الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                معلومات الكتاب

                                                                                                                                بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

                                                                                                                                الكاساني - أبو بكر مسعود بن أحمد الكاساني

                                                                                                                                جزء صفحة
                                                                                                                                وَأَمَّا وَقْتُ الِاسْتِحْقَاقِ فَهُوَ وَقْتُ مَرَضِ الْمَوْتِ عِنْدَنَا لِمَا ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ مَرَضِ الْمَوْتِ لِتَفْرِيقِ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِ فَنَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ ذَكَرَ الْكَرْخِيُّ أَنَّ الْمَرِيضَ مَرَضَ الْمَوْتِ هُوَ الَّذِي أَضْنَاهُ الْمَرَضُ وَصَارَ صَاحِبَ فِرَاشٍ فَأَمَّا إذَا كَانَ يَذْهَبُ وَيَجِيءُ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يُحَمُّ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الصَّحِيحِ . وَذَكَرَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ : الْمَرِيضَ الَّذِي إذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ كَانَ فَارًّا هُوَ أَنْ يَكُونَ مُضْنًى لَا يَقُومُ إلَّا بِشِدَّةٍ وَهُوَ فِي حَالٍ يُعْذَرُ فِي الصَّلَاةِ جَالِسًا . وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَرَضَ الْمَوْتِ هُوَ الَّذِي يُخَافُ مِنْهُ الْمَوْتُ غَالِبًا . وَيَدْخُلُ فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ مَا ذَكَرَهُ الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَا ذَكَرَهُ الْكَرْخِيُّ ; لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مُضْنًى لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ إلَّا بِشِدَّةٍ يُخْشَى عَلَيْهِ الْمَوْتُ . وَكَذَا إذَا كَانَ صَاحِبَ فِرَاشٍ وَكَذَا إذَا كَانَ يَذْهَبُ وَيَجِيءُ وَلَا يُخْشَى عَلَيْهِ الْمَوْتُ غَالِبًا . وَإِنْ كَانَ يُحَمُّ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مَرَضَ الْمَوْتِ وَكَذَلِكَ صَاحِبُ الْفَالِجِ وَالسُّلِّ وَالنَّقْرَسِ وَنَحْوِهَا إذَا طَالَ بِهِ ذَلِكَ فَهُوَ فِي حُكْمِ الصَّحِيحِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ إذَا طَالَ لَا يُخَافُ مِنْهُ الْمَوْتُ غَالِبًا فَلَمْ يَكُنْ مَرَضَ الْمَوْتِ إلَّا إذَا تَغَيَّرَ حَالُهُ مِنْ ذَلِكَ وَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ التَّغَيُّرِ فَيَكُونُ حَالَ التَّغَيُّرِ مَرَضَ الْمَوْتِ ; لِأَنَّهُ إذَا تَغَيَّرَ يُخْشَى مِنْهُ الْمَوْتُ غَالِبًا فَيَكُونُ مَرَضَ الْمَوْتِ . وَكَذَا الزَّمِنُ وَالْمُقْعَدُ وَيَابِسُ الشِّقِّ . وَعَلَى هَذَا قَالُوا فِي الْمَحْصُورِ وَالْوَاقِفِ فِي صَفِّ الْقِتَالِ وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ فِي حَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ فَحُبِسَ لِيُقْتَلَ أَنَّهُ كَالصَّحِيحِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ الْغَالِبُ مِنْ هَذِهِ الْأَحْوَالِ الْمَوْتَ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يَتَخَلَّصُ مِنْهَا غَالِبًا لِكَثْرَةِ أَسْبَابِ الْخَلَاصِ وَلَوْ قَدِمَ لِيَقْتُلَ أَوْ بَارَزَ قِرْنَهُ وَخَرَجَ مِنْ الصَّفِّ فَهُوَ كَالْمَرِيضِ إذْ الْغَالِبُ مِنْ هَذِهِ الْحَالَةِ الْهَلَاكُ فَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمَرِيضِ إذَا مَاتَ فِي ذَلِكَ الْوَجْهِ . وَلَوْ كَانَ فِي السَّفِينَةِ فَهُوَ كَالصَّحِيحِ إلَّا إذَا هَاجَتْ الْأَمْوَاجُ فَيَصِيرُ فِي حُكْمِ الْمَرِيضِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ ; لِأَنَّهُ يُخْشَى عَلَيْهِ مِنْهَا الْمَوْتُ غَالِبًا وَلَوْ أُعِيدَ الْمُخْرَجُ إلَى الْقَتْلِ أَوْ إلَى الْحَبْسِ أَوْ إذَا رَجَعَ الْمُبَارِزُ بَعْدَ الْمُبَارِزَةِ إلَى الصَّفِّ أَوْ سَكَنَ الْمَوْجُ صَارَ فِي حُكْمِ الصَّحِيحِ كَالْمَرِيضِ إذَا بَرِئَ مِنْ مَرَضِهِ وَالْمَرْأَةُ إذَا مَا أَخَذَهَا الطَّلْقُ فَهِيَ فِي حُكْمِ الْمَرِيضِ إذَا مَاتَتْ مِنْ ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنْهُ خَوْفُ الْهَلَاكِ وَإِذَا سَلِمَتْ مِنْ ذَلِكَ فَهِيَ فِي حُكْمِ الصَّحِيحِ كَمَا إذَا كَانَتْ مَرِيضَةً ثُمَّ صَحَّتْ .

                                                                                                                                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                الخدمات العلمية