الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
            بعض سيرته وورعه وزهده وخوفه -

            قال عمر : إنما مثل العرب مثل جمل أنف اتبع قائده ، فلينظر قائده حيث يقوده ، فأما أنا فورب الكعبة لأحملنهم على الطريق ! قال نافع العيشي : دخلت حير الصدقة مع عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ، قال : فجلس عثمان في الظل يكتب ، وقام علي على رأسه يملي عليه ما يقول عمر ، وعمر قائم في الشمس في يوم شديد الحر عليه بردان أسودان اتزر بأحدهما ولف الآخر على رأسه ، يعد إبل الصدقة ، يكتب ألوانها وأسنانها . فقال علي لعثمان : في كتاب الله ( ياأبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين ) . ثم أشار علي بيده إلى عمر وقال : هذا القوي الأمين .

            وقال عبد الله بن عامر بن ربيعة : رأيت عمر أخذ بتبنة من الأرض فقال : يا ليتني هذه التبنة ، يا ليتني لم أك شيئا ، يا ليت أمي لم تلدني ، يا ليتني كنت نسيا منسيا . وقال الحسن : قال عمر : لئن عشت إن شاء الله لأسيرن في الرعية حولا ، فإني أعلم أن للناس حوائج تقطع دوني ، أما عمالهم فلا يرفعونها إلي ، وأما هم فلا يصلون إلي ، فأسير إلى الشام فأقيم شهرين ، وبالجزيرة شهرين ، وبمصر شهرين ، وبالبحرين شهرين ، وبالكوفة شهرين ، وبالبصرة شهرين ، والله لنعم الحول هذا ! وقيل لعمر : إن هاهنا رجلا من الأنبار له بصر بالديوان لو اتخذته كاتبا . فقال : لقد اتخذت إذن بطانة من دون المؤمنين .

            قيل : خطب عمر الناس فقال : والذي بعث محمدا - صلى الله عليه وسلم - بالحق لو أن جملا هلك ضياعا بشط الفرات لخشيت أن يسألني الله عنه .

            وقال أبو فراس : خطب عمر الناس فقال : أيها الناس ، إني ما أرسل إليكم عمالا ليضربوا أبشاركم ولا ليأخذوا أموالكم ، وإنما أرسلهم إليكم ليعلموكم دينكم وسنتكم ، فمن فعل به شيء سوى ذلك فليرفعه إلي ، فوالذي نفس عمر بيده لأقصنه منه . فوثب عمرو بن العاص فقال : يا أمير المؤمنين ، أرأيتك إن كان رجل من [ أمراء ] المسلمين على رعية ، فأدب بعض رعيته إنك لتقصه منه ؟ قال : إي والذي نفس عمر بيده إذن لأقصنه منه ، وكيف لا أقصه منه وقد رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقص من نفسه ! ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم ، ولا تحمدوهم فتفتنوهم ، ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم ، ولا تنزلوهم الغياض فتضيعوهم .

            قال بكر بن عبد الله : جاء عمر بن الخطاب إلى عبد الرحمن بن عوف وهو يصلي في بيته ليلا ، فقال له عبد الرحمن : ما جاء بك في هذه الساعة ؟ قال : رفقة نزلت في ناحية السوق خشيت عليهم سراق المدينة ، فانطلق فلنحرسهم . فأتيا السوق فقعدا على نشز من الأرض يتحدثان ، فرفع لهما مصباح فقال عمر : ألم أنه عن المصابيح بعد النوم ؟ فانطلقا فإذا قوم على شراب لهم . قال : انطلق فقد عرفته . فلما أصبح أرسل إليه قال : يا فلان كنت وأصحابك البارحة على شراب ! قال : وما أعلمك يا أمير المؤمنين ؟ قال : شيء شهدته . قال : أولم ينهك الله عن التجسس ؟ فتجاوز عنه .

            وإنما نهى عمر عن المصابيح لأن الفأرة تأخذ الفتيلة فترمي بها في سقف البيت فتحرقه ، وكانت السقوف من جريد ، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ذلك قبله .

            قصة عمر والأطفال الجياع وقال أسلم : وخرج عمر إلى حرة واقم وأنا معه ، حتى إذا كنا بصرار إذا نار تسعر . فقال : انطلق بنا إليهم . فهرولنا حتى دنونا منهم ، فإذا بامرأة معها صبيان لها وقدر منصوبة على نار وصبيانها يتضاغون . فقال عمر : السلام عليكم يا أصحاب الضوء . وكره أن يقول : يا أصحاب النار . قالت : وعليك السلام . قال : أدنوا ؟ قالت : ادن بخير أو دع . فدنا فقال : ما بالكم ؟ قالت : قصر بنا الليل والبرد . قال : فما بال هؤلاء الصبية يتضاغون ؟ قالت : [ من ] الجوع . قال : وأي شيء في هذه القدر ؟ قالت : ما لي ما أسكتهم حتى يناموا ، فأنا أعللهم وأوهمهم أني أصلح لهم شيئا حتى يناموا ، الله بيننا وبين عمر ! قال : أي رحمك الله ، ما يدري بكم عمر ؟ قالت : يتولى أمرنا ويغفل عنا . فأقبل علي وقال : انطلق بنا . فخرجنا نهرول حتى أتينا دار الدقيق ، فأخرج عدلا فيه كبة شحم فقال : احمله على ظهري . قال أسلم : فقلت : أنا أحمله عنك ، مرتين أو ثلاثا . فقال آخر ذلك : أنت تحمل عني وزري يوم القيامة لا أم لك ! فحملته عليه ، فانطلق وانطلقت معه نهرول حتى انتهينا إليها ، فألقى ذلك عندها وأخرج من الدقيق شيئا فجعل يقول لها : ذري علي وأنا أحرك لك ، وجعل ينفخ تحت القدر ، وكان ذا لحية عظيمة ، فجعلت أنظر إلى الدخان من خلل لحيته حتى أنضج ثم أنزل القدر ، فأتته بصحفة فأفرغها فيها ثم قال : أطعميهم وأنا أسطح لك ، فلم يزل حتى شبعوا ، ثم خلى عندها فضل ذلك ، وقام وقمت معه ، فجعلت تقول : جزاك الله خيرا ، أنت أولى بهذا الأمر من أمير المؤمنين ! فيقول : قولي خيرا ، فإنك إذا جئت أمير المؤمنين وجدتني هناك - إن شاء الله - ! ثم تنحى ناحية ، ثم استقبلها وربض لا يكلمني حتى رأى الصبية يضحكون ويصطرعون ، ثم ناموا وهدأوا ، فقام وهو يحمد الله ، فقال : يا أسلم ، الجوع أسهرهم وأبكاهم ، فأحببت أن لا أنصرف حتى أرى ما رأيت منهم .

            قال سالم بن عبد الله بن عمر : كان عمر إذا نهى الناس عن شيء جمع أهله فقال : إني نهيت الناس عن كذا وكذا ، وإن الناس ينظرون إليكم نظر الطير إلى اللحم ، وأقسم بالله لا أجد أحدا [ منكم ] فعله إلا أضعفت عليه العقوبة . قال سلام بن مسكين : وكان عمر إذا احتاج أتى صاحب بيت المال فاستقرضه ، فربما أعسر فيأتيه صاحب بيت المال يتقاضاه ، فيلزمه فيحتال له عمر ، وربما خرج عطاؤه فقضاه .

            الفرق بين الخليفة والملك [الفرق بين الخليفة والملك]

            وأخرج عن سفيان بن أبي العوجاء قال: قال عمر بن الخطاب: (والله؛ ما أدري أخليفة أنا أم ملك؛ فإن كنت ملكا.. فهذا أمر عظيم).

            فقال قائل: يا أمير المؤمنين؛ إن بينهما فرقا، قال: (ما هو؟)، قال: الخليفة لا يأخذ إلا حقا، ولا يضعه إلا في حق، وأنت بحمد الله كذلك، والملك يعسف الناس؛ فيأخذ من هذا ويعطي هذا. فسكت عمر.

            وأخرج عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: (ركب عمر فرسا، فانكشف ثوبه عن فخذه، فرأى أهل نجران بفخذه شامة سوداء، فقالوا: هذا الذي نجد في كتابنا أنه يخرجنا من أرضنا).

            وأخرج عن سعد الجاري: أن كعب الأحبار قال لعمر: (إنا لنجدك في كتاب الله على باب من أبواب جهنم تمنع الناس أن يقعوا فيها، فإذا مت.. لم يزالوا يقتحمون فيها إلى يوم القيامة).

            وأخرج عن أبي معشر قال: حدثنا أشياخنا: أن عمر قال: (إن هذا الأمر لا يصلح إلا بالشدة التي لا جبرية فيها، وباللين الذي لا وهن فيه).

            وأخرج ابن أبي شيبة في «المصنف» عن حكيم بن عمير قال: كتب عمر بن الخطاب: (ألا لا يجلدن أمير جيش ولا سرية أحدا الحد حتى يطلع الدرب؛ لئلا تحمله حمية الشيطان أن يلحق بالكفار).

            وأخرج ابن أبي حاتم في «تفسيره» عن الشعبي قال: (كتب قيصر إلى عمر بن الخطاب: إن رسلي أتتني من قبلك، فزعمت أن قبلكم شجرة ليست بخليقة بشيء من الخير، تخرج مثل آذان الحمير، ثم تشقق مثل اللؤلؤ، ثم تخضر فتكون مثل الزمرد الأخضر، ثم تحمر فتكون كالياقوت الأحمر، ثم تينع فتنضج فتكون كأطيب فالوذج أكل، ثم تيبس فتكون عصمة للمقيم، وزادا للمسافر، فإن تكن رسلي صدقتني.. فلا أدري هذه الشجرة إلا من شجر الجنة.

            فكتب إليه عمر: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى قيصر ملك الروم: إن رسلك قد صدقوك، هذه الشجرة عندنا هي الشجرة التي أنبتها الله على مريم حين نفست بعيسى ابنها، فاتق الله ولا تتخذ عيسى إلها من دون الله، فـ { إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب } الآية.. وقال أبو هريرة : يرحم الله ابن حنتمة ! لقد رأيته عام الرمادة وإنه ليحمل على ظهره جرابين وعكة زيت في يده ، وإنه ليعتقب هو وأسلم ، فلما رآني قال : من أين يا أبا هريرة ؟ قلت : قريبا ، فأخذت أعقبه فحملناه حتى انتهينا إلى صرار ، فإذا نحو من عشرين بيتا من محارب ، فقال لهم : ما أقدمكم ؟ قالوا : الجهد ، وأخرجوا لنا جلد الميتة مشويا كانوا يأكلونه ، ورمة العظام مسحوقة كانوا يستفونها ، فرأيت عمر طرح رداءه ثم اتزر ، فما زال يطبخ حتى أشبعهم ، ثم أرسل أسلم إلى المدينة فجاءنا بأبعرة ، فحملهم عليها حتى أنزلهم الجبانة ، ثم كساهم ، وكان يختلف إليهم وإلى غيرهم حتى رفع الله ذلك .

            قال أبو خيثمة : رأت الشفاء بنت عبد الله فتيانا يقصدون في المشي ويتكلمون رويدا فقالت : ما هذا ؟ قالوا : نساك ، فقالت : كان والله عمر إذا تكلم أسمع ، وإذا مشى أسرع ، وإذا ضرب أوجع ، وهو والله ناسك حقا .

