فصل [1] قال الرافضي [2] : وذهب جميع من عدا [3] الإمامية والإسماعيلية إلى أن الأنبياء والأئمة [4] غير معصومين ، فجوزوا ، فأي وثوق يبقى للعامة في أقوالهم بعثة من يجوز عليه الكذب والسهو والخطأ والسرقة [5] ، وكيف [6] يحصل الانقياد إليهم [7] ، وكيف يجب اتباعهم مع تجويز أن يكون ما يأمرون به خطأ ؟ ولم يجعلوا الأئمة محصورين في عدد معين بل كل من بايع [8] قرشيا انعقدت إمامته عندهم ، ووجب [9] طاعته على جميع الخلق إذا كان مستور الحال ، وإن كان [10] على غاية من الكفر والفسوق والنفاق [11] .
[ ص: 372 ] فيقال : الكلام على هذا من وجوه :
أحدها : أن يقال : ما ذكرته عن الجمهور من نفي [12] العصمة عن الأنبياء وتجويز الكذب والسرقة [13] والأمر بالخطأ عليهم فهذا [14] كذب على الجمهور ؛ فإنهم متفقون على أن ، ولا يجوز أن يستقر في شيء من الشريعة خطأ باتفاق المسلمين ، وكل ما يبلغونه عن الله - عز وجل - الأنبياء معصومون في تبليغ الرسالة [15] من الأمر والنهي يجب طاعته فيه [16] باتفاق المسلمين ، وما أخبروا به وجب تصديقهم فيه بإجماع المسلمين ، وما أمروهم به ونهوهم عنه [17] وجبت طاعتهم فيه [18] عند جميع فرق الأمة ، إلا عند طائفة من الخوارج يقولون : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - [19] معصوم فيما يبلغه عن الله لا فيما يأمر هو به وينهى عنه . وهؤلاء ضلال باتفاق أهل السنة والجماعة [20] .
وقد ذكرنا غير مرة أنه إذا كان في بعض المسلمين [ من قال : قولا خطأ لم يكن ذلك قدحا في المسلمين ] [21] ، ولو كان كذلك لكان خطأ الرافضة [ ص: 373 ] عيبا في دين المسلمين ، فلا يعرف في الطوائف أكثر خطأ وكذبا منهم ، وذلك [22] لا يضر المسلمين شيئا ، فكذلك لا يضرهم [23] وجود مخطئ آخر [24] غير الرافضة .
وأكثر الناس - أو كثير منهم - لا يجوزون عليهم الكبائر ، والجمهور الذي يجوزون الصغائر - [ هم ومن يجوز الكبائر - ] [25] يقولون : إنهم لا يقرون عليها ، بل يحصل لهم بالتوبة منها من المنزلة [26] أعظم مما كان قبل ذلك كما تقدم التنبيه عليه .
وبالجملة [27] فليس في المسلمين من يقول : إنه يجب طاعة الرسول مع جواز أن يكون أمره خطأ ، بل هم متفقون على أن الأمر الذي يجب طاعته لا يكون إلا صوابا . فقوله : " كيف يجب اتباعهم مع تجويز أن يكون ما يأمرون [28] به خطأ " قول لا يلزم أحدا من الأمة [29] .
وللناس في تجويز الخطأ عليهم في الاجتهاد قولان معروفان ، وهم متفقون على أنهم لا يقرون عليه ، وإنما يطاعون فيما أقروا عليه ، لا فيما غيره الله ونهى عنه ، ولم يأمر بالطاعة فيه .
[ ص: 374 ] وأما فلم يقل بها إلا كما قال عصمة الأئمة الإمامية والإسماعيلية .
وناهيك [30] بقول [31] لم يوافقهم عليه إلا الملاحدة المنافقون ، الذين شيوخهم الكبار أكفر من اليهود والنصارى والمشركين ! [32] وهذا دأب الرافضة دائما [33] يتجاوزون عن جماعة المسلمين إلى اليهود والنصارى والمشركين في الأقوال والموالاة والمعاونة [34] والقتال وغير ذلك .
فهل يوجد أضل [35] من قوم يعادون السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ويوالون الكفار والمنافقين ؟ [36] وقد قال الله تعالى : ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم ويحلفون على الكذب وهم يعلمون أعد الله لهم عذابا شديدا إنهم ساء ما كانوا يعملون اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله فلهم عذاب مهين لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين كتب [ ص: 375 ] الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون [ سورة المجادلة : 14 - 22 ] .
فهذه الآيات نزلت في المنافقين ، وليس المنافقون في طائفة أكثر منهم في الرافضة ، حتى أنه . ليس في الروافض إلا من فيه شعبة من شعب النفاق
كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " [37] فيه خصلة من النفاق حتى يدعها : إذا حدث كذب ، وإذااؤتمن خان ، وإذا عاهد غدر ، وإذا خاصم فجر " . أخرجاه في الصحيحين أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت [38] .
ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون ) [ سورة المائدة : 80 - 81 ] [39] .
[ ص: 376 ] وقال تعالى : لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا [ سورة المائدة : 78 - 80 ] وهم غالبا لا يتناهون عن منكر فعلوه ، بل ديارهم أكثر البلاد منكرا من الظلم والفواحش [40] وغير ذلك ، وهم يتولون الكفار الذين غضب الله عليهم ، فليسوا مع المؤمنين ولا مع الكفار [41] كما قال تعالى : ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم [ سورة المجادلة : 14 ] .
ولهذا هم عند جماهير [42] المسلمين نوع آخر حتى أن المسلمين لما قاتلوهم بالجبل الذي كانوا عاصين فيه [43] بساحل الشام ، يسفكون دماء المسلمين ويأخذون أموالهم ويقطعون الطريق استحلالا لذلك وتدينا به ، فقاتلهم صنف منالتركمان فصاروا يقولون : نحن مسلمون ، فيقولون : لا أنتم جنس [44] آخر . فهم بسلامة قلوبهم علموا أنهم جنس آخر [45] خارجون عن المسلمين [ لامتيازهم عنهم ] [46] .
[ ص: 377 ] وقد قال الله تعالى : ويحلفون على الكذب وهم يعلمون [ سورة المجادلة : 14 ] وهذا حال [47] الرافضة ، وكذلك [48] اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله إلى قوله : لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله [ الآية سورة المجادلة : 16 - 22 ] [49] الكفار من وسط قلبه [50] أكثر من موادته للمسلمين ؛ ولهذا لما خرج وكثير منهم يواد [51] الترك والكفار من جهة المشرق [52] فقاتلوا [53] المسلمين وسفكوا دماءهم ببلاد [54] خراسان والعراق والشام والجزيرة وغيرها ، كانت الرافضة معاونة لهم على قتال [55] المسلمين ، ( 10 ووزير بغداد المعروف بالعلقمي [56] هو وأمثاله كانوا من أعظم الناس معاونة لهم على المسلمين 10 ) [57] ، وكذلك الذين كانوا بالشام بحلب وغيرها [58] من الرافضة كانوا من أشد الناس معاونة لهم على قتال المسلمين ، وكذلك النصارى [ ص: 378 ] الذين قاتلهم المسلمون [59] بالشام ، كانت الرافضة من أعظم أعوانهم [60] . وكذلك إذا صار اليهود [61] دولة بالعراق وغيره تكون الرافضة من أعظم أعوانهم [62] فهم [63] دائما يوالون الكفار من المشركين واليهود والنصارى ، ويعاونونهم على قتال المسلمين ومعاداتهم .
ثم إن هذا [64] ادعى دعوى لم يقم عليها حجة عصمة الأئمة [65] ، إلا ما تقدم من أن الله لم يخل العالم من أئمة معصومين لما في ذلك من المصلحة واللطف ، ومن المعلوم المتيقن [66] : أن هذا المنتظر الغائب المفقود لم يحصل به شيء من المصلحة واللطف ، سواء كان ميتا كما يقوله الجمهور أو كان حيا كما تظنه الإمامية . وكذلك أجداده المتقدمون لم يحصل بهم شيء من المصلحة واللطف الحاصلة [67] من إمام معصوم ذي سلطان ، كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة بعد الهجرة ، فإنه كان إمام المؤمنين الذي يجب عليهم طاعته [68] ، ويحصل بذلك سعادتهم ، ولم يحصل بعده [ ص: 379 ] أحد له سلطان تدعى له العصمة إلا - رضي الله عنه - علي [69] زمن خلافته .
ومن المعلوم بالضرورة أن حال اللطف والمصلحة التي [70] كان المؤمنون فيها زمن الخلفاء الثلاثة أعظم من اللطف والمصلحة [71] الذي كان [ في خلافة ] علي [72] زمن القتال والفتنة والافتراق ، فإذا لم يوجد من يدعي الإمامية فيه أنه معصوم وحصل له سلطان بمبايعة ذي الشوكة [73] إلا وحده ، وكان مصلحة المكلفين واللطف الذي حصل لهم في دينهم ودنياهم في ذلك الزمان أقل منه في زمن الخلفاء الثلاثة - علم علي [74] بالضرورة أن ما يدعونه من اللطف والمصلحة الحاصلة بالأئمة المعصومين باطل [75] قطعا .
وهو [76] من جنس الهدى والإيمان الذي يدعى في رجال [77] الغيب بجبل لبنان وغيره من الجبال [78] مثل جبل قاسيون بدمشق ، ومغارة الدم ، وجبل الفتح بمصر ، ونحو ذلك من الجبال والغيران [79] ، فإن [ ص: 380 ] هذه المواضع يسكنها الجن ويكون بها الشياطين ، ويتراءون أحيانا لبعض الناس ، ويغيبون عن الأبصار في أكثر الأوقات ، فيظن الجهال أنهم رجال من الإنس وإنما هم رجال من الجن .
كما قال تعالى : وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا [ سورة الجن : 6 ] .
وهؤلاء يؤمن بهم وبمن ينتحلهم من المشايخ طوائف ضالون [80] لكن المشايخ الذين ينتحلون رجال الغيب لا يحصل بهم من الفساد ما يحصل بالذين يدعون الإمام المعصوم ، بل المفسدة والشر الحاصل في هؤلاء أكثر ، فإنهم يدعون الدعوة [81] إلى إمام معصوم ولا يوجد لهم أئمة ذوو سيف يستعينون بهم إلا كافر أو فاسق أو منافق أو جاهل [82] ، لا تخرج رءوسهم عن هذه الأقسام .
والإسماعيلية شر منهم ، فإنهم يدعون إلى الإمام المعصوم ومنتهى [83] دعوتهم إلى رجال ملاحدة منافقين فساق ، ومنهم من هو شر في الباطن من اليهود والنصارى .
فالداعون إلى المعصوم لا يدعون إلى سلطان معصوم ، بل إلى سلطان كفور أو ظلوم . وهذا أمر مشهور يعرفه كل من له خبرة بأحوالهم .
وقد قال تعالى : يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي [ ص: 381 ] الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا [ سورة النساء : 59 ] .
فأمر الله المؤمنين عند التنازع بالرد إلى الله والرسول ، ولو كان للناس معصوم غير الرسول - صلى الله عليه وسلم - [84] لأمرهم بالرد إليه [85] ، فدل القرآن على أنه - لا معصوم إلا الرسول - صلى الله عليه وسلم [86]