الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              جزء صفحة
              حَدَّثَنَا أَبِي ، ثَنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ أَبَانٍ ، ثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عُبَيْدٍ ، حَدَّثَنِي محمد بن الحسين ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، حَدَّثَنِي عَمَّارُ بْنُ عَمْرٍو الْبَجَلِيُّ ، سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ ذَرٍّ ، يَقُولُ : لَمَّا رَأَى الْعَابِدُونَ اللَّيْلَ قَدْ هَجَمَ عَلَيْهِمْ ، وَنَظَرُوا إِلَى أَهْلِ السَّآمَةِ وَالْغَفْلَةِ قَدْ سَكَنُوا إِلَى فِرَاشِهِمْ ، وَرَجَعُوا إِلَى مَلَاذِّهِمْ مِنَ الضَّجْعَةِ وَالنَّوْمِ ، قَامُوا إِلَى اللَّهِ فَرِحِينَ مُسْتَبْشِرِينَ بِمَا قَدْ وُهِبَ لَهُمْ مِنْ حُسْنِ عِبَادَةِ السَّهَرِ ، وَطُولِ التَّهَجُّدِ ، فَاسْتَقْبَلُوا اللَّيْلَ بِأَبْدَانِهِمْ ، وَبَاشَرُوا ظُلْمَتَهُ بِصِفَاحِ وُجُوهِهِمْ ، فَانْقَضَى عَنْهُمُ اللَّيْلُ وَمَا انْقَضَتْ لَذَّتُهُمْ مِنَ التِّلَاوَةِ ، وَلَا مَلَّتْ أَبْدَانُهُمْ مِنْ طُولِ الْعِبَادَةِ ، فَأَصْبَحَ الْفَرِيقَانِ وَقَدْ وَلَّى عَنْهُمُ اللَّيْلُ بِرِبْحٍ وَغَبْنٍ ، أَصْبَحَ هَؤُلَاءِ قَدْ مَلُّوا النَّوْمَ وَالرَّاحَةَ ، وَأَصْبَحَ هَؤُلَاءِ مُتَطَلِّعِينَ إِلَى مَجِيءِ اللَّيْلِ لِلْعِبَادَةِ ، شَتَّانَ مَا بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ ، فَاعْمَلُوا لِأَنْفُسِكُمْ رَحِمَكُمُ اللَّهُ فِي هَذَا اللَّيْلِ وَسَوَادِهِ ، فَإِنَّ الْمَغْبُونَ مَنْ غُبِنَ خَيْرَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، وَالْمَحْرُومَ مَنْ حُرِمَ خَيْرَهُمَا ، إِنَّمَا جُعِلَا سَبِيلًا لِلْمُؤْمِنِينَ إِلَى طَاعَةِ رَبِّهِمْ ، وَوَبَالًا عَلَى الْآخَرِينَ لِلْغَفْلَةِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ ، فَأَحْيُوا لِلَّهِ أَنْفُسَكُمْ بِذِكْرِهِ ، فَإِنَّمَا تَحْيَا الْقُلُوبُ بِذِكْرِ اللَّهِ ، كَمْ مِنْ قَائِمٍ فِي هَذَا اللَّيْلِ قَدِ اغْتَبَطَ بِقِيَامِهِ فِي ظُلْمَةِ حُفْرَتِهِ ، وَكَمْ مِنْ نَائِمٍ فِي هَذَا اللَّيْلِ قَدْ نَدِمَ عَلَى طُولِ نَوْمَتِهِ عِنْدَمَا يَرَى مِنْ كَرَامَةِ اللَّهِ لِلْعَابِدِينَ غَدًا ، فَاغْتَنِمُوا مَمَرَّ السَّاعَاتِ وَاللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ ، رَحِمَكُمُ اللَّهُ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ نَصْرٍ ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، ثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ ذَرٍّ ، قَالَ : مَا أَغْفَلَ النَّاسَ عَمَّا خَلَوْتُمْ بِهِ ، وَغَدَوْتُمْ إِلَيْهِ ، فَاتَّقُوا اللَّهَ مِمَّا تُكَاتِمُونَ ، أَلَا تُبَادِرُونَ كَلِمَتَنَا وَقَدْ قَرَّبَ ، وَهَذَا مَقْعَدُ الْعَائِذِينَ بِكَ ، أَمَا وَاللَّهِ لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي أَبَرُّ مَا افْتَرَرْتُ ضَاحِكًا حَتَّى أَعْلَمَ مَا لِي مِمَّا عَلَيَّ ، وَلَكِنَّا إِذَا قُمْنَا عَمَّا تَرَوْنَ عُدْنَا إِلَى مَا تَعْلَمُونَ ، قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ : وَقَرَأَ يَوْمًا الْحَاقَّةَ حَتَّى بَلَغَ ( فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ ) ، ثُمَّ قَالَ : حَمَلَ - وَرَبِّ الْكَعْبَةِ - ظَنَّهُ عَلَى الْيَقِينِ ، ثُمَّ نَادَى مُسْفِرٌ وَجْهَهُ ، ثَلِجٌ قَلْبُهُ ، مُطْلَقَةٌ يَدَاهُ : ( وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ ) ، فَأَخَذَ ابْنُ ذَرٍّ يَقُولُ : صَدَقْتَ يَا كَذَّابُ ، يُنَادِي مُسْوَدٌّ وَجْهُهُ ، كَاسِفٌ بَالُهُ ، مَغْلُولَةٌ يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ ، وَقَالَ : ( أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ) عَلَيْنَا تَكَرَّرَ الْوَعِيدُ ، فَلَا وَعِزَّتِكَ مَا نَحْتَمِلُ وَعِيدَ مَنْ هُوَ دُونَكَ مِمَّنْ لَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ ، مِمَّنْ يَشْرَكُنَا فِي لَذَّةِ نَوْمِنَا وَطَعَامِنَا وَشَرَابِنَا حَتَّى نَعْلَمَ مَا لَنَا فِيمَا وُعِدْنَا ، اللَّهُمَّ وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ اغْتَنَمُوا ظُلْمَةَ اللَّيْلِ وَجَاهَدُوكَ بِمَا اسْتَخَفُّوا بِهِ مِنْ غَيْرِكَ ، فَإِنْ كَانَ فِي سَابِقِ الْعِلْمِ أَلَّا يُحْدِثُوا تَوْبَةً فَأَقِدْ مِنْهُمْ بِأَسْوَإِ أَعْمَالِهِمْ . حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ أَحْمَدَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ النَّضْرِ ، قَالَا : ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْوَاسِطِيُّ ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْبُرْجُلَانِيُّ ، ثَنَا الصَّلْتُ بْنُ حَكِيمٍ ، ثَنَا النَّضْرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ ذَرٍّ ، يَقُولُ فِي كَلَامِهِ : أَمَّا الْمَوْتُ فَقَدْ شُهِرَ لَكُمْ ، فَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيْهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مِنْ بَيْنِ مَنْقُولٍ عَزِيزٍ عَلَى أَهْلِهِ ، كَرِيمٍ فِي عَشِيرَتِهِ ، مُطَاعٍ فِي قَوْمِهِ ، إِلَى حُفْرَةٍ يَابِسَةٍ ، وَأَحْجَارٍ مِنَ الْجَنْدَلِ صُمٍّ ، لَيْسَ يَقْدِرُ لَهُ الْأَهْلُونَ عَلَى وِسَادٍ إِلَّا خَالَطَهُ فِيهِ الْهَوَامُّ ، فَوِسَادُهُ يَوْمَئِذٍ عَمَلُهُ ، وَمِنْ بَيْنِ مَغْمُومٍ غَرِيبٍ ، قَدْ كَثُرَ فِي الدُّنْيَا هَمُّهُ ، وَطَالَ فِيهَا سَعْيُهُ ، وَتَعِبَ فِيهَا بَدَنُهُ ، جَاءَهُ الْمَوْتُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَنَالَ بُغْيَتَهُ ، فَأَخَذَهُ بَغْتَةً ، وَمِنْ بَيْنِ صَبِيٍّ مُرْضَعٍ ، وَمَرِيضٍ مُوجَعٍ ، وَوَهِنٍ بِالشَّرِّ مُولَعٍ ، وَكُلُّهُمْ بِسَهْمِ الْمَوْتِ يُقْرَعُ ، أَمَا لِلْعَابِدِينَ مِنْ عِبَرٍ فِي كَلَامِ الْوَاعِظِينَ ؟ وَلَرُبَّمَا قُلْتُ : سُبْحَانَهُ وَجَلَّ جَلَالُهُ ، لَقَدْ أَمْهَلَكُمْ حَتَّى كَأَنَّهُ أَهْمَلَكُمْ ، ثُمَّ أَرْجِعُ إِلَى حِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ ثُمَّ أَقُولُ : بَلْ أَخَّرَنَا إِلَى حِينِ آجَالِنَا سُبْحَانَهُ ، إِلَى يَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ، وَتَجِفُّ فِيهِ الْقُلُوبُ ( مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ ) ، يَا رَبِّ قَدْ أَنْذَرْتَ وَحَذَّرْتَ ، فَلَكَ الْحُجَّةُ عَلَى خَلْقِكَ ، ثُمَّ قَرَأَ ( وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ ) ، ثُمَّ يَقُولُ : أَيُّهَا الظَّالِمُ أَنْتَ فِي أَجَلِكَ الَّذِي اسْتَأْجَلْتَ ، فَاغْتَنِمْهُ قَبْلَ نَفَاذِهِ ، وَبَادِرْهُ قَبْلَ فَوْتِهِ ، وَآخِرُ الْأَجَلِ مُعَايَنَةُ الْأَجَلِ عِنْدَ نُزُولِ الْمَوْتِ ، فَعِنْدَ ذَلِكَ لَا يَنْفَعُ الْأَسَفُ ، إِنَّمَا ابْنُ آدَمَ غَرَضٌ لِلْمَنَايَا مَنْصُوبٌ ، مَنْ رَمَتْهُ بِسِهَامِهَا لَمْ تُخْطِئْهُ ، وَمَنْ أَرَادَتْهُ لَمْ تُصِبْ غَيْرَهُ ، أَلَا وَإِنَّ الْخَيْرَ الْأَكْبَرَ خَيْرُ الْآخِرَةِ ، الدَّائِمُ فَلَا يَنْفَدُ ، وَالْبَاقِي فَلَا يَفْنَى ، وَالْمُمْتَدُّ فَلَا يَنْقَطِعُ ، وَالْعِبَادُ الْمُكْرَمُونَ فِي جِوَارِ اللَّهِ تَعَالَى ، مُقِيمُونَ فِي كُلِّ مَا اشْتَهَتِ الْأَنْفُسُ ، وَلَذَّتِ الْأَعْيُنُ ، مُتَزَاوِرُونَ عَلَى النَّجَائِبِ ، وَيَتَلَاقُونَ فَيَتَذَاكَرُونَ أَيَّامَ الدُّنْيَا ، هَنِيئًا لِلْقَوْمِ ، هَنِيئًا لَقَدْ وَجَدَ الْقَوْمُ بُغْيَتَهُمْ ، وَنَالُوا طِلْبَتَهُمْ ، إِذْ كَانَ رَغْبَتُهُمْ إِلَى السَّيِّدِ الْكَرِيمِ الْمُتَفَضِّلِ . حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ أَحْمَدَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ النَّضْرِ ، قَالَا : ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ ، ثَنَا النَّضْرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ : شَهِدْتُ عُمَرَ بْنَ ذَرٍّ فِي جِنَازَةٍ وَحَوْلَهُ النَّاسُ ، فَلَمَّا وُضِعَ الْمَيِّتُ عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ بَكَى عُمَرُ ثُمَّ قَالَ : أَيُّهَا الْمَيِّتُ ، أَمَّا أَنْتَ فَقَدَ قَطَعْتَ سَفَرَ الدُّنْيَا ، فَطُوبَى لَكَ إِنْ تَوَسَّدْتَ فِي قَبْرِكَ خَيْرًا .

              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


              الخدمات العلمية