الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                      جزء صفحة
                                      المهذب بَابُ الْعَقِيقَةِ قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى الْعَقِيقَةُ سُنَّةٌ وَهُوَ مَا يُذْبَحُ عَنْ الْمَوْلُودِ . لِمَا رَوَى بُرَيْدَةُ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَقَّ عَنْ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ } وَلَا يَجِبُ ذَلِكَ . لِمَا رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { سُئِلَ عَنْ الْعَقِيقَةِ فَقَالَ : لَا أُحِبُّ الْعُقُوقَ ، وَمَنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَنْسُكَ لَهُ فَلْيَفْعَلْ } فَعَلَّقَ عَلَى الْمَحَبَّةِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَجِبُ . وَلِأَنَّهُ إرَاقَةُ دَمٍ مِنْ غَيْرِ جِنَايَةٍ وَلَا نَذْرٍ . فَلَمْ يَجِبْ كَالْأُضْحِيَّةِ . وَالسُّنَّةُ أَنْ يَذْبَحَ عَنْ الْغُلَامِ شَاتَيْنِ ، وَعَنْ الْجَارِيَةِ شَاةً لِمَا رَوَتْ أُمُّ كُرْزٍ قَالَتْ : { سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْعَقِيقَةِ ، فَقَالَ : لِلْغُلَامِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ وَعَنْ الْجَارِيَةِ شَاةٌ } وَلِأَنَّهُ إنَّمَا شُرِعَ لِلسُّرُورِ بِالْمَوْلُودِ ، وَالسُّرُورُ بِالْغُلَامِ أَكْثَرُ ، فَكَانَ الذَّبْحُ عَنْهُ أَكْثَرُ . وَإِنْ ذَبَحَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاةً جَازَ ، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ { عَقَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ كَبْشًا كَبْشًا } وَلَا يُجْزِئُ فِيهِ مَا دُونَ الْجَذَعَةِ مِنْ الضَّأْنِ وَدُونَ الثَّنِيَّةِ مِنْ الْمَعْزِ ، وَلَا يُجْزِئُ فِيهِ إلَّا السَّلِيمُ مِنْ الْعُيُوبِ ; لِأَنَّهُ إرَاقَةُ دَمٍ بِالشَّرْعِ فَاعْتُبِرَ فِيهِ مَا ذَكَرْنَاهُ كَالْأُضْحِيَّةِ . وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُسَمِّيَ اللَّهَ تَعَالَى وَيَقُولَ : اللَّهُمَّ لَك وَإِلَيْك عَقِيقَةُ فُلَانٍ ، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { عَقَّ عَنْ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ وَقَالَ : قُولُوا بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ لَك وَإِلَيْك عَقِيقَةُ فُلَانٍ } وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَفْصِلَ أَعْضَاءَهَا وَلَا يَكْسِرَ عَظْمَهَا ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ " السُّنَّةُ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ عَنْ الْغُلَامِ وَعَنْ الْجَارِيَةِ شَاةٌ تُطْبَخُ جُدُولًا وَلَا يُكْسَرُ عَظْمٌ " وَيَأْكُلُ وَيُطْعِمُ وَيَتَصَدَّقُ ، وَذَلِكَ يَوْمُ السَّابِعِ ، وَلِأَنَّهُ أَوَّلُ ذَبِيحَةٍ فَاسْتُحِبَّ أَنْ لَا يُكْسَرَ عَظْمٌ ، تَفَاؤُلًا بِسَلَامَةِ أَعْضَائِهِ . وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُطْبَخَ مِنْ لَحْمِهَا طَبِيخًا حُلْوًا تَفَاؤُلًا بِحَلَاوَةِ أَخْلَاقِهِ . وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا وَيُهْدِيَ وَيَتَصَدَّقَ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ ، وَلِأَنَّهُ إرَاقَةُ دَمٍ مُسْتَحَبٍّ فَكَانَ حُكْمُهَا مَا ذَكَرْنَاهُ كَالْأُضْحِيَّةِ . وَالسُّنَّةُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ ، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ { عَقَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ يَوْمَ السَّابِعِ وَسَمَّاهُمَا وَأَمَرَ أَنْ يُمَاطَ عَنْ رُءُوسِهِمَا الْأَذَى } فَإِنْ قَدَّمَهُ عَلَى الْيَوْمِ السَّابِعِ أَوْ أَخَّرَهُ أَجْزَأَهُ ; لِأَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ بَعْدَ وُجُودِ السَّبَبِ . وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَحْلِقَ شَعْرَهُ بَعْدَ الذَّبْحِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَتْرُكَ عَلَى بَعْضِ رَأْسِهِ الشَّعْرَ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْقَزَعِ فِي الرَّأْسِ } ، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُلَطَّخَ رَأْسُهُ بِالزَّعْفَرَانِ ، وَيُكْرَهُ أَنْ يُلَطَّخَ بِدَمِ الْعَقِيقَةِ ، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ { كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَجْعَلُونَ قُطْنَةً فِي دَمِ الْعَقِيقَةِ وَيَجْعَلُونَهَا عَلَى رَأْسِ الْمَوْلُودِ فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَجْعَلُوا مَكَانَ الدَّمِ خَلُوقًا } . . ( التَّاسِعَةُ ) قَالَ أَصْحَابُنَا : إنَّمَا يَعُقُّ عَنْ الْمَوْلُودِ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ مِنْ مَالِ الْعَاقِّ لَا مِنْ مَالِ الْمَوْلُودِ ، قَالَ الدَّارِمِيُّ وَالْأَصْحَابُ : فَإِنْ عَقَّ مِنْ مَالِ الْمَوْلُودِ ضَمِنَ الْعَاقُّ قَالَ أَصْحَابُنَا : فَإِنْ كَانَ الْمُنْفِقُ عَاجِزًا عَنْ الْعَقِيقَةِ فَأَيْسَرَ فِي الْأَيَّامِ السَّبْعَةِ اُسْتُحِبَّ لَهُ الْعَقُّ وَإِنْ أَيْسَرَ بَعْدَهَا وَبَعْدَ مُدَّةِ النِّفَاسِ سَقَطَ عَنْهُ ، وَإِنْ أَيْسَرَ فِي عِدَّةِ النِّفَاسِ فَوَجْهَانِ حَكَاهُمَا الرَّافِعِيُّ لِبَقَاءِ أَثَرِ الْوِلَادَةِ قَالَ أَصْحَابُنَا : وَأَمَّا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ فِي عَقِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ فَقَدْ يُقَالُ إنَّهُ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ أَصْحَابِنَا إنَّ الْعَقِيقَةَ فِي مَالِ مَنْ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ لَا فِي مَالِ الْمَوْلُودِ ، قَالَ الْأَصْحَابُ : وَهُوَ مُتَأَوَّلٌ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَبَاهُمَا بِذَلِكَ أَوْ أَعْطَاهُ مَا عَقَّ بِهِ ، أَوْ أَنَّ أَبَوَيْهِمَا كَانَا عِنْدَ ذَلِكَ مُعْسِرَيْنِ فَيَكُونَانِ فِي نَفَقَةِ جَدِّهِمَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْعَاشِرَةُ ) قَالَ أَصْحَابُنَا : حُكْمُ الْعَقِيقَةِ فِي التَّصَدُّقِ مِنْهَا وَالْأَكْلُ وَالْهَدِيَّةُ وَالِادِّخَارُ وَقَدْرُ الْمَأْكُولِ وَامْتِنَاعُ الْبَيْعِ وَتَعَيُّنِ الشَّاةِ إذَا عُيِّنَتْ لِلْعَقِيقَةِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْأُضْحِيَّةِ سَوَاءٌ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا . وَحَكَى الرَّافِعِيُّ وَجْهًا أَنَّهُ إذَا جَوَّزْنَا الْعَقِيقَةَ بِمَا دُونَ الْجَذَعَةِ لَمْ يَجِبْ التَّصَدُّقُ ، وَجَازَ تَخْصِيصُ الْأَغْنِيَاءِ بِهَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . .

                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                      الخدمات العلمية