            قال الحسن : خطب عمر الناس وعليه إزار فيه اثنتا عشرة رقعة منها أدم وقال علي : رأيت عمر يطوف بالكعبة وعليه إزار فيه إحدى وعشرون رقعة فيها من أدم .

            خشية عمر رضي الله عنه وقال الحسن : كان عمر يمر بالآية من ورده فيسقط حتى يعاد كما يعاد المريض . وقيل : إنه سمع قارئا يقرأ ( والطور ) ، فلما انتهى إلى قوله تعالى : ( إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع ) ، سقط ثم تحامل إلى منزله فمرض شهرا من ذلك . قال الشعبي : كان عمر يطوف في الأسواق ويقرأ القرآن ويقضي بين الناس حيث أدركه الخصوم .

            قال موسى بن عقبة : أتى رهط إلى عمر فقالوا له : كثر العيال واشتدت المؤونة فزدنا في عطائنا . قال : فعلتموها ، جمعتم بين الضرائر واتخذتم الخدم من مال الله ، لوددت أني وإياكم في سفينة في لجة البحر تذهب بنا شرقا وغربا ، فلنيعجز الناس أن يولوا رجلا منهم ، فإن استقام اتبعوه ، وإن جنف قتلوه . فقال طلحة : وما عليك لو قلت : وإن تعوج عزلوه ؟ قال : لا ، القتل أنكل لمن بعده ، احذروا فتى ابن قريش وابن كريمها الذي لا ينام إلا على الرضا ، ويضحك عند الغضب ، وهو يتناول من فوقه ومن تحته .

            قال ابن المسيب : وحج عمر فلما كان بضجنان قال : لا إله إلا الله العظيم العلي المعطي ما شاء من شاء ، كنت أرعى إبل الخطاب في هذا الوادي في مدرعة صوف ، وكان فظا يتعبني إذا عملت ، ويضربني إذا قصرت ، وقد أمسيت وليس بيني وبين الله أحد ، ثم تمثل :


            لا شيء فيما ترى تبقى بشاشته يبقى الإله ويودي المال والولد     لم تغن عن هرمز يوما خزائنه
            والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا     ولا سليمان إذ تجري الرياح به
            والإنس والجن فيما بينها يرد     أين الملوك التي كانت نوافلها
            من كل أوب إليها راكب يفد     حوضا هنالك مورودا بلا كذب
            لا بد من ورده يوما كما وردوا



            قال أسلم : إن هند بنت عتبة استقرضت عمر من بيت المال أربعة آلاف تتجر فيها وتضمنها ، فأقرضها ، فخرجت فيها إلى بلاد كلب فاشترت وباعت ، فبلغها أن أبا سفيان وابنه عمرا أتيا معاوية ، فعدلت إليه ، وكان أبو سفيان قد طلقها ، فقال لها معاوية : ما أقدمك أي أمه ؟ قالت : النظر إليك أي بني ، إنه عمر ، وإنما يعمل لله وقد أتاك أبوك فخشيت أن تخرج إليه من كل شيء وأهل ذلك هو ، ولا يعلم الناس من أين أعطيته فيؤنبوك ويؤنبك عمر فلا يستقيلها أبدا . فبعث إلى أبيه وإلى أخيه بمائة دينار وكساهما وحملهما ، فتسخطها عمرو ، فقال أبو سفيان : لا تسخطها فإن هذا عطاء لم تغب عنه هند ، ورجعوا جميعا ، فقال أبو سفيان لهند : أربحت ؟ قالت : الله أعلم . فلما أتت المدينة وباعت شكت الوضيعة ، فقال لها عمر : لو كان مالي لتركته لك ، ولكنه مال المسلمين . وقال لأبي سفيان : بكم أجازك معاوية ؟ قال : بمائة دينار .

