الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                      جزء صفحة
                                      المهذب قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ( وَيَجِبُ دَمُ التَّمَتُّعِ بِالْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ } وَلِأَنَّ شَرَائِطَ الدَّمِ إنَّمَا تُوجَدُ بِوُجُودِ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَعَلَّقَ الْوُجُوبُ بِهِ ، وَفِي وَقْتِ جَوَازِهِ قَوْلَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) لَا يَجُوزُ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ ، لِأَنَّ الذَّبْحَ قُرْبَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْبَدَنِ فَلَا يَجُوزُ قَبْلَ وُجُوبِهَا كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ ، ( وَالثَّانِي ) يَجُوزُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعُمْرَةِ ، لِأَنَّهُ حَقُّ مَالٍ يَجِبُ بِسَبَبَيْنِ ، فَجَازَ تَقْدِيمُهُ إلَى أَحَدِهِمَا كَالزَّكَاةِ بَعْدَ مِلْكِ النِّصَابِ ) . المجموع ( الشَّرْحُ ) قَوْلُهُ : يَتَعَلَّقُ بِالْبَدَنِ احْتِرَازٌ مِنْ الزَّكَاةِ ، ( وَقَوْلُهُ ) حَقُّ مَالٍ احْتِرَازٌ مِنْ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ ، ( وَقَوْلُهُ ) يَجِبُ بِسَبَبَيْنِ احْتِرَازٌ مِنْ مَالٍ يَجِبُ بِسَبَبٍ وَاحِدٍ كَكَفَّارَةِ الْجِمَاعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ وَغَيْرِهَا مِمَّا قَدَّمْنَا بَيَانَهُ فِي آخِرِ بَابِ تَعْجِيلِ الزَّكَاةِ . أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَقَدْ سَبَقَ أَنَّ دَمَ التَّمَتُّعِ وَاجِبٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ ، وَوَقْتَ وُجُوبِهِ عِنْدَنَا الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ بِلَا خِلَافٍ ، ( وَأَمَّا ) وَقْتُ جَوَازِهِ فَقَالَ أَصْحَابُنَا : لَا يَجُوزُ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْعُمْرَةِ بِلَا خِلَافٍ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ لَهُ سَبَبٌ ، وَيَجُوزُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِلَا خِلَافٍ وَلَا يَتَوَقَّفُ بِوَقْتٍ كَسَائِرِ دِمَاءِ الْجُبْرَانِ ; لِأَنَّ الْأَفْضَلَ ذَبْحُهُ يَوْمَ النَّحْرِ ، وَهَلْ تَجُوزُ إرَاقَتُهُ بَعْدَ التَّحَلُّلِ مِنْ الْعُمْرَةِ وَقَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ ، وَحَكَاهُمَا جَمَاعَةٌ وَجْهَيْنِ ، وَالْمَشْهُورُ قَوْلَانِ ، وَذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا : ( أَصَحُّهُمَا ) الْجَوَازُ ، فَعَلَى هَذَا هَلْ يَجُوزُ قَبْلَ التَّحَلُّلِ مِنْ الْعُمْرَةِ ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) لَا يَجُوزُ قَطْعًا ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَكَثِيرِينَ ، وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ عَنْ أَصْحَابِنَا الْعِرَاقِيِّينَ ، وَنَقَلَ الْمَاوَرْدِيُّ اتِّفَاقَ الْأَصْحَابِ عَلَيْهِ ، ( وَالثَّانِي ) فِيهِ وَجْهَانِ : ( أَصَحُّهُمَا ) لَا يَجُوزُ ، ( وَالثَّانِي ) يَجُوزُ لِوُجُودِ بَعْضِ السَّبَبِ ، حَكَاهُ أَصْحَابُنَا الْخُرَاسَانِيُّونَ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ ، فَالْحَاصِلُ فِي وَقْتِ جَوَازِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ ، ( وَأَصَحُّهَا ) بَعْدَ فَرَاغِهَا ، ( وَالثَّالِثُ ) بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ . ( فَرْعٌ ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي وَقْتِ وُجُوبِ دَمِ التَّمَتُّعِ . ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا وُجُوبُهُ بِالْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَدَاوُد ، وَقَالَ عَطَاءٌ : لَا يَجِبُ حَتَّى يَقِفَ بِعَرَفَاتٍ وَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَجِبُ حَتَّى يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ ، ( وَأَمَّا ) جَوَازُهُ فَذَكَرْنَا أَنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَنَا بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ بِلَا خِلَافٍ ، وَفِيمَا قَبْلَهُ خِلَافٌ . وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجُوزُ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ ، وَاسْتَدَلَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِهِ - تَعَالَى - : { فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ } وَمَعْنَاهُ فَعَلَيْهِ مَا اسْتَيْسَرَ ، وَبِمُجَرَّدِ الْإِحْرَامِ يُسَمَّى مُتَمَتِّعًا فَوَجَبَ الدَّمُ حِينَئِذٍ ، وَلِأَنَّ مَا جُعِلَ غَايَةً تَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِأَوَّلِهِ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى - : { ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ } وَلِأَنَّ شُرُوطَ التَّمَتُّعِ وَجَدَتْ مُوجِبَ الدَّمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الْعُلَمَاءُ : قَوْله تَعَالَى : { فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ } أَيْ بِسَبَبِ الْعُمْرَةِ ; لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَمَتَّعُ بِمَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ، بِسَبَبِ الْعُمْرَةِ ، قَالُوا : وَالتَّمَتُّعُ هُنَا التَّلَذُّذُ وَالِانْتِفَاعُ ، يُقَالُ : تَمَتَّعَ بِهِ أَيْ أَصَابَ مِنْهُ وَتَلَذَّذَ بِهِ ، وَالْمَتَاعُ كُلُّ شَيْءٍ يُنْتَفَعُ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَاحْتَجَّ بِهِ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ فِي أَنَّ دَمَ التَّمَتُّعِ لَا يَجُوزُ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْأُضْحِيَّةِ . وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا عَلَيْهِمَا بِالْآيَةِ الْكَرِيمَةِ ، وَلِأَنَّهُمَا وَافَقَا عَلَى جَوَازِ صَوْمِ التَّمَتُّعِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ ، أَعْنِي صَوْمَ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ ، فَالْهَدْيُ أَوْلَى ، وَلِأَنَّهُ دَمُ جُبْرَانٍ فَجَازَ بَعْدَ وُجُوبِهِ وَقَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ ، كَدَمِ فِدْيَةِ الطِّيبِ وَاللِّبَاسِ وَغَيْرِهِمَا ، وَيُخَالِفُ الْأُضْحِيَّةَ لِأَنَّهُ مَنْصُوصٌ عَلَى وَقْتِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                      الخدمات العلمية