الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
120 - وقال أبو عبيد في حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - : "الإيمان يمان والحكمة يمانية".  

قال: حدثناه إسماعيل بن جعفر، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم.

قوله: الإيمان يمان،  وإنما بدأ الإيمان من "مكة"؛ لأنها مولد النبي - صلى الله عليه وسلم - ومبعثه، ثم هاجر إلى "المدينة"، ففي ذلك قولان:

أما أحدهما، فإنه يقال: إن "مكة" من أرض "تهامة"، ويقال: إن "تهامة" من أرض اليمن، ولهذا يسمى ما والى "مكة" من أرض "اليمن" واتصل بها: التهائم، فكأن "مكة" على هذا التفسير يمانية، فقال: "الإيمان" على هذا [ ص: 376 ] .

والوجه الآخر أنه يروى في الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما قال هذا الكلام، وهو يومئذ "بتبوك" ناحية الشام، و"مكة" والمدينة حينئذ بينه وبين اليمن، فأشار إلى ناحية اليمن، وهو يريد "مكة" و"المدينة"، فقال: "الإيمان يمان":  أي هو من هذه الناحية، فهما وإن لم يكونا من "اليمن"، فقد يجوز أن تنسبا إليها إذا كانتا من ناحيتها، وهذا كثير في كلامهم فاش ألا تراهم، قالوا: الركن اليماني؟ فنسب إلى اليمن، وهو "بمكة"؛ لأنه مما يليها.

قال: وأنشدني "الأصمعي" للنابغة يذم "يزيد بن الصعق" وهو رجل من "قيس" فقال:


وكنت أمينه لو لم تحنه ولكن لا أمانة لليماني

وذلك أنه كان مما يلي "اليمن".

وقال "ابن مقبل": وهو رجل من "بني العجلان" من "بني عامر بن صعصعة":


طاف الخيال بنا ركبا يمانينا     ودون ليلى عواد لو تعدينا

فنسب نفسه إلى "اليمن" لأن الخيال طرقه، وهو يسير ناحيتها؛ ولهذا قالوا: سهيل اليماني، لأنه يرى من ناحية "اليمن" [ ص: 377 ] .

قال أبو عبيد: وأخبرني هشام بن الكلبي أن "سهيل بن عبد الرحمن بن عوف" تزوج الثريا بنت فلان من "بني أمية" من العبلات، وهي أمية الصغرى، فقال "عمر بن أبي ربيعة".

أنشدنيه عنه "الأصمعي":


أيها المنكح الثريا سهيلا     عمرك الله كيف يلتقيان


هي شآمية إذا ما استقلت     وسهيل إذا استقل يماني

قال أبو عبيد: فجعل النجوم لهما مثلا لاتفاق أسمائهما بالنجوم، ثم قال: هي شآمية يعني الثريا التي في السماء، وذلك أن الثريا إذا ارتفعت اعترضت ناحية الشآم مع الجوزاء حتى تغيب تلك الناحية.

قال: وسهيل إذا استقل يماني؛ لأنه يعلو من ناحية اليمن، فسمى تلك شآمية وهذا يمانيا، وليس منهما شآمي، ولا يمان، إنما هما نجوم السماء ولكن نسب كل واحد منهما إلى ناحيته، فعلى هذا تأويل قول "النبي" - صلى الله عليه وسلم - "الإيمان يمان"   [ ص: 378 ] .

ويذهب كثير من الناس في هذا إلى الأنصار، يقول: هم نصروا الإيمان وهم يمانية، فنسب الإيمان إليهم على هذا المعنى، وهو أحسن الوجوه عندي.

[قال أبو عبيد] : ومما يبين ذلك حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لما قدم أهل اليمن قال: [أتاكم أهل اليمن] هم ألين قلوبا وأرق أفئدة: الإيمان يمان والحكمة يمانية".  ومنه أيضا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : "ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار".  

التالي السابق


الخدمات العلمية