            قال ابن عباس : بينما عمر بن الخطاب وأصحابه يتذاكرون الشعر فقال بعضهم : فلان أشعر ، وقال بعضهم : بل فلان أشعر ، قال : فأقبلت فقال عمر : قد جاءكم أعلم الناس بها ، من أشعر الشعراء ؟ قال : قلت : زهير بن أبي سلمى . فقال : هلم من شعره ما نستدل به على ما ذكرت . فقلت : امتدح قوما من غطفان فقال :


            لو كان يقعد فوق الشمس من كرم     قوم لأولهم يوما إذا قعدوا


            قوم أبوهم سنان حين تنسبهم     طابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا
            جن إذا فزعوا إنس إذا أمنوا     ممردون بهاليل إذا جهدوا
            محسدون على ما كان من نعم     لا ينزع الله منهم ما له حسدوا



            فقال عمر : أحسن والله ، وما أعلم أحدا أولى بهذا الشعر من هذا الحي من بني هاشم ; لفضل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقرابتهم منه . فقلت : وفقت يا أمير المؤمنين ولم تزل موفقا ! فقال يا ابن عباس ، أتدري ما منع قومكم منهم بعد محمد - صلى الله عليه وسلم - ؟ فكرهت أن أجيبه فقلت : إن لم أكن أدري فإن أمير المؤمنين يدريني ! فقال عمر : كرهوا أن يجمعوا لكم النبوة والخلافة ، فتبجحوا على قومكم بجحا بجحا ، فاختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفقت . فقلت : يا أمير المؤمنين ، إن تأذن لي في الكلام وتمط عني الغضب تكلمت . قال : تكلم . قلت : أما قولك يا أمير المؤمنين : اختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفقت ، فلو أن قريشا اختارت لأنفسها حين اختار الله لها لكان الصواب بيدها غير مردود ولا محسود . وأما قولك : إنهم أبوا أن تكون لنا النبوة والخلافة ، فإن الله - عز وجل - وصف قوما بالكراهة فقال : ( ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم ) . فقال عمر : هيهات والله يا ابن عباس ، قد كانت تبلغني عنك أشياء كنت أكره أن أقرك عليها فتزيل منزلتك مني . فقلت : ما هي يا أمير المؤمنين ؟ فإن كانت حقا فما ينبغي أن تزيل منزلتي منك ، وإن كانت باطلا فمثلي أماط الباطل عن نفسه . فقال عمر : بلغني أنك تقول : إنما صرفوها عنك حسدا وبغيا وظلما . فقلت : أما قولك يا أمير المؤمنين : ظلما ، فقد تبين للجاهل والحليم ، وأما قولك : حسدا ، فإن آدم حسد ونحن ولده المحسدون . فقال عمر : هيهات هيهات ! أبت والله قلوبكم يا بني هاشم إلا حسدا لا يزول . فقلت : مهلا يا أمير المؤمنين ، لا تصف قلوب قوم أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا بالحسد والغش ، فإن قلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قلوب بني هاشم . فقال عمر : إليك عني يا ابن عباس . فقلت : أفعل . فلما ذهبت لأقوم استحيا مني فقال : يا ابن عباس ، مكانك ! فوالله إني لراع لحقك محب لما سرك . فقلت : يا أمير المؤمنين ، إن لي عليك حقا وعلى كل مسلم ، فمن حفظه فحظه أصاب ، ومن أضاعه فحظه أخطأ . ثم قام فمضى . وعن سيف عن أشياخه] ، قالوا:

            نزل ملك الروم القرو ، وكاتب عمر رضي الله عنه وقاربه وسأله عن كلمة يجتمع فيها العلم كله ، فكتب إليه: أحب للناس ما تحب لنفسك ، [واكره لهم ما تكره لها تجمع لك الحكمة كلها] وبعث إليه بقارورة: أن املأ لي هذه القارورة من كل شيء فملأها ماء .

