الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                  معلومات الكتاب

                  منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية

                  ابن تيمية - أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني

                  صفحة جزء
                  ( فصل ) .

                  إذا تبين هذا فنقول : الناس في يزيد طرفان ووسط   . قوم يعتقدون أنه كان

                  [1] من الصحابة ، أو من الخلفاء الراشدين المهديين ، أو من الأنبياء ، وهذا [ كله ] باطل

                  [2] . وقوم يعتقدون أنه كان كافرا منافقا

                  [3] في الباطن ، وأنه كان له قصد في أخذ ثأر كفار

                  [4] أقاربه من أهل المدينة وبني هاشم ، و [ أنه ] أنشد

                  [5]

                  لما بدت تلك الحمول وأشرفت

                  [6] تلك الرءوس على ربى جيرون     نعق الغراب فقلت نح أو لا تنح
                  فلقد قضيت من النبي ديوني

                  [ ص: 550 ] وأنه تمثل بشعر ابن الزبعرى

                  [7] :

                  ليت أشياخي ببدر شهدوا     جزع الخزرج من وقع الأسل
                  قد قتلنا القرن من ساداتهم     وعدلناه ببدر فاعتدل

                  .

                  وكلا القولين باطل ، يعلم بطلانه كل عاقل ; فإن الرجل ملك من ملوك المسلمين ، وخليفة من الخلفاء الملوك ، لا هذا ولا هذا . وأما مقتل الحسين - رضي الله عنه   - فلا ريب أنه قتل مظلوما شهيدا ، كما قتل أشباهه من المظلومين الشهداء .

                  وقتل الحسين معصية لله ورسوله ممن قتله أو أعان على قتله [ أو رضي بذلك ]  

                  [8] ، وهو مصيبة أصيب بها المسلمون من أهله وغير أهله ، وهو في حقه شهادة له ، ورفع درجة ، وعلو منزلة ; فإنه وأخاه سبقت لهما من الله السعادة ، التي لا تنال إلا بنوع من البلاء ، ولم يكن لهما من السوابق ما لأهل بيتهما ، فإنهما تربيا في حجر الإسلام ، في عز وأمان ، فمات هذا

                  [9] مسموما وهذا مقتولا ، لينالا بذلك منازل السعداء وعيش الشهداء .

                  وليس ما وقع من ذلك بأعظم من قتل الأنبياء ; فإن الله تعالى قد أخبر أن بني إسرائيل كانوا يقتلون النبيين بغير حق . وقتل النبي أعظم ذنبا ومصيبة ، وكذلك قتل علي - رضي الله عنه - أعظم ذنبا ومصيبة ، وكذلك قتل عثمان - رضي الله عنه - أعظم ذنبا ومصيبة .

                  [ ص: 551 ] إذا كان كذلك فالواجب عند المصائب الصبر والاسترجاع  ، كما يحبه الله ورسوله . قال الله تعالى : ( وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ) [ سورة البقرة : 156،155 ] .

                  وفي مسند الإمام أحمد وسنن ابن ماجه عن فاطمة بنت الحسين ، عن أبيها الحسين ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " ما من مسلم يصاب بمصيبة فيذكر مصيبته وإن قدمت ، فيحدث لها استرجاعا ، إلا أعطاه الله من الأجر مثل أجره يوم أصيب بها "

                  [10]

                  ورواية الحسين وابنته التي شهدت مصرعه لهذا الحديث آية ، فإن مصيبة الحسين هي ما يذكر وإن قدمت ، فيشرع

                  [11] للمسلم أن يحدث لها استرجاعا .

                  وأما ما يكرهه الله ورسوله من لطم الخدود ، وشق الجيوب ، والدعاء بدعوى الجاهلية  ، فهذا محرم تبرأ النبي - صلى الله عليه وسلم - من فاعله . كما في [ الحديث ] الصحيح

                  [12] عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " ليس منا من لطم الخدود ، وشق الجيوب ، ودعا بدعوى الجاهلية "

                  [13] وتبرأ من " الصالقة والحالقة والشاقة "







                  [14] فالصالقة التي ترفع صوتها عند المصيبة ، والحالقة التي تحلق شعرها ، والشاقة التي تشق ثيابها .

                  [ ص: 552 ] وفي الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " إن النائحة إذا لم تتب قبل موتها فإنها تلبس يوم القيامة درعا من جرب  وسربالا من قطران "

                  [15] .

                  ورفع إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - نائحة ، فأمر بضربها ، فقيل : يا أمير المؤمنين إنه قد بدا شعرها . فقال : إنه لا حرمة لها ; أنها تنهى عن الصبر ، وقد أمر الله به ، وتأمر بالجزع ، وقد نهى الله عنه ، وتفتن الحي ، وتؤذي الميت ، وتبيع عبرتها ، وتبكي بشجو غيرها ، إنها لا تبكي على ميتكم ، إنما تبكي على أخذ دراهمكم .

                  التالي السابق


                  الخدمات العلمية