الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ورأت عاتكة بنت عبد المطلب بمكة رؤيا أفزعتها،  فبعثت إلى العباس، فقالت: يا أخي لقد رأيت البارحة رؤيا أفظعتني، فاكتم علي، قال: وما رأيت؟ قالت: رأيت راكبا أقبل على بعير حتى وقف بالأبطح، ثم صرخ بأعلى صوته: ألا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث، فإذا الناس قد اجتمعوا إليه فدخل المسجد والناس يتبعونه، فبينا هم حوله إذ مثل به بعيره على ظهر الكعبة، ثم خرج بمثلها، ثم أخذ صخرة فأرسلها، فأقبلت تهوي حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضت، [ ص: 154 ] فما بقي بيت بمكة ولا دار إلا دخلها منها فلقة، قال العباس: والله، إن هذه لرؤيا فاكتميها، ولا تذكريها.

ثم خرج العباس فلقي الوليد بن عتبة، وكان له صديقا فذكرها له، فذكرها الوليد لأبيه، ففشا الحديث بمكة، فقال أبو جهل: ما يرضى بنو عبد المطلب أن يتنبأ رجالهم حتى تتنبأ نساؤهم، وكان أبو سفيان بن صخر أقبل من الشام في عير لقريش عظيمة، فيها أموالهم وتجاراتهم، وفيها ثلاثون وقيل: أربعون رجلا من قريش منهم: عمرو بن العاص، ومخرمة بن نوفل الزهري، وكان أبو سفيان يتحسس الأخبار ويسأل من لقي من الركبان، فأصاب خبرا من الركبان أن محمدا قد نفر في أصحابه، فحذر عند ذلك واستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري فبعثه إلى مكة، وأمره أن يأتي قريشا فيستنفرهم إلى أموالهم، ويخبرهم أن محمدا قد عرض لها، فدخل ضمضم في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة مكة وهو يصرخ ببطن الوادي، وقد [ ص: 155 ] جدع بعيره وحول رحله وشق قميصه وهو يقول: يا معشر قريش، اللطيمة، اللطيمة، قد عرض لها محمد في أصحابه، لا أرى أن تدركوها، أو لا تدركوها، الغوث، الغوث، فتجهزت قريش سراعا، إما خارج وإما باعث مكانه رجلا، وخرجت تريد العير.

ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفراء - بينها وبين المدينة ثلاث ليال - بعث عدي بن أبي الزغباء الجهني حليف بني النجار وبسبس بن عمرو الجهني حليف بني ساعدة قدامه إلى مكة، فلما نزلا الوادي أناخ إلى تل قريب من الماء، ثم أخذا شنا لهما يستسقيان فيه، وعلى الماء إذ ذاك مجدي بن عمرو الجهني، فسمع عدي وبسبس جاريتين من جواري جهينة وهما يتلازمان، فقالت الملزومة لصاحبتها: إنما يأتي العير غدا أو بعد غد، فأعمل لهم وأقضيك الذي علي، فقال مجدي: صدقت، وخلص بينهما، فلما سمع بذلك عدي وبسبس ركبا راحلتيهما [ ص: 156 ] ثم انطلقا حتى أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه، وأقبل أبو سفيان وقد تقدم العير حتى ورد الماء؛ حذرا من الذي كان يخافه، فقال لمجدي بن عمرو: وهل أحسست أحدا؟ فقال: والله ما رأيت أحدا إلا أني رأيت راكبين قد أناخا إلى هذا التل، فأتى أبو سفيان مناخهما فأخذ من أبعار بعيريهما ففته فإذا فيه النوى، فقال: هذه والله علائف يثرب، فرجع وضرب وجوه عيره فساحل بها وترك بدرا يسارا وانطلق حتى أسرع، وأقبلت قريش فلما نزلوا الجحفة رأى جهيم بن الصلت بن مخرمة رؤيا فقال: أنا بين النائم واليقظان رأيت رجلا قد أقبل على فرس له حتى وقف ثم قال: قتل عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو الحكم بن هشام وأمية بن خلف، وفلان وفلان، ثم ضرب في لبة بعيره وأرسله في العسكر، فما بقي خباء من أخبية العسكر إلا أصابه من دمه، فبلغ أبا جهل رؤياه، فقال: هذا نبي آخر من بني المطلب، سيعلم غدا [ ص: 157 ] من المقتول إن نحن التقينا، فلما رأى أبو سفيان أنه قد أحرز عيره أرسل إلى قريش، قال: إنكم خرجتم لتمنعوا عيركم وأموالكم وقد نجاهما الله فارجعوا، فقال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نرد بدرا - وكان بدر موسما من مواسم العرب يجتمع لهم بها سوق   - فنقيم عليه ثلاثا وننحر الجزور ونطعم الطعام ونسقي الخمر وتعزف علينا القيان، فتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا، ثم رحلت قريش حتى نزلت العدوة القصوى من بدر.

ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عرق الظبية دون بدر استشار الناس، فقال: أشيروا علي أيها الناس، فقام أبو بكر فقال وأحسن، ثم قام عمر فقال مثل ذلك، ثم قام المقداد بن الأسود فقال: يا رسول الله امض بنا لأمر الله فنحن معك، والله لا نقول لك مثل ما قالت بنو إسرائيل لموسى: فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ، [ ص: 158 ] ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، والذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه، حتى تنتهي إليه رسول الله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا ودعا له بخير، ثم قال: أشيروا علي أيها الناس، وإنما يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصار، وذلك أنهم كانوا عدد الناس، فقال سعد بن معاذ: كأنك يا رسول الله إنما تريدنا، قال: أجل، فقال سعد: قد آمنا بك وصدقناك وشهدنا بما جئت به أنه الحق، وأعطيناك مواثيقنا وعهودنا على السمع والطاعة، فامض بنا يا نبي الله لما أردت فنحن معك، والذي بعثك لو استعرضت هذا البحر وخضت بنا لخضناه معك، ما بقي منا رجل، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا، إنا لصبر عند الحرب، صدق عند اللقاء، لعل الله يريك منا بعض ما تقر به عينك، فسر [ ص: 159 ] بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ركب ورجل من أصحابه قدام الجيش، ومضى حتى وقف على شيخ قريبا من بدر، فقال له: أيها الشيخ ما بلغك عن محمد وأصحابه؟ فقال: ما أنا مخبرك حتى تخبرني من أنت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أخبرتنا أخبرناك من نحن، فقال الشيخ: أذاك بذاك؟ قال: نعم، فقال الشيخ: بلغني أن محمدا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا، فإن يكن الذي أخبرني صدقني فهم اليوم بكذا وكذا - بالمنزل الذي كان فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم - وبلغني أن قريشا خرجوا يوم كذا وكذا، فإن يكن الذي أخبرني صدقني، فهم اليوم بكذا وكذا - بالمنزل الذي هم فيه - ثم قال: ممن أنت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نحن من ماء، ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه، وأصاب علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص راوية لقريش، وفيها غلام لبني العاص وغلام لمنبه بن الحجاج، فأتوا بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي، فقالوا لهما: من أنتما؟ فقالا: نحن سقاة قريش بعثونا لنسقي لهم الماء، فكره [ ص: 160 ] القوم خبر قريش، ورجوا أن يكونا لأبي سفيان، فقالوا لهما: من أنتما؟ ألا لأبي سفيان؟ فأنكرا، فضربوهما، فلما آذوهما قالا: نحن لأبي سفيان، فأمسكوا عنهما، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلاته، فأقبل عليهم، فقال: إذا صدقاكم ضربتموهما، وإذا كذباكم تركتموهما، والله إنهما لقريش، ثم دعاهما فقال: لمن أنتما؟ فأخبراه، ثم قال: أين قريش؟ قالا: خلف هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى من الوادي، قال: وكم هم؟ قالا: هم كثير، قال: ما عددهم؟ قالا: ما ندري، قال: فكم تنحر في اليوم؟ قالا: يوما عشرا، ويوما تسعا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هم بين التسعمائة إلى الألف، ثم قال لهما: فمن فيهم من أشراف قريش؟ فسميا عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة في رجال من قريش، وكان الذي ينحر لقريش تسعة رهط، من بني هاشم: العباس بن عبد المطلب، ومن بني عبد شمس: عتبة بن ربيعة، ومن بني نوفل: الحارث بن عامر بن نوفل، وطعيمة بن عدي بن نوفل، ومن بني عبد الدار: النضر بن الحارث، ومن بني أسد: [ ص: 161 ] حكيم بن حزام، ومن بني مخزوم: أبو جهل بن هشام، ومن بني جمح: أمية بن خلف، ومن بني سهم: منبه بن الحجاج، ومن بني عامر بن لؤي: سهيل بن عمرو.

ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين، فقال: هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها، وبعث الله السماء، فأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين ماء لبد لهم الأرض، وأصاب قريشا ماء لم يقدروا أن يرتحلوا معه.

ثم رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسلمين، وقال لهم: سيروا على بركة الله، فإنه قد وعدني إحدى الطائفتين، فكأني أنظر إلى مصارع القوم، ثم مضى يبادر قريشا إلى الماء حتى إذا جاء أدنى من ماء بدر نزل به، فقال حباب بن المنذر بن الجموح أحد بني سلمة: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: بل هو الحرب والرأي والمكيدة، قال: فإن هذا ليس لك بمنزل، فانهض حتى نأتي أدنى [ ص: 162 ] قليب القوم، فننزله، ثم نغور ما سواه من القلب، ثم نبني حوضا فنملأه، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد أشرت بالرأي، ثم نهض رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسار حتى إذا أتى أدنى ماء من القوم نزل وبنى حوضا على القليب، وقذفوا فيه الآنية، ثم أمر بالقلب فغورت، فقال سعد بن معاذ: يا نبي الله، ألا نبني لك عريشا تكون فيه، ونعد عندك ركائبك ثم نلقى عدونا، فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا، وإن كان علينا يا نبي الله جلست على ركائبك، فلحقت بمن وراءنا من قومنا، فقد تخلف عنك أقوام وما نحن بأشد حبا لك منهم، ولو ظنوا أنك تلقى حربا ما تخلفوا عنك، يمنعك الله بهم يناصحونك ويجاهدون معك، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير، وبني له عريش، فقعد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، وارتحلت قريش حين أصبحت، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [ ص: 163 ] اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك ، اللهم فنصرك الذي وعدتني، اللهم فأحنهم الغداة، ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عتبة بن ربيعة على جمل له أحمر، فقال: إن يك في أحد من القوم خير ففي صاحب الجمل الأحمر، إن يطيعوه يرشدوا، فلما نزلت قريش أقبل نفر منهم حتى أقبلوا حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيهم حكيم بن حزام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دعوهم، فما شرب رجل منهم شربة إلا قتل غير حكيم بن حزام، فلما اطمأنت قريش بعثوا عمير بن وهب الجمحي، فقالوا: احزر لنا محمدا وأصحابه، فاستجال عمير بن وهب بفرس حول العسكر، ثم رجع إليهم، فقال: ثلاثمائة رجل يزيدون قليلا أو ينقصون قليلا، ولكن أمهلوني حتى أنظر هل لهم من كمين أو مدد؟ فضرب في الوادي حتى أبعد، فلم ير شيئا، فرجع إليهم، فقال: ما رأيت شيئا، ولكني رأيت يا معشر قريش البلايا تحمل المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع، قوم [ ص: 164 ] ليس لهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم، والله ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجلا منا، فإذا أصابوا منكم أعدادهم فما خير العيش بعد ذلك، فروا رأيكم، فلما سمع بذلك حكيم بن حزام مشى في الناس حتى أتى عتبة بن ربيعة، فقال: يا أبا الوليد، أنت كبير قريش وسيدها والمطاع فيها، فهل لك أن لا تزال تذكر بخير آخر الدهر، قال: وما ذاك يا حكيم، قال: ترجع بالناس وتحمل أمر حليفك، قال: قد فعلت أنت علي بذلك، إنما هو حليفي فعلي عقله، يعني: عمرو بن الحضرمي، وما أصيب من ماله، ولكن ائت ابن الحنظلية، فإني لا أخشى على الناس غيره، يعني: أبا جهل، ثم قام عتبة، فقال: يا معشر قريش، إنكم والله ما تصنعون بأن تلقوا محمدا وأصحابه، والله لئن أصبتموه لا يزال الرجل ينظر في وجه الرجل يكره النظر إليه، قتل ابن عمه، أو ابن خاله، أو رجلا من عشيرته، فارجعوا وخلوا بينه وبين محمد وسائر العرب، فإن أصابوه فذلك الذي أردتم، وإن كان غير ذلك ألقاكم ولم تعرضوا منه ما تريدون، فجاء حكيم بن حزام أبا جهل، فوجده [ ص: 165 ] قد نثل درعا له من جرابها، وهو يهنئها، فقال: يا أبا الحكم، إن عتبة أرسلني إليك بذلك بكذا وكذا، فقال أبو جهل: انتفخ والله سحره حين رأى محمدا وأصحابه، كلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، ثم قال أبو جهل: اللهم أقطعنا الرحم وأتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة، ثم بعث إلى عامر بن الحضرمي، فقال: هذا حليفك عتبة يريد أن يرجع بالناس، وقد رأيت ثأرك بعينك، والله ما ذلك بعتبة، ولكنه قد عرف أن ابنه فيهم، وأن محمدا وأصحابه إنما هم أكلة جزور، وقد رأيتم ثأركم، فقم فانثل مقتل أخيك، فقام عامر بن الحضرمي، ثم صرخ: واعمراه، واعمراه، فحميت الحرب وحمي الناس، واستوثقوا فأفسد على الناس الرأي الذي دعاهم إليه عتبة، فلما بلغ عتبة [ ص: 166 ] قول أبي جهل قال: سيعلم المصفر استه من انتفخ سحره، ثم التمس عتبة بيضة ليدخلها رأسه، فما وجد في الجيش بيضة تسعه من عظم هامته، فلما رأى ذلك اعتم على رأسه بعمامة له، وخرج الأسود بن عبد الأسد المخزومي وكان رجلا شرسا، فقال: أعاهد الله لأشربن من حوضهم، أو لأهدمنه، أو لأموتن دونه، فلما خرج يريد الحوض خرج إليه حمزة بن عبد المطلب، فلما التقيا ضربه حمزة فأطن قدميه بنصف ساقه، وهو دون الحوض فحبا إلى الحوض، فاقتحم فيه، واتبعه حمزة بضربة أخرى فقتله في الحوض.