            وبعث أم كلثوم بنت علي إلى ملكة الروم بطيب وأحفاش من أحفاش النساء ، ودسته إلى البريد فأبلغه لها ، فجمعت امرأة هرقل نساءها وقالت: هذه هدية امرأة ملك العرب ، وبنت نبيهم ، فكاتبيها وكافئيها ، وأهدت لها فيما أهدت عقدا فاخرا ، فلما جاء به البريد أمره عمر بإمساكه ، ودعا بالصلاة جامعة ، فصلى بهم ركعتين ، وقال: إنه لا خير في أمر أبرم من غير شورى ، فقولوا لي في هدية أهدتها أم كلثوم لامرأة ملك الروم ، فقال قائلون: هو لها ، وقال آخرون: قد كنا نهدي لنستثيب ، فقال: ولكن الرسول رسول المسلمين والبريد بريدهم ، والمسلمون عظموها في صدرها ، فأمر بردها في بيت المال ، ورد عليها بقدر نفقتها .

            وعن عبد الله بن عامر بن ربيعة ، ] قال: صحبت عمر بن الخطاب من المدينة إلى مكة في الحج ثم رجعنا فما ضرب فسطاطا ، ولا كان له بناء يستظل به ، إنما كان يلقي نطعا أو كساء على سحره فيستظل تحته .

            وعن أيوب بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف ، عن أبيه] ، قال: مكث عمر زمانا لا يأكل من بيت المال شيئا حتى دخلت عليه في ذلك خصاصة ، وأرسل إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاستشارهم ، فقال: قد شغلت نفسي في هذا الأمر ، فما يصلح لي منه؟ فقال عثمان بن عفان: كل وأطعم ، قال: وقال ذلك سعيد بن زيد [بن عمرو بن نفيل] ، وقال لعلي: ما تقول أنت في ذلك؟ قال: غداء وعشاء ، قال: فأخذ عمر بذلك .

            وعن عيسى] بن معمر قال: نظر عمر بن الخطاب عام الرمادة إلى بطيخة في يد بعض ولده ، فقال: بخ بخ يا ابن أمير المؤمنين ، تأكل الفاكهة وأمة محمد هزلى؟ فخرج الصبي هاربا وبكى فأسكت عمر بعد ما سأل عن ذلك ، فقالوا: اشتراها بكف من نوى .

            وعن سالم بن عبد الله: أن عمر بن الخطاب كان يدخل يده في دبرة البعير ويقول: إني لخائف أن أسأل عما بك .

            وعن زهير بن حيان ، قال: قال] ابن عباس:

            دعاني عمر بن الخطاب [رضي الله عنه] فأتيته ، فإذا بين يديه نطع عليه الذهب منثور ، فقال: هلم فاقسم هذا بين قومك ، فالله أعلم حيث زوى هذا عن نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وعن أبي بكر وأعطانيه لخير أعطانيه أم لشر . قال: فأكببت عليه أقسمه ، فسمعت البكاء فإذا صوت عمر يبكي ويقول في بكائه: والذي نفسي بيده ما حبسه عن نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وعن أبي بكر [رضي الله عنه] إرادة الشر بهما ، وأعطاه عمر إرادة الخير . استسقاء سيدنا عمر بالعباس [استسقاء سيدنا عمر بالعباس رضي الله عنهما]

            وفيها: كان القحط بالحجاز، وسمي عام الرمادة، واستسقى عمر للناس بالعباس.

            أخرج ابن سعد، عن نيار الأسلمي : (أن عمر لما خرج يستسقي.. خرج وعليه برد رسول الله صلى الله عليه وسلم).

            وأخرج عن ابن أبي عون قال: أخذ عمر بيد العباس ثم رفعها وقال: (اللهم ; إنا نستشفع إليك بعم نبيك أن تذهب عنا المحل، وأن تسقينا الغيث) فلم يبرحوا حتى سقوا، وأطبقت السماء عليهم أياما.

            التالي السابق


            الخدمات العلمية