الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
113 - وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : "لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ". قَالَ: حَدَّثَنِيهِ ابْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَ [حَدَّثَنَا] يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ هِشَامٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ. قَوْلُهُ: فَإِنَّ اللَّهَ [عَزَّ وَجَلَّ] هُوَ الدَّهْرُ [هَذَا] مِمَّا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ أَنْ يَجْهَلَ وَجْهَهُ، وَذَلِكَ أَنَّ "أَهْلَ التَّعْطِيلِ" يَحْتَجُّونَ بِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ مَنْ يُتَهَمُّ بِالزَّنْدَقَةِ وَالدَّهْرِيَّةِ يَحْتَجُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَيَقُولُ: أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ: فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ؟ فَقُلْتُ: وَهَلْ كَانَ أَحَدٌ يَسُبُّ اللَّهَ [عَزَّ وَجَلَّ] فِي آبَادِ الدَّهْرِ؟! وَقَدْ قَالَ "الْأَعْشَى" فِي الْجَاهِلِيَّةِ الْجُهَلَاءِ: اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِالْوَفَاءِ، وَبِالْحَمْـ ــدِ وَوَلَّى الْمَلَامَةَ الرَّجُلَا وَإِنَّمَا تَأْوِيلُهُ عِنْدِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ الْعَرَبَ كَانَ شَأْنُهَا أَنْ تَذُمَّ الدَّهْرَ، وَتَسُبَّهُ عِنْدَ الْمَصَائِبِ الَّتِي تَنْزِلُ بِهِمْ مِنْ مَوْتٍ، أَوْ هَرَمٍ، أَوْ تَلَفِ مَالٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَيَقُولُونَ: أَصَابَتْهُمْ قَوَارِعُ الدَّهْرِ، وَأَبَادَهُمُ الدَّهْرُ، وَأَتَى عَلَيْهِمُ الدَّهْرُ، فَيَجْعَلُونَهُ الَّذِي يَفْعَلُ ذَلِكَ، فَيَذُمُّونَهُ عَلَيْهِ، وَقَدْ ذَكَرُوهُ فِي أَشْعَارِهِمْ، قَالَ الشَّاعِرُ يَذْكُرُ قَوْمًا هَلَكُوا: فَاسْتَأْثَرَ الدَّهْرُ الْغَدَاةَ بِهِمْ وَالدَّهْرُ يَرْمِينِي وَمَا أَرْمِي يَا دَهْرُ قَدْ أَكْثَرْتَ فَجْعَتَنَا بِسَرَاتِنَا وَوَقَرْتَ فِي الْعَظْمِ وَسَلَبْتَنَا مَا لَسْتَ تُعْقِبُنَا يَا دَهْرُ مَا أَنْصَفْتَ فِي الْحُكْمِ وَقَالَ "عَمْرُو بْنُ قَمِيئَةَ": رَمَتْنِي بَنَاتُ الدَّهْرِ مِنْ حَيْثُ لَا أَرَى فَكَيْفَ بِمَنْ يُرْمَى وَلَيْسَ بِرَامٍ فَلَوْ أَنَّهَا نَبْلٌ إِذًا لَاتَّقَيْتُهَا وَلَكِنَّمَا أُرْمَى بِغَيْرِ سِهَامِ عَلَى الرَّاحَتَيْنِ مَرَّةً وَعَلَى الْعَصَا أَنُوءُ ثَلَاثًا بَعْدَهُنَّ قِيَامِي فَأَخْبَرَ أَنَّ الدَّهْرَ فَعَلَ بِهِ ذَاكَ، يَصِفُ الْهَرَمَ . وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - بِذَلِكَ عَنْهُمْ فِي كِتَابِهِ [الْكَرِيمِ] ، ثُمَّ كَذَّبَهُمْ بِقَوْلِهِمْ، فَقَالَ: وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ قَالَ اللَّهُ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - : وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ": عَلَى تَأْوِيلِ: لَا تَسُبُّوا الَّذِي يَفْعَلُ بِكُمْ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ، وَيُصِيبُكُمْ بِهَذِهِ الْمَصَائِبِ، فَإِنَّكُمْ إِذَا سَبَبْتُمْ فَاعِلَهَا، فَإِنَّمَا يَقَعُ السَّبُّ عَلَى اللَّهِ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - لِأَنَّهُ الْفَاعِلُ لَهَا لَا الدَّهْرُ. فَهَذَا وَجْهُ الْحَدِيثِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - لَا أَعْرِفُ لَهُ وَجْهًا غَيْرَهُ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية