الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                      جزء صفحة
                                      المهذب قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ( وَإِنْ طَلَعَ الْفَجْرُ وَهُوَ مُجَامِعٌ ، فَاسْتَدَامَ مَعَ الْعِلْمِ بِالْفَجْرِ ، وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ ; لِأَنَّهُ مَنَعَ صِحَّةَ صَوْمِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ بِجِمَاعٍ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ ، فَوَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ ، كَمَا لَوْ وَطِئَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ ، وَإِنْ جَامَعَ وَعِنْدَهُ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ وَكَانَ قَدْ طَلَعَ ، أَوْ أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ غَرَبَتْ وَلَمْ تَكُنْ غَرَبَتْ ، لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ ; لِأَنَّهُ جَامَعَ وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ يَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ ، وَكَفَّارَةُ الصَّوْمِ عُقُوبَةٌ تَجِبُ مَعَ الْمُسْلِمِ فَلَا تَجِبُ مَعَ اعْتِقَادِ الْإِبَاحَةِ كَالْحَدِّ ، وَإِنْ أَكَلَ نَاسِيًا فَظَنَّ أَنَّهُ أَفْطَرَ بِذَلِكَ ثُمَّ جَامَعَ عَامِدًا فَالْمَنْصُوصُ فِي الصِّيَامِ أَنَّهُ لَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ ; لِأَنَّهُ وَطِئَ وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ غَيْرُ صَائِمٍ فَأَشْبَهَ إذَا وَطِئَ وَعِنْدَهُ أَنَّهُ لَيْلٌ ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ نَهَارٌ ، وَقَالَ شَيْخُنَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : يُحْمَلُ عِنْدِي أَنَّهُ تَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ ; لِأَنَّ الَّذِي ظَنَّهُ لَا يُبِيحُ الْوَطْءَ بِخِلَافِ ، مَا لَوْ جَامَعَ وَظَنَّ أَنَّ الشَّمْسَ غَرَبَتْ ; لِأَنَّ الَّذِي ظَنَّ شَاكٌّ يُبِيحُ لَهُ الْوَطْءَ فَإِنْ أَفْطَرَ بِالْجِمَاعِ وَهُوَ مَرِيضٌ أَوْ مُسَافِرٌ لَمْ تَجِبْ الْكَفَّارَةُ ; لِأَنَّهُ يَحِلُّ لَهُ الْفِطْرُ فَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ مَعَ إبَاحَةِ الْفِطْرِ ، وَإِنْ أَصْبَحَ الْمُقِيمُ صَائِمًا ثُمَّ سَافَرَ وَجَامَعَ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ ; لِأَنَّ السَّفَرَ لَا يُبِيحُ لَهُ الْفِطْرَ فِي هَذَا الْيَوْمِ ، فَكَانَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ ، وَإِنْ أَصْبَحَ الصَّحِيحُ صَائِمًا ثُمَّ مَرِضَ وَجَامَعَ لَمْ تَجِبْ الْكَفَّارَةُ ; لِأَنَّ الْمَرِيضَ يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ فِي هَذَا الْيَوْمِ وَإِنْ جَامَعَ ثُمَّ سَافَرَ لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ الْكَفَّارَةُ ، لِأَنَّ السَّفَرَ لَا يُبِيحُ لَهُ الْفِطْرَ فِي يَوْمِهِ فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ مَا وَجَبَ فِيهِ مِنْ الْكَفَّارَةِ ، وَإِنْ جَامَعَ ثُمَّ مَرِضَ أَوْ جُنَّ فَفِيهِ قَوْلَانِ ( أَحَدُهُمَا ) لَا تَسْقُطُ عَنْهُ الْكَفَّارَةُ ; لِأَنَّهُ مَعْنًى طَرَأَ بَعْدَ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فَلَا تَسْقُطُ الْكَفَّارَةُ كَالسَّفَرِ ( وَالثَّانِي ) أَنَّهُ تَسْقُطُ ; لِأَنَّ الْيَوْمَ يَرْتَبِطُ بَعْضُهُ بِبَعْضِ ، فَإِذَا خَرَجَ جُزْؤُهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ صَائِمًا فِيهِ أَوْ عَنْ الصَّوْمِ فِيهِ مُسْتَحَقًّا خَرَجَ أَوَّلُهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ صَوْمًا أَوْ يَكُونَ الصَّوْمُ فِيهِ مُسْتَحَقًّا ، فَيَكُونُ جِمَاعُهُ فِي يَوْمِ فِطْرٍ ، أَوْ فِي يَوْمِ صَوْمٍ غَيْرِ مُسْتَحَقٍّ فَلَا تَجِبُ بِهِ الْكَفَّارَةُ ) . المجموع ( الشَّرْحُ ) فِي الْفَصْلِ مَسَائِلُ ( إحْدَاهَا ) إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ وَهُوَ مُجَامِعٌ فَاسْتَدَامَ مَعَ الْعِلْمِ بِالْفَجْرِ بَطَلَ صَوْمُهُ بِلَا خِلَافٍ ، كَمَا سَبَقَ فِي مَوْضِعِهِ ، وَفِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ طَرِيقَانِ ( الصَّحِيحُ ) الْمَنْصُوصُ وُجُوبُهَا ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ ، وَحَكَى جَمَاعَاتٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ فِي وُجُوبِهَا قَوْلَيْنِ ( الْمَنْصُوصُ ) وُجُوبُهَا لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ( وَالثَّانِي ) لَا تَجِبُ ، وَهُوَ مُخَرَّجٌ مِمَّا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ; لِأَنَّهُ لَمْ يُفْسِدْ بِهَذَا الْجِمَاعِ صَوْمًا ; لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ . قَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ : وَإِنَّمَا وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ هُنَا عَلَى الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّهُ مَنَعَ انْعِقَادَ الصَّوْمِ لَا لِإِفْسَادِهِ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ ، قَالَ : وَمَنْ قَالَ انْعَقَدَ صَوْمُهُ ثُمَّ فَسَدَ فَهَذَا غَيْرُ مَعْرُوفٍ مَذْهَبًا لِلشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ . قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ : نَصَّ الشَّافِعِيُّ هُنَا عَلَى وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ بِالِاسْتِدَامَةِ ، وَنَصَّ فِيمَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ : إنْ وَطِئْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا ، فَوَطِئَهَا وَاسْتَدَامَ ، أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ مَهْرٌ بِالِاسْتِدَامَةِ ، قَالُوا : وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِمَا فَمِنْهُمْ مَنْ نَقَلَ وَخَرَّجَ فَجَعَلَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ قَوْلَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) تَجِبُ الْكَفَّارَةُ وَالْمَهْرُ كَمَا لَوْ نَزَعَ ثُمَّ أَوْلَجَ ( وَالثَّانِي ) لَا يَجِبُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا ; لِأَنَّ أَوَّلَ الْفِعْلِ كَانَ مُبَاحًا . وَقَالَ الْجُمْهُورُ وَهُوَ الصَّحِيحُ : الْمَسْأَلَتَانِ عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ ، فَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ دُونَ الْمَهْرِ ، وَالْفَرْقُ أَنَّ ابْتِدَاءَ الْفِعْلِ هُنَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ كَفَّارَةٌ ، فَوَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ بِاسْتِدَامَتِهِ لِئَلَّا يَخْلُوَ جِمَاعٌ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ عَمْدًا عَنْ كَفَّارَةٍ . وَأَمَّا الْمَهْرُ فَلَا يَجِبُ ; لِأَنَّ أَوَّلَ الْوَطْءِ تَعَلَّقَ بِهِ الْمَهْرُ ; لِأَنَّ مَهْرَ النِّكَاحِ يُقَابِلُ جَمِيعَ الْوَطَآتِ فَلَمْ يَجِبْ بِاسْتِدَامَتِهِ مَهْرٌ آخَرُ ، لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى إيجَابِ مَهْرَيْنِ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ بِوَطْأَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ ، وَقَوْلُنَا : لِشَخْصٍ وَاحِدٍ ، احْتِرَازٌ مِمَّنْ وَطِئَ زَوْجَةَ أَبِيهِ أَوْ ابْنَهُ بِشُبْهَةٍ ، فَإِنَّهُ يَنْفَسِخُ نِكَاحُ زَوْجِهَا وَيَلْزَمُ الْوَاطِئَ مَهْرَانِ بِالْوَطْأَةِ الْوَاحِدَةِ : مَهْرٌ لِلزَّوْجَةِ ; لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى مَنْفَعَةَ بُضْعِهَا بِشُبْهَةٍ ، وَمَهْرٌ لِلزَّوْجِ ; لِأَنَّهُ أَفْسَدَ عَلَيْهِ نِكَاحَهُ .

                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                      الخدمات العلمية