الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                              جزء صفحة
                                                              فَصْلٌ: كَانَ السَّبَبُ فِي إِثَارَةِ الْعَزْمِ لِتَصْنِيفِ هَذَا الْكِتَابِ أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ إِخْوَانِي وَمَشَايِخِي فِي الْفِقْهِ كَانُوا يَسْأَلُونِي فِي زَمَنِ الصِّبَا جَمْعَ أَحَادِيثِ التَّعْلِيقِ ، وَبَيَانَ مَا صَحَّ مِنْهَا ، وَمَا طُعِنَ فِيهِ ، وَكُنْتُ أَتَوَانَى عَنْ هَذَا لِشَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا اشْتِغَالِي بِالطَّلَبِ. وَالثَّانِي ظَنِّي أَنَّ مَا فِي التَّعَالِيقِ فِي ذَلِكَ يَكْفِي ، فَلَمَّا نَظَرْتُ فِي التَّعَالِيقِ رَأَيْتُ بِضَاعَةَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ فِي الْحَدِيثِ مُزْجَاةً ، يُعَوِّلُ أَكْثَرُهُمْ عَلَى أَحَادِيثَ لَا تَصِحُّ ، وَيُعْرِضُ عَنِ الصِّحَاحِ ، وَيُقَلِّدُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِيمَا يَنْقُلُ ، ثُمَّ قَدِ انْقَسَمَ الْمُتَأَخِّرُونَ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ قَوْمٌ غَلَبَ عَلَيْهِمُ الْكَسَلُ وَرَأَوْا أَنَّ فِي الْبَحْثِ تَعَبًا وَكُلْفَةً فَتَعَجَّلُوا الرَّاحَةَ ، وَاقْتَنَعُوا بِمَا سَطَرَهُ غَيْرُهُمُ. وَالْقِسْمُ الثَّانِي قَوْمٌ لَمْ يَهْتَدُوا إِلَى أَمْكِنَةِ الْأَحَادِيثِ ، وَعَلِمُوا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ سُؤَالِ مَنْ يَعْلَمُ هَذَا ، فَاسْتَنْكَفُوا عَنْ ذَلِكَ. وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ قَوْمٌ مَقْصُودُهُمُ التَّوَسُّعُ فِي الْكَلَامِ طَلَبًا لِلتَّقَدُّمِ وَالرِّئَاسَةِ ، وَاشْتِغَالِهِمُ بِالْجَدَلِ وَالْقِيَاسِ ، وَلَا الْتِفَاتَ لَهُمْ إِلَى الْحَدِيثِ لَا إِلَى تَصْحِيحِهِ وَلَا إِلَى الطَّعْنِ فِيهِ ، وَلَيْسَ هَذَا شَأْنَ مَنِ اسْتَظْهَرَ لِدِينِهِ ، وَطَلَبَ الْوَثِيقَةَ مِنْ أَمْرِهِ. وَلَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ الْأَكَابِرِ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَيَقُولُ فِي تَصْنِيفِهِ -عَنْ أَلْفَاظٍ قَدْ أُخْرِجَتْ فِي الصِّحَاحِ- لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ ، وَيَرُدُّ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ وَيَقُولُ: هَذَا لَا يُعْرَفُ ، وَإِنَّمَا هُوَ لَا يَعْرِفُهُ ، ثُمَّ رَأَيْتُهُ قَدِ اسْتَدَلَّ بِحَدِيثٍ زَعَمَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَخْرَجَهُ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، ثُمَّ نَقَلَهُ عَنْهُ مُصَنِّفٌ آخَرُ كَمَا قَالَ تَقْلِيدًا لَهُ ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ فِي مَسْأَلَةٍ فَقَالَ دَلِيلُنَا مَا رَوَى بَعْضُهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ كَذَا ، وَرَأَيْتُ جُمْهُورَ مَشَايِخِنَا يَقُولُونَ فِي تَصَانِيفِهِمْ دَلِيلُنَا مَا رَوَى أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ، وَدَلِيلُنَا مَا رَوَى أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ بِإِسْنَادِهِ ، وَدَلِيلُنَا مَا رَوَى ابْنُ بَطَّةَ بِإِسْنَادِهِ ، وَجُمْهُورُ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ فِي الصِّحَاحِ وَفِي الْمُسْنَدِ وَفِي السُّنَنِ غَيْرَ أَنَّ السَّبَبَ فِي اقْتِنَاعِهِمْ بِهَذَا التَّكَاسُلِ عَنِ الْبَحْثِ. وَالْعَجَبُ مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ شُغُلٌ سِوَى مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، ثُمَّ قَدِ اقْتَصَرَ مِنْهَا فِي الْمُنَاظَرَةِ عَلَى خَمْسِينَ مَسْأَلَةً ، وَجُمْهُورُ هَذِهِ الْخَمْسِينَ لَا يُسْتَدَلُّ فِيهَا بِحَدِيثٍ ، فَمَا قَدْرُ الْبَاقِي حَتَّى يَتَكَاسَلَ عَنِ الْمُبَالَغَةِ فِي مَعْرِفَتِهِ؟!.

                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                              الخدمات العلمية