ثم خرج بعده عتبة بن ربيعة بين أخيه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد بن عتبة، فلما دنا إلى الصف دعا إلى البراز، فخرج إليه فتية ثلاثة من الأنصار: عوف ومعوذ ابنا الحارث - وأمهما عفراء - وابن رواحة، فسألهم، فقالوا: رهط من الأنصار، فقال عتبة: أكفاء كرام، ما لنا بكم حاجة، إنما نريد قومنا، ثم نادى مناديهم: يا محمد، أخرج إلينا [ ص: 167 ] أكفاءنا من قومنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قم يا حمزة بن عبد المطلب، قم يا علي بن أبي طالب، قم يا عبيدة بن الحارث، وكان أسن القوم، فبارز عتبة بن ربيعة، وبارز حمزة شيبة بن ربيعة، وبارز علي بن أبي طالب الوليد بن عتبة، فأما حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله، ولم يمهل علي الوليد أن قتله، واختلف عبيدة وعتبة بينهما ضربتان، كلاهما أثبت صاحبه، وكر حمزة وعلي على عتبة، واحتملا صاحبهما فحازاه إلى أصحابه، ثم تزاحف الناس ودنا بعضهم من بعض، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه أن لا تحملوا حتى آمركم، وهو في العريش مع أبي بكر، ليس في العريش معه غيره، وهو يناشد الله ما وعده من النصر، ويقول فيما يقول: اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد، وأبو بكر يقول: يا رسول الله، أقصر من مناشدتك الله، فإن الله موفيك بما وعدك، وشجع الله المسلمين على لقاء عدوهم، وقللهم في أعينهم حتى طمعوا فيهم، وخفق رسول الله خفقة وهو في العريش [ ص: 168 ] ثم انتبه، ثم قال: أبشر يا أبا بكر، هذا جبريل متعجر بعمامة، يقول: أتاك نصر الله وعونه، فبعث الله الملائكة مسومين، فكان أبو أسيد مالك بن ربيعة شهد بدرا قال بعد أن ذهب بصره: لو كنت معكم ببدر الآن ومعي بصري لأريتكم الشعب الذي خرجت منه الملائكة، لا أشك ولا أمتري، ولم تقاتل الملائكة في غزاة إلا ببدر، وإنما كانت تنصر وتعين، وكانت عليهم عمائم بيض قد أرسلوها في ظهورهم، ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حفنة من الحصى بيده، وخرج من العريش فاستقبل القوم، وقال: شاهت الوجوه، ثم نفخهم بها، ثم قال: والذي نفسي بيده، لا يقاتلهم رجل اليوم فيقتل صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة، فقال عمير بن الحمام أحد بني سلمة وفي يده تمرات: يا رسول الله، أرأيت إن قاتلت حتى قتلت مقبلا غير مدبر ما لي؟ قال: لك الجنة، فألقى التمرات من يده، وتقدم فقاتل حتى قتل.

