الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                              صفحة جزء
                                                              ثم أمره الله تعالى بإظهار دينه والدعاء إليه ، فأظهره بعد ثلاث سنين من مبعثه .

                                                              وقال الشعبي : أخبرت أن إسرافيل تراءى له ثلاث سنين [ ص: 36 ] .

                                                              حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال حدثنا أحمد بن زهير ، قال : حدثنا موسى بن إسماعيل ، قال : حدثنا حماد بن سلمة عن داود بن أبي هند عن الشعبي ، قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأربعين ، ووكل به إسرافيل عليه السلام ثلاث سنين ، ثم وكل به جبرائيل عليه السلام .

                                                              قال : وأخبرنا أحمد بن حنبل ، قال حدثنا هشيم ، قال حدثنا داود ابن أبي هند عن الشعبي ، قال : نبئ النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكر مثله .

                                                              قال : ثم بعث إليه جبريل عليه السلام بالرسالة .

                                                              قال : وأخبرنا أحمد بن حنبل ، قال حدثنا ابن أبي عدي عن داود بن أبي هند عن عامر الشعبي ، قال : نزلت عليه النبوة ، وهو ابن أربعين سنة ، فقرن بنبوته إسرافيل عليه السلام ثلاث سنين ، فكان يعلمه الكلمة والشيء ، ولم ينزل عليه القرآن على لسانه ، فلما مضت ثلاث سنين قرن بنبوته جبريل عليه السلام ، فنزل القرآن على لسانه عشرين سنة .

                                                              وقيل : كان مبعثه صلى الله عليه وسلم وهو ابن أربعين سنة وشهرين وعشرة أيام . وقيل : بل كان مبعثه صلى الله عليه وآله وسلم لتمام أربعين سنة من مولده يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول سنة أربعين ، وممن قال : إنه عليه السلام نبئ وهو ابن أربعين سنة عبد الله بن عباس ، ومحمد بن جبير بن مطعم ، وقباث بن أشيم ، وعطاء ، وسعيد [ ص: 37 ] ابن المسيب ، وأنس بن مالك ، وهو الصحيح عند أهل السير وأهل العلم بالأثر ، فلما دعا قومه إلى دين الله نابذوه ، فأجاره عمه أبو طالب ، ومنع منه قريشا لأنهم أرادوا قتله لما دعاهم إليه من ترك ما كانوا عليه هم وآباؤهم ، ومفارقته لهم في دينه ، وتسفيه أحلامهم في عبادة أصنام لا تبصر ولا تسمع ، ولا تضر ولا تنفع ، فلم يزل في جوار عمه أبي طالب إلى أن توفي أبو طالب ، وذلك في النصف من شوال في السنة الثامنة . وقيل : العاشرة من مبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وحصرت قريش النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته بني هاشم ومعهم بنو المطلب في الشعب بعد المبعث بست سنين ، فمكثوا في ذلك الحصار ثلاث سنين ، وخرجوا منه في أول سنة خمسين من عام الفيل .

                                                              وتوفي أبو طالب بعد ذلك بستة أشهر ، وتوفيت خديجة بعده بثلاثة أيام .

                                                              وقد قيل غير ذلك ، وولد عبد الله بن عباس رضي الله عنه في الشعب قبل خروج بني هاشم منه .  وقيل : إنه ولد قبل الهجرة بثلاث سنين ، وكان ابن ثلاث عشرة سنة يوم مات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . وكان أبو طالب قد أسلم ابنه عليا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وذلك أن قريشا أصابتهم أزمة شديدة ، وكان أبو طالب ذا عيال كثير ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للعباس عمه - وكان من أيسر بني هاشم : يا عباس إن أخاك أبا طالب كثير العيال ، فانطلق بنا لنخفف عنه [ ص: 38 ] من عياله . فقال : نعم . فانطلقا حتى أتيا أبا طالب فقال له : إنا نريد أن نخفف عنك من عيالك حتى يكشف الله عن الناس ما هم فيه . فقال لهما أبو طالب :

                                                              إذا تركتما لي عقيلا فاصنعا ما شئتما . فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليا فضمه إليه ، وأخذ العباس جعفرا فضمه إليه ، فلم يزل علي رضى الله عنه مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى ابتعثه الله نبيا ، وحتى زوجه من ابنته فاطمة على جميعهم الصلاة والسلام .

                                                              وتزوج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خديجة وهو ابن خمس وعشرين سنة ، على اختلاف في ذلك قد ذكرناه .

                                                              وكان موتها بعد موت عمه أبي طالب بأيام يسيرة . قيل : ثلاثة أيام .

                                                              وقيل : سبعة . وقيل : كان بين موت أبي طالب وموت خديجة شهر وخمسة أيام . وتوفي أبو طالب وهو ابن بضع وثمانين سنة وتوفيت خديجة وهي ابنة خمس وستين سنة ، فكانت مصيبتان توالتا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بوفاة عمه أبي طالب ووفاة خديجة رضي الله عنها . وقيل : توفيت خديجة بعدما تزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأربع وعشرين سنة وستة أشهر وأربعة أيام قبل الهجرة بثلاث سنين وثلاثة أشهر ونصف شهر .

                                                              وفي عام وفاة خديجة تزوج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سودة وعائشة ، ولم يتزوج على خديجة حتى ماتت رضي الله عنها . وكانت وفاة أبي طالب وخديجة  قبل الهجرة بثلاث سنين . وقيل : بسنة . وقيل : كانت وفاتهما سنة عشر من المبعث في أولها ، والله أعلم [ ص: 39 ] .

                                                              حدثنا أحمد بن محمد ، قال حدثنا أحمد بن الفضل ، حدثنا محمد بن جرير ، قال حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني ، قال حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب ، وأخبرنا خلف بن قاسم ، قال حدثنا محمد بن القاسم بن معروف ، قال حدثنا أحمد بن علي بن المثنى ، قال حدثنا يحيى بن معين ، قال حدثنا هشام بن يوسف عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبيه . ولفظهما والمعنى سواء . قال : لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل بن هشام وعبد الله ابن أبي أمية فقال : يا عم ، قل لا إله إلا الله ، كلمة أحاج لك بها عند الله .

                                                              فقال له أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية . يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب! فلم يزالا به حتى كان آخر شيء تكلم به على ملة عبد المطلب . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لأستغفرن لك ما لم أنه عنك . فنزلت : ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم إلى آخر الآية . ونزلت : إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء . الآية .
                                                              قال ابن شهاب : قال عروة بن الزبير : ما زالوا - يعني قريشا - كافين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات أبو طالب . ولم تمت خديجة فيما ذكر ابن إسحاق وغيره إلا بعد الإسراء ، وبعد أن صلت الفريضة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 40 ] .

                                                              التالي السابق


                                                              الخدمات العلمية