وأول من خرج من المشركين أبو عامر عمر بن أمية في الأحابيش، وقال: يا معشر الأوس، أنا أبو عامر، قالوا: فلا أنعم الله بك عينا، ثم راضخ المسلمين بالحجارة وقاتلهم قتالا شديدا، وقاتل في رجال من المسلمين حتى حميت الحرب وأنزل الله النصر، وكشفهم المسلمون عن معسكرهم، وكانت الهزيمة عليهم، فلم يكن بين أخذ المسلمين هندا وصواحبها إلا شيء يسير، وقتل أبو دجانة علي بن أبي طالب طلحة، وهو حامل لواء قريش، وأبا الحكم بن الأخنس بن شريق، وعبيد الله بن جبير بن أبي زهير، وأمية بن أبي حذيفة بن المغيرة، وأخذ اللواء بعد طلحة فرماه أبو سعد، فقتله، وبقي اللواء صريعا لا يأخذه [ ص: 227 ] أحد فتقدم رجل من المشركين يقال له: صؤاب، فأخذ اللواء وأقامه لقريش، فكر المسلمون عليه حتى قطعوا يديه، ثم قتل، وصرع اللواء، فلما سعد بن أبي وقاص وأتاهم المشركون من خلفهم وصرخ صارخ: ألا إن رأى الرماة الذين خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المشركين قد انهزموا وتركوا، تركوا مصافهم يريدون النهب وخلوا ظهور المسلمين للخيل، محمدا قد قتل، فانكشف المسلمون فصاروا بين قتيل وجريح ومنهزم، حتى خلص العدو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصيبت رباعيته، فجعل يمسح الدم عن وجهه، ويقول: كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم، ثم قام زياد بن السكن في خمسة من الأنصار، فقاتلوا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا رجلا حتى قتلوا، وكان آخرهم زياد بن السكن، فأثبتته الجراحة، وجاء المسلمون فأجهضوهم عنه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ادنوه مني، فوسده قدمه حتى مات في حجره، وترس دون رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه، فكانت النبل تقع في ظهره وهو ينحني عليه حتى كثرت فيه النبل، وقاتل [ ص: 228 ] أبو دجانة دون رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل، أصابه مصعب بن عمير ابن قميئة الليثي، وهو يظن أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم رجع إلى قريش وقال: قتلت محمدا، والتقى حنظلة بن أبي عامر وأبو سفيان فاستعلى حنظلة بالسيف، فلما رآه أبا سفيان ابن شعوب أن قد علاه أبا سفيان حنظلة بالسيف ضربه فقتله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن صاحبكم لتغسله الملائكة، وخرج فمر به حمزة بن عبد المطلب، سباع بن عبد العزى الخزاعي، وكان يكنى أبا نيار، فقال: هلم يا ابن مقطعة البظور، فالتقيا فضربه حمزة فقتل، ثم جعل يرتجز ومعه سيفان إذ عثر دابته فسقط على قفاه وانكشف الدرع عن بطنه، فانتزع وحشي حربته فهزها ورماها فبقر بها بدنه، ثم أخذ حربته وتنحاه.
وقد انتهى أنس بن النضر عم إلى أنس بن مالك عمر بن الخطاب ورجال من المهاجرين والأنصار قد أسقطوا ما في أيديهم وألقوا بأيديهم، فقال: ما يجلسكم؟ قالوا: قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على [ ص: 229 ] ما مات عليه، ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل، ووجد فيه سبعون ضربة بالسيف والرمح. وطلحة بن عبيد الله
وكان أول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كانت الهزيمة قال: عرفت عينيه تزهران من تحت المغفر فناديت بصوتي: يا معشر المسلمين، أبشروا فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما عرف المسلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم نهضوا إليه، فيهم: كعب بن مالك، أبو بكر وعمر وعلي وطلحة والزبير وسعد والحارث بن الصمة، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يناول النبل سعدا، ويقول: ارم فداك أبي وأمي.
ثم أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بن خلف، وهو يقول: يا محمد، لا نجوت إن نجوت، فقال القوم: يا رسول الله، أيعطف عليه رجل منا؟ فقال: دعوه، فلما دنا تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الحربة من الحارث بن الصمة، ثم انتفض بها انتفاضة، ثم استقبله وطعنه بها، فمال عن فرسه، وقد كان أبي بن خلف يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فيقول: إن عندي العود أعلفه كل يوم فرقا من ذرة أقتلك عليه، فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل أنا أقتلك [ ص: 230 ] إن شاء الله، فرجع أبي بن خلف إلى المشركين، وقد خدشته حربة رسول الله صلى الله عليه وسلم خدشا غير كبير، فقال: قتلني والله محمد، فقالوا: ذهب والله فؤادك، والله إن بك من بأس، فقال: إنه قد كان يقول بمكة: إني أقتلك، والله لو بصق علي لقتلني، فمات بسرف، وهم قافلون إلى مكة.
فانتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن معه من أصحابه إلى الشعب، ومر حتى ملأ درقته من المهراس، وجاء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم شربه، فوجد له ريحا فعافه فلم يشرب منه، وغسل عن وجهه الدم، وصب على رأسه، وقال: اشتد غضب الله على من دمى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نهض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصخرة ليعلوها، فلما ذهب لينهض لم يستطع ذلك، فجلس علي بن أبي طالب طلحة تحته فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استوى على الصخرة، ثم قال: أوجب طلحة الجنة.
وكانت هند واللاتي معها جعلن يمثلن بالقتلى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يجدعن الآذان والآناف، حتى اتخذت هند قلائد من آذان المسلمين وآنافهم وبقرت عن كبد حمزة، [ ص: 231 ] فلاكته فلم تستطعه فلفظته، ثم علت صخرة مشرفة فصرخت بأعلى صوتها بشعر لها طويل - أكره ذكره - ، وكان المسلمون قتلوا فقتل من المسلمين سبعون رجلا في ذلك اليوم منهم أربعة من المهاجرين، اليمان أبا حذيفة، وهم لا يعرفونه، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا ديته، وقتل من المشركين ثلاثة وعشرون رجلا.
ثم أراد الانصراف، فصرخ بأعلى صوته: الحرب سجال، اعل هبل يوم بيوم أبا سفيان بدر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ناحية: الله أعلى وأجل لا سواء، قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار، فقال أبو سفيان: [ ص: 232 ] يا عمر، أنشدك الله أقتلنا محمدا؟ فقال: اللهم لا وإنه ليسمع كلامك، فقال: أنت أصدق عندي من ابن قميئة، ولكن موعدكم بدر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو بيننا وبينكم. إن
رحل أبو سفيان بالمشركين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اخرج في آثار القوم، فإن كانوا قد اجتنبوا الخيل وامتطوا الإبل فإنهم يريدون لعلي بن أبي طالب: مكة، وإن ركبوا الخيل، وساقوا الإبل فإنهم يريدون المدينة، والذي نفسي بيده لئن أرادوها لأسيرن إليهم فيها، ثم لأنجزنهم، فخرج في آثارهم فأراهم قد اجتنبوا الخيل وامتطوا الإبل ووجهوا إلى مكة، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره.