الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                      جزء صفحة
                                      المهذب بَابُ بَيْعِ الْمُصَرَّاةِ وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : إذَا اشْتَرَى نَاقَةً أَوْ شَاةً أَوْ بَقَرَةً مُصَرَّاةً وَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّهَا مُصَرَّاةٌ ، ثُمَّ عَلِمَ : أَنَّهَا مُصَرَّاةٌ ، فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَمْسِكَ وَبَيْنَ أَنْ يَرُدَّ ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا تُصِرُّوا الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ لِلْبَيْعِ ، فَمَنْ ابْتَاعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلِبَهَا ثَلَاثًا ، إنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا ، وَإِنْ سَخَطَهَا رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ } وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ ابْتَاعَ مُحَفَّلَةً فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، فَإِنْ رَدَّهَا رَدَّ مَعَهَا مِثْلَ أَوْ مِثْلَيْ لَبَنِهَا قَمْحًا . } المجموع ( الشَّرْحُ ) حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، رَوَاهُ الْأَئِمَّةُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ وَالشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَالْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَلْفَاظِهِمْ وَلَا فِي غَيْرِهَا مِمَّا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ اللَّفْظُ الَّذِي أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ هَكَذَا . وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ جَمَاعَةٌ ، مِنْهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ الْمَشْهُورُ بِصِحَّتِهِ ، وَلَفْظُهُ { لَا تُصِرُّوا الْإِبِلِ وَالْغَنَمَ ، فَمَنْ ابْتَاعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ ، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا إنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا ، وَإِنْ سَخَطهَا رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد ، وَلَيْسَ فِيهِ : " بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا ثَلَاثًا " . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَفِيهَا زِيَادَةٌ : { لَا تُصِرُّوا الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ لِلْبَيْعِ } ، كَذَلِكَ رَوَاهُ الْمُزَنِيّ عَنْهُ ، وَقِيلَ : إنَّ الْمُزَنِيَّ انْفَرَدَ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ عَنْ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ، وَأَمَّا الرَّبِيعُ فَإِنَّهُ رَوَى عَنْهُ كَمَا رَوَى الْجَمَاعَةُ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ . وَمِنْ الرُّوَاةِ لَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ ، وَلَفْظُهُ : { مَنْ اشْتَرَى شَاةً مُصَرَّاةً ، فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، فَإِنْ رَدَّهَا رَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ التَّمْرِ لَا سَمْرَاءَ } وَفِي رِوَايَةٍ مِنْ طَرِيقِهِ : " { مَنْ اشْتَرَى مُصَرَّاةً ، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ إنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ لَا سَمْرَاءَ } رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد . وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنُ مَاجَهْ بَعْضَ ذَلِكَ ، وَرَوَى أَبُو صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَفْظُهُ : { مَنْ ابْتَاعَ شَاةً مُصَرَّاةً فَهُوَ فِيهَا بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَرَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، قَالَ الْبُخَارِيُّ : قَالَ بَعْضُهُمْ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ : { صَاعًا مِنْ طَعَامٍ . وَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا } ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ : صَاعًا مِنْ تَمْرٍ . وَلَمْ يَذْكُرْ ثَلَاثًا وَالتَّمْرُ أَكْثَرُ . ا هـ كَلَامُ الْبُخَارِيِّ ، وَرَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُوسَى بْنُ يَسَارٍ وَلَفْظُهُ : { مَنْ اشْتَرَى شَاةً مُصَرَّاةً فَلْيَنْقَلِبْ بِهَا فَلْيَحْلُبْهَا ، فَإِنْ رَضِيَ حِلَابَهَا أَمْسَكَهَا وَإِلَّا رَدَّهَا ، وَرَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ } ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَرَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَبُو صَالِحٍ وَلَفْظُهُ : { مَنْ ابْتَاعَ شَاةً مُصَرَّاةً فَهُوَ فِيهَا بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، إنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَرَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ } ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ . وَفِي لَفْظٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ سِيرِينَ { : مَنْ اشْتَرَى مِنْ الْغَنَمِ فَهُوَ بِالْخِيَارِ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَرَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهٍ وَلَفْظُهُ : { إذَا مَا أَحَدُكُمْ اشْتَرَى نَعْجَةً مُصَرَّاةً أَوْ شَاةً مُصَرَّاةً ، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا ، إمَّا هِيَ وَإِلَّا فَلْيَرُدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ . قَالَ بَعْضُهُمْ : وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى الرَّدِّ بِغَيْرِ أَرْشٍ . وَرَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ثَابِتٌ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ ، وَلَفْظُهُ : { مَنْ اشْتَرَى غَنَمًا مُصَرَّاةً فَاحْتَلَبَهَا ، فَإِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا وَإِنْ سَخِطَهَا فَفِي حَلْبَتِهَا صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ } ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ صَاعَ التَّمْرِ فِي مُقَابَلَةِ اللَّبَنِ وَأَنَّهُ أَخَذَ قِسْطًا مِنْ الثَّمَنِ . وَرَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ الشَّعْبِيُّ ، وَلَفْظُهُ { مَنْ اشْتَرَى مِنْكُمْ مُحَفَّلَةً فَكَرِهَهَا فَلْيَرُدَّهَا وَلْيَرُدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ طَعَامٍ } ، رَوَاهُ ابْنُ الْجَارُودِ ، وَفِي لَفْظٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ سِيرِينَ { : مَنْ اشْتَرَى نَعْجَةً مُصَرَّاةً أَوْ شَاةً مُصَرَّاةً فَحَلَبَهَا ، فَهُوَ بِأَحَدِ النَّظَرَيْنِ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ رَدَّهَا وَإِنَاءً مِنْ طَعَامٍ } ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ ، وَكُلُّ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ مَرْفُوعَةٌ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهَذِهِ رِوَايَاتُ أَبِي هُرَيْرَةَ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا اللَّفْظُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بِتَمَامِهِ ، بَلْ طَرِيقُ الْأَعْرَجِ جَمَعَتْ بَيْنَ النَّهْيِ عَنْ التَّصْرِيَةِ وَبَيَانِ حُكْمِهَا مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الثَّلَاثِ ، وَطَرِيقُ ابْنِ سِيرِينَ وَأَبِي صَالِحٍ فِيهَا ذِكْرُ الثَّلَاثِ ، وَهِيَ مُقْتَصِرَةٌ عَلَى بَيَانِ الْحُكْمِ وَالظَّاهِرُ : أَنَّهُمَا حَدِيثَانِ وَلَيْسَا حَدِيثًا وَاحِدًا حَتَّى يُمْكِنَ أَنْ تُضَافَ هَذِهِ الزِّيَادَةُ إلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى ، بَلْ وَالْمَعْنَى أَيْضًا مُخْتَلِفٌ ; لِأَنَّ رِوَايَةَ ابْنِ سِيرِينَ وَأَبِي صَالِحٍ اللَّتَيْنِ فِيهِمَا ذِكْرُ الثَّلَاثِ ( فَالْأَوَّلُ ) : يَقْتَضِي إثْبَاتَ الْخِيَارِ ثَلَاثًا مِنْ غَيْرِ بَيَانِ ابْتِدَائِهِ ( وَالثَّانِي ) : يَقْتَضِي إثْبَاتَ الْخِيَارِ مِنْ غَيْرِ بَيَانِ مُدَّتِهِ ، فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا كَمَا فِي الْكِتَابِ يَقْتَضِي التَّصْرِيحَ بِحُكْمٍ لَمْ يُصَرَّحْ بِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ ، وَهُوَ : أَنْ يَكُونَ الْخِيَارُ بَعْدَ الْحَلْبِ ثَلَاثًا . فَالثَّلَاثُ : إمَّا رَاجِعَةٌ لِلْخِيَارِ فَيَقْتَضِي أَنَّهُ بَعْدَ حَلْبِهَا ثَلَاثًا يَثْبُتُ الْخِيَارُ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَمْرَيْنِ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الرِّوَايَاتِ صَرِيحًا ، وَأَمَّا الثَّانِي : فَلَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ أَصْلًا لَا صَرِيحًا وَلَا ظَاهِرًا ، وَمِمَّنْ ذَكَرَ الْحَدِيثَ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ سَوَاءً ، الْعَبْدَرِيُّ فِي الْكِفَايَةِ وَالرَّافِعِيُّ فِي التَّهْذِيبِ وَقَالَا : رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَيَنْبَغِي : أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُمَا أَصْلَ الْحَدِيثِ ، لَا ذَلِكَ اللَّفْظَ ، وَمِمَّنْ ذَكَرَهُ كَذَلِكَ أَيْضًا الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ ، وَذَكَرَ أَنَّهُ حَدِيثُ مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ ، وَالْمُصَنِّفُ تَبِعَ الشَّيْخَ أَبَا حَامِدٍ فِي ذَلِكَ ، وَالْمَوْجُودُ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ لَيْسَ فِيهِ هَذِهِ اللَّفْظَةُ ، وَلَمْ يَذْكُرْهَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ أَيْضًا ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ عَلَى الصَّوَابِ ، وَذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي تَعْلِيقِهِ بِلَفْظٍ قَرِيبٍ مِمَّا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِيهِ الْخِيَارُ ثَلَاثًا ، وَلَيْسَ فِيهِ : بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا ، وَهُوَ مُصَدَّرٌ بِالنَّهْيِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ، وَهُوَ فِي الْغَرَابَةِ كَاللَّفْظِ الَّذِي أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ ، وَذَكَرَهُ أَيْضًا جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ مِنْهُمْ الْغَزَالِيُّ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ . وَأَصْلُ الْحَدِيثِ ثَابِتٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بِالْأَلْفَاظِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَلَى مَا تَبَيَّنَ ، أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ عَلَى صِحَّتِهِ وَثُبُوتِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَوَاهُ عَنْهُ الْأَعْرَجُ وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ وَأَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ وَهَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهٍ وَثَابِتٌ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ رِوَايَتُهُمْ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ وَرِوَايَاتُهُ فِي جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ بِقَرِيبٍ مِنْ الْأَلْفَاظِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَمُوسَى بْنُ يَسَارٍ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ وَمُجَاهِدٌ وَأَبُو إِسْحَاقَ وَيَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أُذَيْنَةَ وَغَيْرُهُمْ ، وَرَوَاهُ عَنْ هَؤُلَاءِ وَعَمَّنْ بَعْدَهُمْ خَلَائِقُ لَا يُحْصَوْنَ ، حَتَّى ادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّهُ صَارَ إلَى التَّوَاتُرِ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : حَدِيثُ الْمُصَرَّاةِ ثَابِتٌ صَحِيحٌ لَا يَدْفَعُهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ . وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ بِاللَّفْظِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَلَيْسَ إسْنَادُهُ بِذَاكَ ، قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْأَمْرُ كَمَا قَالَ : فَإِنَّ جُمَيْعَ بْنَ عُمَيْرٍ ، قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ : مِنْ أَكْذِبْ النَّاسِ ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ : كَانَ رَافِضِيًّا يَضَعُ الْحَدِيثَ ، ( قُلْتُ ) : وَجُمَيْعُ هُوَ الَّذِي رَوَاهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَهَذَا الْكَلَامُ عَنْ ابْنِ نُمَيْرٍ وَابْنِ حِبَّانَ مِنْ أَشَدِّ مَا قِيلَ فِيهِ ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : سَأَلْتُ أَبِي عَنْهُ فَقَالَ : مِنْ عِتْقِ الشِّيعَةِ وَمَحَلُّهُ : الصِّدْقُ صَادِقُ الْحَدِيثِ كُوفِيٌّ تَابِعِيٌّ . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ الْكَبِيرِ : فِيهِ نَظَرٌ ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ لَمَّا ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ : هَذِهِ الرِّوَايَةُ غَيْرُ قَوِيَّةٍ ، وَقَالَ فِي كِتَابِ السُّنَنِ الْكَبِيرِ : تَفَرَّدَ بِهِ جُمَيْعُ بْنُ عُمَيْرٍ ، وَذَكَرَ عَبْدُ الْحَقِّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الْأَحْكَامِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِحَالِ جُمَيْعِ بْنِ عُمَيْرٍ هَذَا ، وَإِنَّمَا بِصَدَقَةَ بْنِ سَعِيدٍ الرَّاوِي عَنْ جُمَيْعٍ ، فَإِنَّهُ أَيْضًا لَيْسَ بِالْقَوِيِّ ، فَهَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْحَدِيثَيْنِ اللَّذَيْنِ فِي الْكِتَابِ . وَقَدْ رُوِيَ حَدِيثُ الْمُصَرَّاةِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا بِمَا يُوَافِقُ رِوَايَةَ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ مِنْ حَدِيثِ لَيْثٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَا الْحَدِيثَ : { لَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ ، وَلَا تَلَقَّوْا السِّلَعَ بِأَفْوَاهِ الطُّرُقِ ، وَلَا تَنَاجَشُوا ، وَلَا يَسُمْ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ ، وَلَا يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ ، حَتَّى يَنْكِحَ أَوْ يَرُدَّ ، وَلَا تَسَلْ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْتَفِئَ مَا فِي صَحْفَتِهَا ، فَإِنَّمَا لَهَا مَا كُتِبَ لَهَا ، وَلَا تَبِيعُوا الْمُصَرَّاةَ مِنْ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ ، فَمَنْ اشْتَرَاهَا فَهُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ ، وَالرَّهْنُ مَرْكُوبٌ وَمَحْلُوبٌ } . وَلَيْثٌ الْمَذْكُورُ فِي سَنَدِهِ هُوَ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ ، وَلَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ . وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ مِنْ حَدِيثِ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ، وَهُوَ عَمْرُو بْنُ عَوْفٍ الْمُزَنِيّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا جَلَبَ وَلَا جَنَبَ وَلَا إعْرَاضَ ، وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ ، وَلَا تُصَرُّوا الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ ، فَمَنْ ابْتَاعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ إذَا حَلَبَهَا بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ إنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا وَإِنْ سَخَطَهَا رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ } وَكَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ هَذَا ضَعِيفٌ جِدًّا ، قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِيهِ : رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ : لَهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ نُسْخَةٌ مَوْضُوعَةٌ . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ عَقِبَ هَذَا الْحَدِيثِ : تَابَعَهُ عَاصِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فِي الْمُصَرَّاةِ ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي السُّنَنِ الْكَبِيرِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى التَّابِعِيِّ الْكَبِيرِ الثِّقَةِ الْمَشْهُورِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ النَّبِيِّ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ نَهَى عَنْ أَنْ تُتَلَقَّى الْأَجْلَابُ ، وَأَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ ، وَمَنْ اشْتَرَى مُصَرَّاةً فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ ، فَإِنْ حَلَبَهَا وَرَضِيَهَا أَمْسَكَهَا ، وَإِنْ رَدَّهَا رَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ طَعَامٍ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ } . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا شَكًّا مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ فَقَالَ : صَاعًا مِنْ هَذَا أَوْ مِنْ ذَاكَ ، لَا أَنَّهُ عَلَى وَجْهِ التَّخْيِيرِ لِيَكُونَ مُوَافِقًا لِلْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ فِي هَذَا الْبَابِ . وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ إسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ اشْتَرَى شَاةً مُحَفَّلَةً ، فَإِنَّ لِصَاحِبِهَا أَنْ يَحْتَلِبَهَا ، فَإِنْ رَضِيَهَا فَلْيُمْسِكْهَا ، وَإِلَّا فَلْيَرُدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ } إسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ مَتْرُوكٌ . وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي كِتَابِهِ الصَّحِيحِ الْمُسْتَخْرَجِ عَلَى صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، وَهُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ اشْتَرَى شَاةً مُحَفَّلَةً فَرَدَّهَا فَلْيَرُدَّ مَعَهَا صَاعًا } رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي خَلَفٍ الْعَمِّيِّ ، لَكِنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي وَقْفِهِ وَرَفْعِهِ ، فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ مَوْقُوفًا مِنْ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ فِي أَحْكَامِ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ رَوَاهُ عَنْ هِشَامٍ . هَكَذَا رَأَيْتُهُ فِي الْأُمِّ ، وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِيمَا بَلَغَهُ عَنْ هِشَامٍ : وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ : إنَّ أَبَا خَالِدٍ رَفَعَهُ وَإِنَّ ابْنَ مُبَارَكٍ وَيَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ وَابْنَ أَبِي عَدِيٍّ وَيَزِيدَ بْنَ زُرَيْعٍ وَهِشَامًا وَجَرِيرًا وَغَيْرَهُمْ رَوَاهُ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَرَوَاهُ الْبَرْقَانِيُّ مَوْقُوفًا عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ . وَزَادَ { مِنْ تَمْرِ مَالِهِ } ، وَالْإِسْنَادُ وَالْحُكْمُ عَلَى طَرِيقَةِ الْمُحَدِّثِينَ شَرْطٌ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ لِلْوَقْفِ وَتَقْدِيمِهِ عَلَى رِوَايَةِ الرَّفْعِ . أَمَّا عَلَى طَرِيقَةِ الْفُقَهَاءِ : فَيَنْبَغِي الْحُكْمُ لِلرَّفْعِ ، وَأَنَّ أَبَا خَالِدٍ وَهُوَ سُلَيْمَانُ بْنُ حِبَّانَ الْأَحْمَرُ ; لِأَنَّهُ احْتَجَّ بِهِ الشَّيْخَانِ ، وَمَنْ رَفَعَ مَعَهُ زِيَادَةً عَلَى مَنْ وَقَفَ ، وَالْمُخَالِفُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَحْكُمُ بِصِحَّةِ مِثْلِ ذَلِكَ . فَقَدْ تَلَخَّصَتْ رِوَايَاتُ حَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَعَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْمُزَنِيِّ جَدِّ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، ( وَأَصَحُّهَا ) : رِوَايَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَرِوَايَةُ رَجُلٍ مِنْ الصَّحَابَةِ سَنَدُهَا جَيِّدٌ ، وَرِوَايَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ عَلَى طَرِيقَةِ الْمُحَدِّثِينَ ضَعِيفَةٌ فِي رَفْعِهَا ، وَيَجِبُ عَلَى طَرِيقَةِ كَثِيرٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ التَّمَسُّكُ بِهَا وَتَرْجِيحُ الْحُكْمِ بِالْمَرْفُوعِ ، وَلَا أَرَى التَّمَسُّكَ بِمِثْلِ هَذَا الْمُصَنَّفِ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ مَعَ قُوَّةِ الظَّنِّ بِالْوَقْفِ لِرُجْحَانِ رُوَاتِهِ كَثْرَةً وَجَلَالَةً . نَعَمْ ذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ : أَنَّ الشَّافِعِيَّ رَوَاهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ التَّيْمِيِّ ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ ، فَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ وَكَانَ الرَّفْعُ فِيهِ مُحَقَّقًا تَعَيَّنَ الْحُكْمُ بِصِحَّتِهِ ، وَقَدْ ذَكَرَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ مِمَّنْ رَوَاهُ مَوْقُوفًا ، فَإِنْ صَحَّ مَا ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فَيَكُون عَنْهُ رِوَايَتَانِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( أَمَّا اللُّغَةُ ) فَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا تُصَرُّوا " فَهُوَ بِضَمِّ التَّاء الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقَ وَفَتْحِ الصَّادِ ، وَبَعْدَ الرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ وَاوٌ ، وَفَتْحُ لَامِ الْإِبِلِ عَلَى مِثَالِ تَرَكُوا ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : كَذَا صَحِيحُ الرِّوَايَةِ مِنْ صَرَّى إذَا جُمِعَ مُثَقَّلٌ وَمُخَفَّفٌ ، وَهُوَ تَفْسِيرُ مَالِكٍ لَهُ ، وَالْكَافَّةُ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالْفِقْهِ وَبَعْضِ الرُّوَاةِ تَحْذِفُ وَاوَ الْجَمْعِ وَتَضُمُّ لَامَ الْإِبِلِ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ ،وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ : يَصُرُّوا بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الصَّادِ وَإِثْبَاتِ وَاوِ الْجَمْعِ وَنَصْبِ لَامِ الْإِبِلِ وَخَطَّأَ الْقَاضِي هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ ، وَقَالَ : إنَّهُمَا لَا يَصِحَّانِ إلَّا عَلَى تَفْسِيرِ مَنْ فَسَّرَ بِالرَّبْطِ وَالشَّدِّ مِنْ صَرَّ يَصِرُّ . وَقَالَ فِيهِ : الْمَصْرُورَةُ ، وَهُوَ تَفْسِيرُ الشَّافِعِيِّ لِهَذِهِ اللَّفْظَةِ ، كَأَنَّهُ يَحْبِسُهُ بِرَبْطِ أَخْلَافِهَا وَشَدِّهَا لِذَلِكَ ، وَخَطَّأَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْوَجْهَ الْأَخِيرَ وَجَعَلَهُ وَهْمًا ، مُحْتَجًّا بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَتْ مَصْرُورَةً . قَالَ : وَهَذَا لَا يَجُوزُ عِنْدَهُمْ . وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْوَجْهَ الثَّانِيَ ، وَهُوَ مِثْلُ الْوَجْهِ الْأَخِيرِ ، وَقَيَّدَهُ الْفَارِقِيُّ تِلْمِيذُ الْمُصَنِّفِ بِالْوَجْهِ الثَّانِي وَابْنُ مَعْنٍ شَارِحُ الْمُهَذَّبِ بِالْوَجْهِ الثَّالِثِ ، وَكِلَاهُمَا خَطَأٌ ، وَالْفَارِقِيُّ أَقَلُّ عُذْرًا ; لِأَنَّ الْوَاوَ ثَابِتَةٌ فِي جَمِيعِ مَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ وَنُسَخِ الْمُهَذَّبِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ وَاللُّغَةِ فِي الْمُصَرَّاةِ وَمِنْ أَيْنَ أُخِذَتْ وَاشْتُقَّتْ ؟ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : التَّصْرِيَةُ : أَنْ تُرْبَطَ أَخْلَافُ النَّاقَةِ وَالشَّاةِ وَتُتْرَكَ مِنْ الْحَلْبِ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ ، حَتَّى يَجْتَمِعَ لَهَا لَبَنٌ فَيَرَاهُ مُشْتَرِيهَا كَثِيرًا فَيَزِيدَ فِي ثَمَنِهَا ، فَإِذَا تُرِكَتْ بَعْدَ تِلْكَ الْحَلْبَةِ حَلْبَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ عُرِفَ : أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِلَبَنِهَا ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : الْمُصَرَّاةُ النَّاقَةُ أَوْ الْبَقَرَةُ أَوْ الشَّاةُ الَّتِي قَدْ صُرِيَ اللَّبَنُ فِي ضَرْعِهَا يَعْنِي حُقِنَ فِيهِ أَيَّامًا فَلَمْ يُحْلَبْ ، وَأَصْلُ التَّصْرِيَةِ : حَبْسُ الْمَاءِ وَجَمْعِهِ ، يُقَالُ مِنْهُ صَرَيْتُ الْمَاءَ ، وَيُقَالُ إنَّمَا سُمِّيَتْ الْمُصَرَّاةُ ; لِأَنَّهَا مِيَاهٌ اجْتَمَعَتْ . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : وَلَوْ كَانَ مِنْ الرَّبْطِ لَكَانَ مَصْرُورَةً أَوْ مُصَرَّرَةً ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : كَأَنَّهُ يُرِيدُ بِهِ الرَّدَّ عَلَى الشَّافِعِيِّ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ حَسَنٌ . وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ صَحِيحٌ . وَالْعَرَبُ تُصِرُّ ضُرُوعَ الْحَلُوبَاتِ إذَا أَرْسَلَتْهَا تَسْرَحُ وَيُسَمُّونَ ذَلِكَ الرَّبْطَ صُرَارًا ، فَإِذَا رَاحَتْ حَلَّتْ تِلْكَ الْأَصِرَّةَ وَحَلَبَتْ ، وَاسْتُدِلَّ لِصِحَّةِ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ بِقَوْلِ الْعَرَبِ " الْعَبْدُ لَا يُحْسِنُ الْكَرَّ وَالْفَرَّ ، وَإِنَّمَا يُحْسِنُ الْحَلْبَ وَالصَّرَّ " وَيَقُولُ مُتَمِّمُ بْنُ نُوَيْرَةَ : فَقُلْتُ لِقَوْمِي هَذِهِ صَدَقَاتُكُمْ مُصَرَّرَةٌ أَخْلَافُهَا لَمْ تُجَدَّدْ قَالَ : وَيُحْتَمَلُ أَنَّ أَصْلَ الْمُصَرَّاةِ مُصَرَّرَةٌ ، أُبْدِلَتْ إحْدَى الرَّاءَيْنِ يَاءً ، وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ فِي كَلَامِهِ عَلَى مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ : جَائِزٌ أَنْ تَكُونَ سُمِّيَتْ مُصَرَّاةً مِنْ صَرَّ أَخْلَافَهَا كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ سُمِّيَتْ مُصَرَّاةً مِنْ الصَّرْيِ ، وَهُوَ الْجَمْعُ ، يُقَالُ : صَرَيْتُ الْمَاءَ فِي الْحَوْضِ إذَا جَمَعْتَهُ ، وَيُقَالُ كَذَلِكَ : الْمَاءُ صَرَى ، وَقَالَ عُبَيْدٌ : يَا رُبَّ مَاءٍ صَرًى وَرَدْتُهُ سَبِيلَهُ خَائِفٌ حَدَثٌ ، وَمَنْ جَعَلَهُ مِنْ الصَّرِّ قَالَ : كَانَتْ الْمُصَرَّاةُ فِي الْأَصْلِ مَصْرُورَةً فَاجْتَمَعَتْ ثَلَاثُ رَاءَاتٍ فَقُلِبَتْ إحْدَاهَا يَاءً كَمَا قَالُوا : " تَظَنَّنْتُ مِنْ الظَّنِّ " ، وَكَمَا قَالَ الْعَجَّاجُ : يَمْضِي الْبَازُ إذْ الْبَازِي كُسِرَ هَذَا كَلَامُ الْأَزْهَرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَكَلَامُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ الْمَذْكُورُ هُوَ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ : رَحِمَهُ اللَّهُ : وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ النَّجْشِ وَالتَّصْرِيَةِ } . قَالَ : وَهَذَا يَدُلُّ لِرِوَايَةِ الْجُمْهُورِ يَعْنِي لِلضَّبْطِ فِي الرِّوَايَةِ كَمَا تَقَدَّمَ ، ( وَأَمَّا ) الِاشْتِقَاقُ وَالْمَعْنَى الْمُخْتَلَفُ فِيهِ بَيْنَ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ فَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لَهُ ; لِأَنَّهُ يَصِحُّ ذَلِكَ مَعَ إبْدَالِ الرَّاءِ يَاءً ، عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ ذَلِكَ مَأْخُوذٌ مِنْ الصَّرِّ ، وَإِنَّمَا مَقْصُودُهُ وَمَدْلُولُ كَلَامِهِ : أَنَّهُ فَسَّرَ التَّصْرِيَةَ بِالْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ فِي كَلَامِهِ مِنْ الرَّبْطِ وَالتَّرْكِ مِنْ الْحَلْبِ حَتَّى يَجْتَمِعَ اللَّبَنُ ، وَالشَّكُّ : أَنَّ ذَلِكَ فِيهِ مَعْنَى الرَّبْطِ وَالْجَمْعِ مَعًا ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ التَّسْمِيَةُ بِذَلِكَ لِأَجْلِ الْجَمْعِ ، وَذَكَرَ الرَّبْطَ ; لِأَنَّهُ الْمُعْتَادُ عِنْدَ الْعَرَبِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِ الْخَطَّابِيِّ ; وَلِأَنَّهُ سَبَبٌ فِي احْتِبَاسِ اللَّبَنِ . وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَيْسَ فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ مُخَالَفَةٌ لِغَيْرِهِ إلَّا زِيَادَةٌ تُبَيِّنُ مَا كَانَتْ الْعَرَبُ تَفْعَلَهُ مِنْ رَبْطِ أَخْلَافِ النَّاقَةِ وَالشَّاةِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَسْمِيَتُهَا بِذَلِكَ لِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ الصَّرِّ وَالرَّبْطِ ، وَحِينَئِذٍ تَتَحَقَّقُ الْمُخَالَفَةُ ، فَالْأَقْرَبُ : أَنَّ الشَّافِعِيَّ إنَّمَا أَرَادَ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ ، وَقَدْ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ : الشَّافِعِيُّ أَعْلَمُ بِاللُّغَةِ مِنَّا ، نَقَلَهُ عَنْهُ الثَّعْلَبِيُّ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النِّسَاءِ . وَرَوَيْنَا عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ هِشَامٍ قَالَ : قَوْلُ الشَّافِعِيِّ حُجَّةٌ فِي اللُّغَةِ ، قَالَ الرَّبِيعُ : ابْنُ هِشَامٍ بِمِصْرَ كَالْأَصْمَعِيِّ بِالْعِرَاقِ ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : الشَّافِعِيُّ مِمَّنْ يُؤْخَذُ عَنْهُ اللُّغَةُ أَوْ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ الشَّكُّ مِنْ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ . وَقَالَ الْمَازِنِيُّ : الشَّافِعِيُّ عِنْدنَا حُجَّةٌ فِي النَّحْوِ ، وَقَالَ أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ الْجَارُودِ : إنَّ لِلشَّافِعِيِّ لُغَةً جَيِّدَةً يُحْتَجُّ بِهَا كَمَا يُحْتَجُّ بِالْبَطْنِ مِنْ الْعَرَبِ ، وَقَالَ ثَعْلَبٌ : إنَّ الشَّافِعِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ مِنْ بَيْتِ اللُّغَةِ يَجِبُ أَنْ يُؤْخَذَ عَنْهُ ، وَقَالَ أَيُّوبُ بْنُ سُوَيْدٍ : خُذُوا عَنْ الشَّافِعِيِّ اللُّغَةَ ، وَقَالَ ثَعْلَبٌ أَيْضًا : إنَّمَا يُؤْخَذُ الشَّافِعِيُّ بِاللُّغَةِ ; لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِهَا ، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ هَذِهِ الْأَقْوَالَ كُلَّهَا لِيَتَبَيَّنَ قَدْرُ الشَّافِعِيِّ عِنْدَ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ ، وَقَدْ وَقَعَ فِي كَلَامِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ : أَنَّ التَّصْرِيَةَ أَنْ يُرْبَطَ أَخْلَافُ النَّاقَةِ وَالشَّاةِ ، وَأَخْلَافٌ جَمْعُ خِلْفٍ بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ ، قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : الْخِلْفُ لِكُلِّ ذَاتِ خُفِّ ، وَالطَّيُّ لِلسِّبَاعِ وَذَوَاتِ الْحَافِرِ وَجَمْعُهُ أَطْيَاءُ ، وَالضَّرْعُ لِكُلِّ ذَاتِ ظِلْفٍ ، قَالَ : وَقَدْ يُجْعَلُ الضَّرْعُ أَيْضًا لِذَوَاتِ الْخُفِّ . وَالْخُفَّ لِذَوَاتِ الظِّلْفِ ، وَالثَّدْيُ لِلْمَرْأَةِ ، ( قُلْتُ ) : فَإِطْلَاقُ الشَّافِعِيِّ أَخْلَافَ النَّاقَةِ وَالشَّاةِ ، إمَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ التَّغْلِيبِ غَلَّبْنَا النَّاقَةَ عَلَى الشَّاةِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِي التَّصْرِيَةِ لُغَةُ التَّصْوِيَةِ بَدَلُ الرَّاءِ وَاوٌ ، قَالَ الْهَرَوِيُّ : التَّصْوِيَةُ وَالتَّصْرِيَةُ وَاحِدٌ ، وَهُوَ أَنْ تُصَرَّى الشَّاةُ أَيْ تُحَفَّلَ ، قَالَ يُوسُفُ بْنُ إسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ أَبِي الْحَجَّاجِ الْمَقْدِسِيِّ فِيمَا عَلَّقَهُ مِنْ كِتَابِ التَّنْبِيهِ عَلَى تَصْحِيفِ أَبِي عُبَيْدٍ الْهَرَوِيِّ فِي كِتَابِ الْغَرِيبَيْنِ تَخْرِيجُ ابْنُ نَاصِرٍ ، قَالَ الْحَافِظُ : هَكَذَا رَأَيْتُهُ فِي عِدَّةِ نُسَخٍ : يُصَرُّ الشَّاةَ بِغَيْرِ يَاءٍ ، وَالصَّوَابُ : أَنْ يُصَرِّيَ بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ بَعْدَ الرَّاءِ مِنْ حَدِيثِ النَّاقَةِ . ( فَأَمَّا ) قَوْلُهُ : أَنْ يُصَرَّ فَمَعْنَاهُ أَنْ يَشُدَّ ، وَذَلِكَ يَجُوزُ ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( قُلْتُ ) وَلَمْ أَرَهُ فِي الْغَرِيبَيْنِ إلَّا بِالرَّاءِ وَالْيَاءِ كَمَا نَقَلْتُهُ ، فَلَعَلَّ النُّسَخَ الَّتِي وَقَعَتْ لِابْنِ نَاصِرٍ كَانَتْ مُصَحَّفَةً ، وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَقَعَ لَهُ مِنْ النُّسَخِ لَكَانَ ذَلِكَ قَرِيبًا مِنْ الْمَعْنَى الْمَنْسُوبِ لِلشَّافِعِيِّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ . وَمَا اُعْتُرِضَ بِهِ مِنْ أَنَّ النَّهْيَ لَمْ يَرِدْ عَنْ الصَّرِّ ، فَجَوَابُهُ : أَنَّ الْمُرَادَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِأَجْلِ الْبَيْعِ عَلَى وَجْهِ الْغِشِّ وَالْخَدِيعَةِ ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ رِوَايَةُ الْمُزَنِيِّ الْمُتَقَدِّمَةِ ، وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ الصَّرِّ وَالتَّصْرِيَةِ حَرَامٌ ، إذَا قُصِدَ بِهِ ذَلِكَ ، وَجَائِزٌ إذَا لَمْ يُقْصَدْ بِهِ ، وَلَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ خَدِيعَةٌ وَلَا ضَرَرٌ بِالْحَيَوَانِ ، لَكِنَّ الْحُكْمَ الْمَذْكُورَ مِنْ الرَّدِّ وَثُبُوتِ الْخِيَارِ إنَّمَا يَكُونُ فِي حَالَةٍ يَحْصُلُ فِيهَا اجْتِمَاعُ اللَّبَنِ لَا فِي الصَّرِّ الْمُجَرَّدِ لِفَهْمِ الْمَعْنَى ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَاللِّقْحَةُ بِكَسْرِ اللَّامِ وَفَتْحِهَا وَالْكَسْرُ أَفْصَحُ ، وَجَمْعُهَا لِقَحٌ مِثْلَ : قِرْبَةٌ وَقِرَبٌ وَهِيَ النَّاقَةُ الْقَرِيبَةُ الْعَهْدُ بِالْوِلَادَةِ نَحْوَ شَهْرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ ، وَالْمُحَفَّلَةُ هِيَ الَّتِي حُفِّلَ اللَّبَنُ فِي ضَرْعِهَا وَهِيَ الْمُصَرَّاةُ ، ( وَقَوْلُهُ ) بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ هُوَ إمْسَاكُ الْمَبِيعِ أَوْ يَرُدُّهُ ، أَيُّهُمَا كَانَ خَيْرًا لَهُ فَعَلَهُ ( وَالْحِلَابُ ) : هُوَ الْإِنَاءُ يَمْلَؤُهُ قَدْرُ حَلْبَةِ نَاقَةٍ ، وَيُقَالُ لَهُ : الْمَحْلَبُ أَيْضًا ، وَبَعْضُهُمْ يُطْلِقُ فَيَقُولُ : الْحِلَابُ الْإِنَاءُ الَّذِي يُحْلَبُ فِيهِ الْأَلْبَانُ وَيُطْلَقُ عَلَى الْمَحْلُوبِ ، وَهُوَ اللَّبَنُ كَالْحِرَافِ لِمَا يُحْتَرَفُ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : إنَّمَا يُقَالُ فِي اللَّبَنِ الْإِحْلَابَةُ ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ : أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحِلَابِ فِي الْحَدِيثِ وَكَذَلِكَ الْحَلْبَةُ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْحَدِيثِ اللَّبَنُ نَفْسُهُ . وَمِنْ الظَّاهِرِيَّةِ مَنْ امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ ، وَرَأَوْا أَنَّ هَذَا مِنْ الْمَجَازِ الَّذِي لَمْ يَدُلَّ نَصٌّ عَلَى إرَادَتِهِ ، وَسَيَقَعُ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْفَصْلِ الثَّانِي عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ : بَدَلُ اللَّبَنِ التَّمْرُ وَالْحِنْطَةُ وَالطَّعَامُ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْحَدِيثِ . وَإِنْ كَانَ مُطْلَقًا فَالْمُرَادُ بِهِ التَّمْرُ ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِأَمْرَيْنِ . ( أَحَدُهُمَا ) : أَنَّهُ كَانَ الْغَالِبُ عَلَى أَطْعِمَتِهِمْ ( وَالثَّانِي ) : لِأَنَّ مُعْظَمَ رِوَايَاتِ الْأَحَادِيثِ إنَّمَا جَاءَتْ " وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ " ، وَيَحْتَمِلُ وَجْهًا ثَالِثًا مِنْ الِاسْتِدْلَالِ ، وَهُوَ حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْغَالِبَ ، وَلَا أَنْ يَتَرَجَّحَ رِوَايَتُهُ ، هَذَا مَا فِي حَدِيثِ الْكِتَابِ وَطُرُقِهِ مِنْ اللُّغَةِ ، وَتَبْوِيبُ الْمُصَنِّفِ الْمَقْصُودُ بِهِ ذِكْرُ الْأَسْبَابِ الْمُثْبِتَةِ لِخِيَارِ النَّقِيصَةِ ، ، وَهُوَ مَا ثَبَتَتْ بِفَوَاتِ أَمْرٍ مَظْنُونٍ يَنْشَأُ فِيهِ مِنْ تَغْرِيرٍ فِعْلِيٍّ كَالتَّصْرِيَةِ ، أَوْ نَصٍّ عُرْفِيٍّ كَالْعَيْبِ ، فَإِنَّ الْعُرْفَ يَقْتَضِي السَّلَامَةَ ، أَوْ الْتِزَامٍ شَرْطِيٍّ كَشَرْطِ الْكِتَابَةِ وَنَحْوِهِ ، إذَا خَرَجَ بِخِلَافِهِ ، وَقَدْ ضَمَّنَ الْمُصَنِّفُ هَذَا الْبَابَ هَذِهِ الْأَقْسَامَ الثَّلَاثَةَ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ ، وَقَدَّمَ التَّصْرِيَةَ ; لِأَنَّهَا الْمَنْصُوصُ عَلَيْهَا ، وَذَكَرَ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَقَاسَهُ عَلَيْهَا ، كَمَا سَيَأْتِي فِي كَلَامِهِ ، وَقَدْ أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثًا نَصًّا سَنَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ خِيَارَ الْخُلْفِ الَّذِي يَثْبُتُ بِفَوَاتِ الِالْتِزَامِ الشَّرْطِيِّ ، وَجُعِلَ مُؤَخَّرًا عَنْ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ ( إمَّا ) : لِأَنَّهُ وَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ أَيْضًا أَعْنِي الرَّدَّ بِالْعَيْبِ ، وَإِمَّا ; لِأَنَّ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ أَكْثَرُ وُقُوعًا ، وَإِنْ كَانَا جَمِيعًا ثَبَتَا بِالْقِيَاسِ عَلَى التَّصْرِيَةِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ ، وَلَوْلَا التَّصْرِيَةُ وَرَدَ فِيهَا النَّصُّ لَكَانَ يَقْتَضِي : أَنْ يُقَدَّمَ الِالْتِزَامُ الشَّرْطِيُّ عَلَيْهِمَا ; لِأَنَّ الْمُلْتَزَمَ بِالشَّرْطِ أَوْكَدُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى مِنْ الْمُلْتَزَمِ بِالْعُرْفِ أَوْ بِقَرِينَةِ الْحَالِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ الْغَزَالِيُّ : إنَّ الِالْتِزَامَ الشَّرْطِيَّ هُوَ الْأَصْلُ وَمَا عَدَاهُ مُلْحَقٌ بِهِ ، يُشِيرُ إلَى هَذَا الْمَعْنَى ، فَكَانَ ذَلِكَ كَنَصٍّ فِي فَرْعٍ لَيْسَ فِيهِ إلَّا أَصْلٌ وَاحِدٌ ، فَإِنَّهُ يَتَبَيَّنُ بِذَلِكَ حُكْمُ ذَلِكَ الْأَصْلِ ، وَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ : إنَّ حُكْمَ الْفَرْعِ مَأْخُوذٌ مِنْ ذَلِكَ الْأَصْلِ ، وَإِنْ كَانَ مَنْصُوصًا ، وَهَذَا الْمَعْنَى ذَكَرَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي نَصِّ الشَّافِعِيِّ عَلَى فَرْعٍ يَكُونُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ .

                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                      الخدمات العلمية