيْمَانَ يَقُولُ إِنَّ الْكَافِرَ وَالْمُؤْمِنَ يُحَاسَبَانِ فَعَلَى قَوْلِهِ إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يُحَاسَبُ وَإِنَّ الْكَافِرَ يُحَاسَبُ وَهَذِهِ عَصَبِيَّةٌ لِلْكَافِرِ خَرَجَ بِهَا عَنْ جُمْلَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ . قُلْتُ لَهُ : أَنْتَ تَتَكَلَّمُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَتَحْشُو أَسْمَاعَهُمْ بِكَلَامِ الْكَلْبِيِّ الْكَذَّابِ فِيمَا يُخْبِرُ عَنْ مُرَادِ اللَّهِ تَعَالَى عَنِ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ الَّتِي لَمْ يُشَاهِدْهَا فَلَا يَكُونُ عِنْدَكَ هَذَيَانٌ ثُمَّ تَجِيءُ إِلَى مِثْلِ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ حَدِيثِ الْخَبَرِ فَتَقُولُ : هَذَا هَذَيَانٌ وَهَذَا قَوْلُ مَنْ تُقَلِّدُهُ خَرَجَ عِنْدِي مِنَ الدِّينِ وَسَلَكَ غَيْرَ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ . وَهَذَا مَا جَرَى بَيْنَنَا إِلَّا مَا أَخْلَلْتَ بِهِ فَلَمْ أَتَيَقَّنْ حِفْظَهُ وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُوَفِّقُ لِإِدْرَاكِ الصَّوَابِ . وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقِلَا : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ الْبُخَارِيَّ وَكَانَ عَبْدًا صَالِحًا وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْمَرُّوذِيِّ قَالَ : غَسَّلْتُ مَيِّتًا فَمَضَى الَّذِي يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَيَّ فِي حَاجَةٍ فَفَتَحَ عَيْنَيْهِ وَقَبَضَ عَلَى زَنْدِي وَقَالَ لِي : يَا أَبَا مُحَمَّدٍ أَحْسِنِ الِاسْتِعْدَادَ لِهَذَا الْمَصْرَعِ وَعَادَ إِلَى حَالِهِ . وَقَالَ : وَسُئِلَ الشَّيْخُ يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ عَنِ الْمَصْلُوبِ هَلْ تَضْغَطُهُ الْأَرْضُ ؟ فَقَالَ : قُدْرَةُ اللَّهِ لَا يُتَكَلَّمُ عَلَيْهَا أَرَأَيْتَ رَجُلًا لَوْ قَطَعْتَ يَدَهُ أَوْ رِجْلَهُ أَوْ لِسَانَهُ فِي بَلَدٍ وَمَاتَ فِي بَلَدٍ آخَرَ هَلْ يَنْزِلُ الْمَلِكَانِ عَلَى الْكُلِّ مِنْهُ وَهَذَا فِي الْقُدْرَةِ وَالْيَدِ فِي مَعْنَى التَّبَعِ . قَالَ : وَسَأَلَ رَجُلٌ شَيْخَنَا أَبَا بَكْرٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا وَقَالَ اللَّهُ : قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ وَقَالَ تَعَالَى تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا فَقَالَ مَلَكُ الْمَوْتِ يُعَالِجُهَا فَإِذَا بَلَغَتْ مُنْتَهَاهَا قَبَضَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَقِيلَ لَهُ : قَدِ اسْتَوَى فِي ذَلِكَ الْفَاضِلُ وَالْكَافِرُ وَالْمُسْلِمُ فَمَا فَضَّلَهُ عَلَيْهِ فَقَالَ لَمَّا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ فِي ابْتِدَاءِ الْخَلْقِ فِي نَفْخِ الرُّوحِ فَكَذَلِكَ فِي الِانْتِهَاءِ فِي قَبْضِهَا وَكَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ فِي التَّكْوِينِ فِي الِابْتِدَاءِ وَكَذَلِكَ فِي الْمَوْتِ فِي الِانْتِهَاءِ وَهَذَا مَعْنَى مَا قَالَ . وَكَانَتْ لِأَبِي إِسْحَاقَ بْنِ شَاقِلَا حَلْقَتَانِ إِحْدَاهُمَا بِجَامِعِ الْمَنْصُورِ وَالْحَلْقَةُ الثَّانِيَةُ بِجَامِعِ الْقَصْرِ وَحَجَّ سَنَةَ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وَسِتِّينَ قِيلَ فِي سَلْخِ جُمَادَى الْآخِرَةِ وَقِيلَ فِي مُسْتَهَلِّ رَجَبٍ وَكَانَ لَهُ ابْنَانِ عَلِيٌّ ، وَحَسَنٌ وَكَانَ سِنَّهُ يَوْمَ مَاتَ أَرْبَعٌ وَخَمْسُونَ سَنَةً وَغَسَّلَهُ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية