وأما قوله [1] : " وبعضهم طلب الأمر لنفسه بحق [ له ] [2] وبايعه الأقلون الذين أعرضوا عن الدنيا وزينتها ، ولم تأخذهم [3] في الله لومة لائم ، بل [ ص: 88 ] أخلصوا لله واتبعوا ما أمروا به من [4] طاعة من يستحق التقديم ، وحيث حصل للمسلمين هذه البلية ، وجب على كل أحد النظر في الحق واعتماد الإنصاف [5] ، وأن يقر الحق مقره [6] ولا يظلم مستحقه ، فقد قال تعالى : ( ألا لعنة الله على الظالمين ) [ سورة هود : 18 ] . فيقال له : أولا : قد كان الواجب أن يقال : لما ذهب طائفة إلى كذا وطائفة إلى كذا ، وجب أن ينظر أي القولين أصح ، فأما إذا رضيت إحدى الطائفتين باتباع الحق والأخرى باتباع الباطل ، فإن كان [7] هذا قد تبين فلا حاجة إلى النظر ، وإن لم يتبين بعد لم يذكر حتى يتبين .
ويقال له : ثانيا : قولك : إنه طلب الأمر لنفسه بحق له وبايعه الأقلون ، كذب على [ رضي الله عنه ] علي [8] ، فإنه لم يطلب الأمر لنفسه في خلافة أبي بكر وعمر ، وإنما طلبه لما قتل وعثمان وبويع ; وحينئذ فأكثر الناس كانوا معه ، لم يكن معه الأقلون . عثمان
وقد اتفق [ أهل ] [9] السنة والشيعة على أن لم يدع إلى مبايعته في خلافة عليا أبي بكر وعمر وعثمان ، ولا بايعه على ذلك أحد . ولكن الرافضة تدعي أنه كان يريد ذلك ، وتعتقد أنه الإمام المستحق للإمامة دون غيره ، [ ص: 89 ] لكن كان عاجزا عنه . وهذا لو كان حقا لم يفدهم ، فإنه لم يطلب الأمر لنفسه ولا بايعه [10] أحد على ذلك ، فكيف إذا كان باطلا ؟ .
وكذلك قوله : " بايعه الأقلون " كذب على الصحابة ، فإنه لم يبايع منهم أحد في لعلي [11] عهد الخلفاء الثلاثة ، ولا يمكن أحد [12] أن يدعي هذا ، ولكن غاية ما يقول القائل : إنه كان فيهم من يختار مبايعته .
ونحن نعلم أن لما تولى ، كان كثير من الناس يختار ولاية عليا وولاية غيرهما معاوية [13] ، ولما بويع كان في نفوس بعض الناس ميل إلى غيره ، فمثل هذا لا يخلو من الوجود عثمان [14] ، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة وبها وما حولها منافقون ، كما قال تعالى : ( وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم ) [ سورة التوبة : 101 ] . وقد قال [15] تعالى عن المشركين : ( وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ) [ سورة الزخرف : 31 ] ، فأحبوا أن ينزل القرآن [16] على من يعظمونه من أهل مكة والطائف ، قال تعالى : [ ص: 90 ] ( أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ) [ سورة الزخرف : 32 ] .
وأما وصفه لهؤلاء بأنهم [ الذين ] [17] أعرضوا عن الدنيا وزينتها ، وأنهم لا تأخذهم في الله لومة لائم ، فهذا من أبين الكذب ، فإنه لم ير [18] الزهد والجهاد في طائفة أقل منه في الشيعة ، والخوارج المارقون كانوا أزهد منهم وأعظم قتالا ، حتى يقال في المثل : حملة خارجية ، وحروبهم مع جيوش بني أمية وبني العباس وغيرهما بالعراق والجزيرة وخراسان والمغرب وغيرها معروفة ، وكانت لهم ديار يتحيزون فيها لا يقدر عليهم أحد [19] .
وأما الشيعة فهم دائما مغلوبون مقهورون منهزمون ، وحبهم للدنيا وحرصهم عليها ظاهر . ولهذا كاتبوا - رضي الله عنه ، فلما أرسل إليهم ابن عمه ، ثم قدم بنفسه غدروا به ، وباعوا الآخرة بالدنيا ، وأسلموه إلى عدوه ، وقاتلوه مع عدوه ، فأي زهد عند الحسين [20] هؤلاء ، وأي جهاد عندهم ؟ .
وقد ذاق منهم ] - رضي الله عنه - علي [ بن أبي طالب [21] من الكاسات المرة ما لا يعلمه إلا الله ، [ حتى دعا عليهم ] [22] فقال : اللهم قد [23]
[ ص: 91 ] سئمتهم وسئموني ، فأبدلني بهم خيرا منهم ، وأبدلهم بي شرا مني [24] وقد كانوا يغشونه ويكاتبون من يحاربه ، ويخونونه في الولايات والأموال .
هذا ولم يكونوا بعد صاروا رافضة ، إنما سموا شيعة علي لما افترق الناس فرقتين : فرقة شايعت أولياء ، وفرقة شايعت عثمان [ رضي الله عنهما ] عليا [25]
فأولئك خيار الشيعة ، وهم من لعلي [ بن أبي طالب [ ص: 92 ] - رضي الله عنه ] وابنيه شر الناس معاملة [26] : سبطي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وريحانتيه في الدنيا : الحسن ، وأعظم الناس قبولا للوم اللائم في الحق ، وأسرع الناس إلى فتنة وأعجزهم عنها ، يغرون من يظهرون نصره من أهل البيت ، حتى إذا اطمأن إليهم ولامهم عليه اللائم ، خذلوه وأسلموه وآثروا عليه الدنيا . والحسين
ولهذا أشار عقلاء المسلمين ونصحاؤهم على أن لا يذهب الحسين [27] إليهم مثل : [ عبد الله ] بن عباس ، و [ عبد الله ] بن عمر [28] ، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام [29] وغيرهم ، لعلمهم بأنهم يخذلونه ولا ينصرونه ، ولا يوفون له بما كتبوا له إليه . وكان الأمر كما رأى هؤلاء ، ونفذ فيهم دعاء ] - رضي الله عنه - عمر [ بن الخطاب [30] ثم دعاء علي بن أبي طالب [31] ، حتى سلط الله عليهم ] الحجاج [ بن يوسف [32] ، فكان [33] لا يقبل [ ص: 93 ] من محسنهم ولا يتجاوز عن مسيئهم ، ودب شرهم إلى من لم يكن منهم حتى عم الشر .
وهذه كتب المسلمين التي ذكر فيها زهاد الأمة ليس فيهم رافضي ، وهؤلاء المعروفون في الأمة بقول [34] الحق وأنهم لا تأخذهم في الله لومة لائم ليس فيهم رافضي ، كيف والرافضي من جنس المنافقين مذهبه التقية ، فهل هذا [35] حال من لا تأخذه في الله لومة لائم ؟ .
إنما هذه حال من نعته الله في كتابه بقوله : ( ياأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم ) [ سورة المائدة : 54 ] [36] .
وهذا [37] حال من قاتل المرتدين وأولهم [38] ومن اتبعه إلى يوم القيامة ، فهم الذين جاهدوا المرتدين كأصحاب الصديق مسيلمة الكذاب ومانعي الزكاة وغيرهما ، وهم الذين فتحوا الأمصار وغلبوا فارس والروم ، وكانوا أزهد الناس ; كما قال [ عبد الله ] بن مسعود [39] لأصحابه : أنتم أكثر صلاة [ ص: 94 ] وصياما من أصحاب محمد وهم كانوا خيرا منكم . قالوا : ولم يا أبا عبد الرحمن ؟ قال : لأنهم كانوا أزهد في الدنيا وأرغب في الآخرة .
[ فهؤلاء هم الذين [40] لا تأخذهم في الله لومة لائم ; بخلاف الرافضة فإنهم أشد الناس خوفا من لوم اللائم ومن عدوهم . وهم كما قال تعالى : ( يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون ) [ سورة المنافقون : 4 ] ، ولا يعيشون في أهل القبلة إلا من جنس اليهود في أهل الملل .