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: احملوا، ومن لقي [ ص: 169 ] العباس منكم، فليدعنه فإنه أخرج مستكرها، فقال أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة: أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا ونترك العباس، والله لئن لقيته لألجمنه السيف، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله، فقال لعمر: يا أبا حفص، أيضرب وجه عم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف؟ فقال عمر: دعني أضرب عنقه يا رسول الله، والله لقد نافق، فكان أبو حذيفة بعد ذلك يقول: ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلت، ولا أزال منها خائفا إلا أن تكفرها عني الشهادة، فقتل يوم اليمامة شهيدا، وكان العباس قد أسلم بمكة ولكنه كان يخاف قومه فيكتم إسلامه، فحمل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على المشركين، فلم يكن إلا الهزيمة، فقتل الله من قتل من صناديد قريش، وأسر من أسر منهم، فلما وضع القوم أيديهم يأسرون رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجه سعد بن معاذ الكراهة، فقال له صلى الله عليه وسلم: والله يا سعد لكأنك تكره ما يصنع الناس، فقال: أجل يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: كانت هذه أول وقعة أوقعها الله بأهل الشرك، فكان الإثخان في القتل أعجب إلي من استبقاء الرجال، وكان ذلك [ ص: 170 ] يوم الجمعة لسبع عشرة ليلة مضت من شهر رمضان، والمسلمون ثلاثمائة وثلاثة عشر نفسا، منهم أربعة وسبعون رجلا من قريش والمهاجرين، وسائرهم من الأنصار، والمشركون تسعمائة وخمسون مقاتلا، فقتل من المسلمين في ذلك اليوم من قريش ستة أنفس: من بني المطلب: عبيدة بن الحارث بن المطلب، ومن بني زهرة بن كلاب: عمير بن أبي وقاص أخو سعد، وذو الشمالين بن عبد عمرو بن نضلة حليف لهم من خزاعة، ومن بني عدي بن كعب: عاقل بن البكير حليف لهم من بني سعد بن ليث، ومهجع مولى عمر، ومن بني الحارث بن فهر: صفوان بن بيضاء، وقتل من الأنصار من بني عمرو بن عوف: سعد بن خيثمة، ومبشر بن عبد المنذر، ومن بني الحارث: يزيد بن الحارث، وهو الذي يقال له: ابن فسحم، ومن بني سلمة: عمير بن الحمام، ومن بني حبيب بن عبد حارثة بن مالك بن غضب بن جشم: رافع بن المعلى، ومن بني النجار: حارثة بن سراقة بن الحارث، ومن بني غنم بن مالك بن النجار: عوف ومعوذ ابنا الحارث بن رفاعة بن سواد، وهما [ ص: 171 ] ابنا عفراء، فجميع من استشهد من بني قريش والأنصار أربعة عشر رجلا، وقتل علي بن أبي طالب في ذلك اليوم الوليد بن عتبة بن ربيعة، وقتل طعيمة بن عدي بن نوفل أخا طعمة، فلما علاه بالسنة قال: والله لا تخلصنا في الله بعد اليوم أبدا، وشارك حمزة في قتل عتبة بن ربيعة، وقتل عامر بن عبد الله الأنماري حليف بني عبد شمس، وقتل النضر بن الحارث بن كلدة أحد بني عبد مناف، وقتل العاص بن سعيد بن العاص بن أمية، وقتل عمر بن الخطاب خاله العاص بن هشام بن المغيرة، فجميع من قتل من المشركين في ذلك اليوم أربعة وسبعون رجلا، وأسر مثل ذلك، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلتمس أبو جهل، فسمع معاذ بن عمرو بن الجموح، وهو يطلبه جماعة من المشركين يقولون: أبا الحكم، لا يصلون إليك، فلما سمعها علم أنه أبو جهل، جعله من شأنه وقصد نحوه، فلما أمكن منه حمل عليه وضربه ضربة، فقطع قدمه بنصف ساقه، وكان عكرمة بن أبي جهل ابنه معه فحمل على معاذ، فضربه ضربة على [ ص: 172 ] عاتقه طرح يده، فتعلقت بجلدة من جنبه، وترك معاذ أبا جهل، وأجهضه القتال، فقاتل عامة يومه، وإنه يسحب يده خلفه بجلدة منه، فلما آذته وضع عليها قدمه حتى طرحها، وعاش بعدها بلا يد حتى كان زمن عثمان، ومر معوذ بن عفراء بأبي جهل وهو مطروح فضربه حتى أثر فيه، وتركه وبه رمق.

ثم مر عبد الله بن مسعود فوجده بآخر رمق فعرفه فوضع رجله على عاتقه ثم قال: أخزاك الله يا عدو الله، قال: وبماذا أخزاني، هل إلا رجل قتلتموه، أخبرني لمن الدائرة اليوم؟ فقال ابن مسعود: لله ولرسوله، ولما رآه أبو جهل قد وطى عنقه قال له: لقد ارتقيت يا رويعي الغنم مرتقى صعبا، فاحتز عبد الله رأسه ثم جاء به، فقال: يا رسول الله، هذا رأس عدو الله أبي جهل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: آلله الذي لا إله غيره؟ فقال ابن مسعود: نعم، والله الذي لا إله غيره، فحمد الله رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك، وكان عبد الرحمن بن عوف صديقا لأمية بن خلف بمكة: أرغبت عن اسم سماك [ ص: 173 ] أبوك؟ فيقول: نعم، فيقول أمية: فإني لا أعرف الرحمن، فاجعل بيني وبينك شيئا أدعوك به، أما أنت فلا تجيبني باسمك الأول، وأما أنا فلا أدعوك بما لا أعرف، فقال له عبد الرحمن: قل ما شئت، قال: فأنت عبد الإله، فكان يسميه بمكة عبد الإله، فمر به عبد الرحمن بن عوف في المعركة، وهو واقف ومعه ابنه، ومع عبد أدرع يحملها، فلما رآه أمية بن خلف قال: عبد عمرو، فلم يجبه عبد الرحمن، قال: يا عبد الإله، فقال: نعم، فقال: أنا خير لك من هذه الأدرع التي معك، فقال عبد الرحمن: نعم والله هو الله إذا، فطرح عبد الرحمن الأدرع، وأخذ بيده ويد ابنه، فقال له أمية بن خلف: يا عبد الإله، من الرجل منكم المعلم بريشة نعامة في صدره؟ قال: ذلك حمزة بن عبد المطلب، فقال: ذلك الذي فعل بنا الأفاعيل، فبينما عبد الرحمن يقودهما إذ رآهما بلال، فقال: رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا، فقال عبد الرحمن: إي بلال، أسيري، فقال: لا نجوت إن نجا، فقال عبد الرحمن: أتسمع يا ابن السوداء قال: لا نجوت إن نجا، [ ص: 174 ] ثم صرخ بأعلى صوته: يا أنصار الله رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا، فأحاط به المسلمون وعبد الرحمن يذب عنه، فخالف رجل بالسيف فضرب رجل ابنه فوقع، فقال عبد الرحمن: انج بنفسك، فوالله ما أغني عنك شيئا، فعلاهم المسلمون بأسيافهم حتى فرغوا منهما، فكان عبد الرحمن يقول بعد ذلك: يرحم الله بلالا أذهب أدرعي وفجعني بأسيري، وأسر أبو اليسر كعب بن عمرو العباس بن عبد المطلب،  وأوثقه، فبات رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الليلة ساهرا، فقيل له، فقال: سمعت حنين العباس في وثاقه، فأطلق من وثاقه، فقال المسلمون: يا رسول الله، عليك بالعير ليس دونها شيء، فناداه، وهو أسير لا يصلح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ولم؟ قال: لأن الله وعدك إحدى الطائفتين، وقد أعطاك ما وعدك، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين: ما تقولون في هؤلاء الأسرى؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله، قومك وأهلك، استبقهم واستأنهم لعل الله أن يتوب عليهم، وقال عمر: كذبوك وأخرجوك قدمهم [ ص: 175 ] قدمهم، فاضرب أعناقهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم، قال: فمن تبعني فإنه مني الآية، وإن مثلك يا عمر مثل نوح قال: رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا الآية، ثم نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أسر أم حكيم فليخل سبيلها، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمنها، وكان أسرها رجل من الأنصار وكتفها بذؤابتها، فلما سمع منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم .....

ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقليب فطرح فيه جيف المشركين، ثم وقف عليهم، فقال: يا أهل القليب، هل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقا،  فقال المسلمون: يا رسول الله، تنادي قوما قد ماتوا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لئن كنتم تسمعونها لقد سمعوها، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 176 ] يعرضهم ثلاثا.

التالي السابق


الخدمات العلمية