الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                  معلومات الكتاب

                  منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية

                  ابن تيمية - أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني

                  صفحة جزء
                  [ ص: 129 ] فصل [1] .

                  قال الرافضي [2] : " وما أظن أحدا من المحصلين [3] وقف على هذه المذاهب واختار [4] غير مذهب الإمامية باطنا ، وإن كان في الظاهر يصير إلى غيره طلبا للدنيا ؛ حيث وضعت لهم المدارس والربط والأوقاف حتى تستمر [5] لبني العباس الدعوة ويشيدوا [6] للعامة اعتقاد إمامتهم "   .

                  فيقال : هذا الكلام [7] لا يقوله إلا من هو من أجهل الناس بأحوال أهل السنة ، أو من [8] هو من أعظم الناس كذبا وعنادا ، وبطلانه [9] ظاهر من وجوه كثيرة ، فإنه من المعلوم أن السنة كانت قبل أن تبنى المدارس أقوى وأظهر  ، فإن المدارس إنما بنيت في بغداد في أثناء المائة الخامسة : بنيت النظامية في حدود الستين والأربعمائة ، وبنيت على مذهب واحد من الأئمة الأربعة [10] . والمذاهب الأربعة طبقت المشرق [ ص: 130 ] والمغرب [11] وليس لأحد منهم مدرسة ، والمالكية في الغرب [12] لا يذكر عندهم ولد العباس .

                  ثم السنة كانت قبل دولة بني العباس أظهر منها وأقوى في دولة بني العباس ، فإن بني العباس دخل في دولتهم كثير [13] من الشيعة وغيرهم من أهل البدع . ثم إن [14] أهل السنة متفقون على أن الخلافة لا تختص ببني العباس ، وإنه لو تولاها بعض العلويين أو الأمويين أو غيرهم من بطون قريش جاز ، ثم من المعلوم أن علماء السنة كمالك وأحمد وغيرهما من أبعد الناس عن مداهنة الملوك أو مقاربتهم ، ثم إن [15] أهل السنة إنما يعظمون الخلفاء الراشدين ، وليس فيهم أحد من بني العباس .

                  ثم من المعلوم لكل عاقل أنه ليس في علماء المسلمين المشهورين أحد [16] رافضي ، بل كلهم متفقون على تجهيل الرافضة وتضليلهم ، وكتبهم كلها [ ص: 131 ] شاهدة بذلك ، وهذه كتب الطوائف كلها تنطق [17] بذلك ، مع أنه لا أحد يلجئهم إلى ذكر الرافضة ، وذكر جهلهم وضلالهم .

                  وهم دائما يذكرون من جهل الرافضة وضلالهم ما يعلم معه بالاضطرار أنهم يعتقدون أن الرافضة من أجهل الناس وأضلهم ، وأبعد طوائف الأمة عن الهدى . كيف [18] . ومذهب هؤلاء الإمامية قد جمع عظائم البدع المنكرة  ، فإنهم جهمية قدرية رافضة [19] . وكلام السلف والعلماء في ذم كل [20] صنف من هذه الأصناف لا يحصيه إلا الله ، والكتب مشحونة بذلك ، ككتب الحديث والآثار والفقه والتفسير والأصول والفروع وغير ذلك ، وهؤلاء الثلاثة شر من غيرهم من أهل البدع كالمرجئة [21] والحرورية .

                  والله يعلم أني مع كثرة بحثي وتطلعي إلى معرفة أقوال الناس [ ومذاهبهم ] [22] ما علمت رجلا له في الأمة لسان صدق يتهم [23] بمذهب الإمامية ، فضلا عن أن يقال : إنه [24] يعتقده في الباطن .

                  وقد اتهم بمذهب الزيدية الحسن بن صالح بن حي ، وكان فقيها [ ص: 132 ] صالحا [25] زاهدا [26] ، وقيل : إن ذلك كذب عليه ، ولم ينقل [27] أحد عنه [28] : إنه طعن في أبي بكر وعمر ، فضلا عن أن يشك في إمامتهما . واتهم [29] طائفة من الشيعة الأولى ( * بتفضيل علي على عثمان [30] ، ولم يتهم أحد من الشيعة الأولى بتفضيل علي على أبي بكر وعمر ، بل كانت عامة الشيعة الأولى * ) [31] الذين يحبون عليا يفضلون عليه [32] أبا بكر وعمر ، لكن كان فيهم طائفة ترجحه [33] على عثمان ، وكان الناس في الفتنة صاروا شيعتين : شيعة عثمانية ، وشيعة علوية . وليس كل من قاتل مع علي كان يفضله على عثمان ، بل كان كثير منهم يفضل عثمان عليه ، كما هو قول سائر أهل السنة .

                  التالي السابق


                  الخدمات العلمية