ثم يقال : من هؤلاء الذين زهدوا في الدنيا ولم تأخذهم في الله لومة لائم ، ممن لم يبايع أبا بكر وعمر - رضي الله عنهم - وبايع وعثمان ؟ فإنه من المعلوم أن في زمن الثلاثة لم يكن أحد منحازا عن الثلاثة ، مظهرا لمخالفتهم ومبايعة عليا ، بل كل الناس كانوا مبايعين لهم ، فغاية ما يقال إنهم كانوا يكتمون تقديم علي ، وليست هذه حال من لا تأخذه في الله لومة لائم . علي
وأما في علي ، فقد كان - رضي الله عنه - من أكثر الناس [ لوما ] حال ولاية [41] لمن معه على قلة جهادهم ونكولهم عن القتال ، فأين هؤلاء الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم من هؤلاء الشيعة ؟ .
وإن كذبوا على من الصحابة أبي ذر وسلمان وغيرهم ، فمن المتواتر أن هؤلاء كانوا من أعظم الناس تعظيما وعمار لأبي بكر واتباعا لهما ، وإنما ينقل عن بعضهم التعنت على وعمر لا على عثمان [ ص: 95 ] أبي بكر ، وسيأتي الكلام على ما جرى وعمر - رضي الله عنه ، ففي خلافة لعثمان أبي بكر وعمر لم يكن أحد يسمى من وعثمان الشيعة ، ولا تضاف الشيعة إلى أحد ، لا ولا عثمان ولا غيرهما ، فلما قتل علي تفرق المسلمون ، فمال قوم إلى عثمان ، ومال قوم إلى عثمان ، واقتتلت الطائفتان ، وقتل حينئذ شيعة علي شيعة عثمان . علي
وفي صحيح عن مسلم سعد بن هشام أنه أراد أن يغزو في سبيل الله وقدم المدينة ، فأراد أن يبيع عقارا [ له ] بها ، فيجعله في السلاح والكراع ، ويجاهد الروم حتى يموت ، فلما قدم المدينة لقي أناسا من أهل المدينة فنهوه عن ذلك ، وأخبروه أن رهطا ستة أرادوا ذلك في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم ، فنهاهم نبي الله - صلى الله عليه وسلم - وقال : " أليس لكم بي أسوة ؟ " فلما حدثوه بذلك راجع امرأته ، وقد كان طلقها ، وأشهد على رجعتها . فأتى وسأله عن وتر رسول الله - صلى الله عليه وسلم ، فقال له ابن عباس : ألا أدلك على أعلم أهل الأرض بوتر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قال : من ؟ قال : ابن عباس - رضي الله عنها ، فأتها فاسألها ، ثم ائتني فأخبرني بردها عليك . قال : فانطلقت إليها ، فأتيت على عائشة حكيم بن أفلح ، فاستلحقته إليها ، فقال : ما أنا بقاربها ; لأني نهيتها أن تقول في هاتين الشيعتين شيئا فأبت فيهما إلا مضيا . قال : فأقسمت عليه ، فجاء فانطلقنا إلى - رضي الله عنها - وذكر الحديث عائشة
[42] .
[ ص: 96 ] وقال معاوية : أنت على ملة لابن عباس ؟ فقال لا على ملة علي ولا على ملة علي أنا على ملة رسول الله - صلى الله عليه وسلم . عثمان
وكانت الشيعة أصحاب يقدمون عليه علي أبا بكر ، وإنما كان النزاع في تقدمه على وعمر . ولم يكن حينئذ يسمى أحد لا إماميا ولا رافضيا ] عثمان [43] ، وإنما سموا رافضة وصاروا رافضة [44] زيد بن علي بن الحسين بالكوفة في خلافة ، فسألته هشام الشيعة عن أبي بكر ، فترحم عليهما ، فرفضه قوم ، فقال : رفضتموني رفضتموني فسموا رافضة ، وعمر وتولاه قوم فسموا لما خرج زيدية [ لانتسابهم إليه ] [45] . ومن حينئذ انقسمت الشيعة إلى رافضة إمامية وزيدية ، وكلما زادوا في البدعة زادوا في الشر ، فالزيدية خير من الرافضة : أعلم وأصدق وأزهد وأشجع .
ثم بعد أبي بكر ] ، وهو عمر [ بن الخطاب [46] الذي لم تكن تأخذه في [ ص: 97 ] الله لومة لائم ، وكان أزهد الناس باتفاق الخلق كما قيل فيه : رحم الله لقد تركه الحق ما له [ من ] عمر [47] صديق .