قال: حدثناه عن إسماعيل بن جعفر، محمد بن عمرو، عن عن أبي سلمة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم. أبي هريرة،
قوله: الإيمان يمان، وإنما بدأ الإيمان من "مكة"؛ لأنها مولد النبي - صلى الله عليه وسلم - ومبعثه، ثم هاجر إلى "المدينة"، ففي ذلك قولان:
أما أحدهما، فإنه يقال: إن "مكة" من أرض "تهامة"، ويقال: إن "تهامة" من أرض اليمن، ولهذا يسمى ما والى "مكة" من أرض "اليمن" واتصل بها: التهائم، فكأن "مكة" على هذا التفسير يمانية، فقال: "الإيمان" على هذا [ ص: 376 ] .
والوجه الآخر أنه يروى في الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما قال هذا الكلام، وهو يومئذ "بتبوك" ناحية الشام، و"مكة" والمدينة حينئذ بينه وبين اليمن، فأشار إلى ناحية اليمن، وهو يريد "مكة" و"المدينة"، فقال: "الإيمان يمان": أي هو من هذه الناحية، فهما وإن لم يكونا من "اليمن"، فقد يجوز أن تنسبا إليها إذا كانتا من ناحيتها، وهذا كثير في كلامهم فاش ألا تراهم، قالوا: الركن اليماني؟ فنسب إلى اليمن، وهو "بمكة"؛ لأنه مما يليها.
قال: وأنشدني "الأصمعي" للنابغة يذم "يزيد بن الصعق" وهو رجل من "قيس" فقال:
وكنت أمينه لو لم تحنه ولكن لا أمانة لليماني
وذلك أنه كان مما يلي "اليمن".وقال "ابن مقبل": وهو رجل من "بني العجلان" من "بني عامر بن صعصعة":
طاف الخيال بنا ركبا يمانينا ودون ليلى عواد لو تعدينا
قال وأخبرني أبو عبيد: هشام بن الكلبي أن "سهيل بن عبد الرحمن بن عوف" تزوج الثريا بنت فلان من "بني أمية" من العبلات، وهي أمية الصغرى، فقال "عمر بن أبي ربيعة".
أنشدنيه عنه "الأصمعي":
أيها المنكح الثريا سهيلا عمرك الله كيف يلتقيان
هي شآمية إذا ما استقلت وسهيل إذا استقل يماني
قال: وسهيل إذا استقل يماني؛ لأنه يعلو من ناحية اليمن، فسمى تلك شآمية وهذا يمانيا، وليس منهما شآمي، ولا يمان، إنما هما نجوم السماء ولكن نسب كل واحد منهما إلى ناحيته، فعلى هذا تأويل قول "النبي" - صلى الله عليه وسلم - "الإيمان يمان" [ ص: 378 ] .
ويذهب كثير من الناس في هذا إلى الأنصار، يقول: هم نصروا الإيمان وهم يمانية، فنسب الإيمان إليهم على هذا المعنى، وهو أحسن الوجوه عندي.
[قال ومما يبين ذلك حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - أبو عبيد] : أنه لما قدم أهل اليمن قال: [أتاكم أهل اليمن] هم ألين قلوبا وأرق أفئدة: الإيمان يمان والحكمة يمانية". ومنه أيضا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : "ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار".