الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                      جزء صفحة
                                      المهذب بَابُ بَيْعِ الْمُصَرَّاةِ وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : إذَا اشْتَرَى نَاقَةً أَوْ شَاةً أَوْ بَقَرَةً مُصَرَّاةً وَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّهَا مُصَرَّاةٌ ، ثُمَّ عَلِمَ : أَنَّهَا مُصَرَّاةٌ ، فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَمْسِكَ وَبَيْنَ أَنْ يَرُدَّ ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا تُصِرُّوا الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ لِلْبَيْعِ ، فَمَنْ ابْتَاعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلِبَهَا ثَلَاثًا ، إنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا ، وَإِنْ سَخَطَهَا رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ } وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ ابْتَاعَ مُحَفَّلَةً فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، فَإِنْ رَدَّهَا رَدَّ مَعَهَا مِثْلَ أَوْ مِثْلَيْ لَبَنِهَا قَمْحًا . } ( فَرْعٌ فِي عِلَّةِ هَذَا الْخِيَارِ ) وَجْهَانِ ( أَحَدُهُمَا ) : التَّدْلِيسُ الصَّادِرُ مِنْ الْبَائِعِ ( وَالثَّانِي ) : الضَّرَرُ الْحَاصِلُ لِلْمُشْتَرِي بِإِخْلَافِ مَا وَطَّنَ نَفْسَهُ عَلَيْهِ ، وَيَظْهَرُ أَثَرُ الْوَجْهَيْنِ فِيمَا لَوْ تَحَفَّلَتْ بِنَفْسِهَا أَوْ صَرَّهَا غَيْرُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، ( وَالْأَصَحُّ ) عِنْدَ صَاحِبِ التَّهْذِيبِ : ثُبُوتُهُ ، وَبِهِ قَطَعَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَقَطَعَ الْغَزَالِيُّ بِخِلَافِهِ فِي الْوَجْهَيْنِ فِيمَا إذَا تَحَفَّلَتْ بِنَفْسِهَا ، وَفِي الْوَسِيطِ حَكَى الْوَجْهَيْنِ ، وَجَعَلَ الْأَوْلَى عَدَمَ الثُّبُوتِ ، وَحَقِيقَةُ الْوَجْهَيْنِ تَرْجِعُ إلَى إلْحَاقِ خِيَارِ التَّصْرِيَةِ بِخِيَارِ الْعَيْبِ أَوْ بِخِيَارِ الْخُلْفِ الْمُجْمَعِ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا ، ( فَرَجَّحَ ) الْبَغَوِيّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ الْأَوَّلَ ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْعِرَاقِيِّينَ ، مِمَّنْ صَرَّحُوا أَنَّ التَّصْرِيَةَ عَيْبٌ ، وَكَذَلِكَ يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ ، فَإِنَّهُ قَالَ : " فَإِذَا حَلَبَهَا ثُمَّ أَرَادَ رَدَّهَا بِعَيْبِ التَّصْرِيَةِ " وَقَالَ أَيْضًا : " فَإِنْ رَضِيَ الَّذِي ابْتَاعَ الْمُصَرَّاةَ أَنْ يُمْسِكَهَا بِعَيْبِ التَّصْرِيَةِ " وَرَجَّحَ الْغَزَالِيُّ الثَّانِيَ ، وَتَبِعَهُ عَبْدُ الْغَفَّارِ الْقَزْوِينِيُّ فِي حَاوِيهِ . ( وَالْمُرَادُ ) بِتَحَفُّلِهَا بِنَفْسِهَا : أَنْ يَتْرُكَ صَاحِبُهَا حَلْبَهَا أَيَّامًا مِنْ غَيْرِ شَدٍّ لَا عَنْ قَصْدٍ بَلْ نِسْيَانًا أَوْ لِشُغْلٍ عَرَضَ ، فَإِنَّ اللَّبَنَ يَجْتَمِعُ فِي ضَرْعِهَا إذَا لَمْ يَصِلْ إلَيْهَا وَلَدُهَا أَوْ يَتَّفِقَ شَدُّ أَخْلَافِهَا لِحَرَكَتِهَا بِنَفْسِهَا لَا بِصُنْعٍ آدَمِيٍّ ، وَلَوْ تَرَكَ صَاحِبُهَا حَلْبَهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ غَيْرِ شَدِّ الْأَخْلَافِ لِقَصْدِ غَزَارَةِ اللَّبَنِ لِيَرَاهُ الْمُشْتَرِي ، فَهُوَ فِي مَعْنَى الشَّدِّ بِلَا خِلَافٍ . قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ : وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ : وَلَيْسَ شَدُّ الْأَخْلَافِ شَرْطًا ، بَلْ هُوَ الْغَالِبُ ، وَإِنَّمَا الْمُعْتَبَرُ أَنْ يَتْرُكَ حَلْبَهَا قَصْدًا ، ( قُلْتُ ) : وَذَاكَ دَاخِلٌ تَحْتَ الْحَدِيثِ عَلَى تَفْسِيرِ أَبِي عُبَيْدٍ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّوْفِيقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَفْسِيرِ الشَّافِعِيِّ وَاَلَّتِي صَرَّاهَا أَجْنَبِيٌّ بِغَيْرِ إذْنِ الْبَائِعِ لَا شَكَّ أَنَّهَا دَاخِلَةٌ تَحْتَ اسْمِ الْمُصَرَّاةِ عَلَيْهَا ، وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ إطْلَاقُ اسْمِ الْمُصَرَّاةِ عَلَيْهَا ، فَهِيَ كَهِيَ فِي الْمَعْنَى مِنْ جِهَةِ الظَّنِّ النَّاشِئِ مِنْ رُؤْيَتِهَا ، فَظَنَّ السَّلَامَةَ فِي غَيْرِهَا . وَأَمَّا إلْحَاقُ ذَلِكَ بِالْخُلْفِ جَعَلَ ذَلِكَ كَالِالْتِزَامِ فَبَعِيدٌ ، وَلَوْ صَرَّاهَا لَا لِأَجْلِ الْخَدِيعَةِ ثُمَّ نَسِيَهَا فَقَدْ حَكَى الشَّيْخُ أَبُو الْفَتْحِ الْقُشَيْرِيُّ الْمَشْهُورُ بِابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ عَنْ أَصْحَابِنَا فِيهِ خِلَافًا ، وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي كَلَامِهِمْ صَرِيحًا ، لَكِنَّهُ يَتَخَرَّجُ عَلَى أَنَّا هَلْ نَنْظُرُ إلَى أَنَّ الْمَأْخَذَ التَّدْلِيسُ ؟ أَوْ ظَنُّ الْمُشْتَرِي ؟ . فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ الْخَدِيعَةَ وَالتَّدْلِيسَ ، وَعَلَى الثَّانِي يَثْبُتُ لِحُصُولِ الظَّنِّ . ( وَالرَّاجِحُ ) مِنْ ذَلِكَ : ثُبُوتُ الْخِيَارِ نَظَرًا إلَى الْمَعْنَى ، وَفَوَاتِ مَا ظَنَّهُ الْمُشْتَرِي ، وَلَوْ شَدَّ أَخْلَافَهَا قَصْدًا لِصِيَانَةِ لَبَنِهَا عَنْ وَلَدِهَا فَقَطْ ، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ : فَهُوَ بِلَا شَكٍّ كَمَا لَوْ تَحَفَّلَتْ بِنَفْسِهَا . ( قُلْتُ ) : وَهِيَ كَالْمَسْأَلَةِ الَّتِي حَكَاهَا الشَّيْخُ أَبُو الْفَتْحِ عَنْ أَصْحَابِنَا لَكِنْ فِي تِلْكَ الزِّيَادَةِ النِّسْيَانُ ، وَهُوَ لَيْسَ بِشَرْطٍ ، فَإِنَّهُ إذَا كَانَ الْقَصْدُ صَحِيحًا لَمْ يَحْصُلْ تَدْلِيسٌ وَخَدِيعَةٌ ، وَلَيْسَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ : إنَّ التَّدْلِيسَ حَاصِلٌ بِعَدَمِ تَبْيِينِهِ وَقْتَ الْبَيْعِ ، وَهُوَ عَالِمٌ بِهِ ; لِأَنَّ هَذَا الْمَعْنَى حَاصِلٌ فِيمَا إذَا تَحَفَّلَتْ بِنَفْسِهَا وَبَاعَهَا وَهُوَ عَالِمٌ بِالْحَالِ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ ، وَابْنُ الرِّفْعَةِ سَقَطَ عَلَيْهِ مِنْ كَلَامِ الْقُشَيْرِيِّ ، فَنَقَلَ الْمَسْأَلَةَ عَنْهُ أَنَّهُ صَرَّاهَا لِأَجْلِ الْخَدِيعَةِ ثُمَّ نَسِيَهَا ، ثُمَّ اعْتَرَضَ بِأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذِهِ مِنْ صُوَرِ الْوِفَاقِ . وَهَذَا الِاعْتِرَاضُ لَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا نَقَلَهُ صَحِيحٌ ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ قَدْ حَصَلَ التَّدْلِيسُ وَالظَّنُّ وَلَا يُفِيدُ تَوَسُّطُ النِّسْيَانِ ، فَإِذَنْ الْمَسْأَلَةُ ذَكَرَهَا ابْنُ الرِّفْعَةِ وَخَرَّجَهَا عَلَى مَا إذَا تَحَفَّلَتْ بِنَفْسِهَا ، وَالْمَسْأَلَةُ الَّتِي نَقَلَهَا الْقُشَيْرِيُّ وَاحِدَةٌ ، وَالْمَسْأَلَةُ الَّتِي نَقَلَهَا ابْنُ الرِّفْعَةِ عَنْ الْقُشَيْرِيِّ بِحَسْبِ النُّسْخَةِ الَّتِي وَقَعَتْ لَهُ غَلَطًا مَسْأَلَةٌ أُخْرَى يَنْبَغِي الْجَزْمُ بِالْخِيَارِ فِيهَا ، فَلِذَلِكَ ذَكَرْتُ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَأَوْجَبْتُ التَّنْبِيهَ عَلَيْهِمَا ; لِأَنَّهُمَا لَيْسَا فِي كَلَامِ الْأَصْحَابِ صَرِيحًا فِيمَا عَلِمْتُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                      الخدمات العلمية