الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      وَمِنْ عَلَامَاتِ الْإِعْجَازِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ، أَنَّ هَذِهِ النُّصُوصَ الَّتِي نُزِّلَتْ لِتَوَاجِهَ مَعْرَكَةً مُعَيَّنَةً، مَا تَزَالُ هِيَ بِذَاتِهَا تُصَوِّرُ طَبِيعَةَ الْمَعْرَكَةِ الدَّائِمَةِ الْمُتَجَدِّدَةِ بَيْنَ الْجَمَاعَةِ الْمُسْلِمَةِ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَعَلَى تَوَالِي الْأَجْيَالِ، وَبَيْنَ أَعْدَائِهَا التَّقْلِيدِيِّينَ الَّذِينَ مَا يَزَالُونَ هُمْ هُمْ، وَمَا تَزَالُ حَوَافِزُهُمْ هِيَ هِيَ فِي أَصْلِهَا، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَشْكَالُهَا وَظَوَاهِرُهَا وَأَسْبَابُهَا الْقَرِيبَةُ، وَمَا تَزَالُ أَهْدَافُهُمْ هِيَ هِيَ فِي طَبِيعَتِهَا وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَدَوَاتُهَا وَوَسَائِلُهَا، وَمَا تَزَالُ زَلْزَلَةُ الْعَقِيدَةِ، وَزَعْزَعَةُ الصَّفِّ، وَالتَّشْكِيكِ فِي الْقِيَادَةِ الرَّبَّانِيَّةِ، هِيَ الْأَهْدَافُ الَّتِي تُصَوَّبُ إِلَيْهَا طَلَقَاتُهُمُ الْمَاكِرَةُ، لِلْوُصُولِ مِنْ وَرَائِهَا إِلَى الِاسْتِيلَاءِ عَلَى مَقَالِيدِ الْجَمَاعَةِ الْمُسْلِمَةِ، وَالتَّصَرُّفِ فِي مَقَادِيرِهَا، وَاسْتِغْلَالِ أَرْضِهَا وَجُهْدِهَا وَغَلَّاتِهَا وَقُوَاهَا وَطَاقَاتِهَا، كَمَا كَانَتْ يَهُودُ تَسْتَغِلُّ الْأَوْسَ وَالْخَزْرَجَ فِي الْمَدِينَةِ ، قَبْلَ أَنْ يُعِزَّهُمُ اللَّهُ وَيَجْمَعَهُمْ بِالْإِسْلَامِ، وَبِالْقِيَادَةِ الْمُسْلِمَةِ، وَبِالْمَنْهَجِ الرَّبَّانِيِّ. وَقَدْ حَفَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ كَمَا حَفَلَتْ سُورَتَا الْبَقَرَةِ وَآلِ عِمْرَانَ بِالْحَدِيثِ عَنْ تِلْكَ الْمُؤَامَرَاتِ الَّتِي لَا تَنْقَطِعُ مِنَ الْيَهُودِ ضِدَّ الْجَمَاعَةِ الْمُسْلِمَةِ ، بِالِاتِّفَاقِ مَعَ الْمُنَافِقِينَ وَمَعَ الْمُشْرِكِينَ. وَسَتَجِيءُ هَذِهِ النُّصُوصُ مَشْرُوحَةً عِنْدَ اسْتِعْرَاضِهَا فِي مَكَانِهَا فِي السِّيَاقِ. فَنَكْتَفِي هُنَا بِإِثْبَاتِ طَرَفٍ مِنْ هَذِهِ الْحَمْلَةِ الْعَنِيفَةِ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا .. (44 - 55) .. إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا .. (150 - 151) .. يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا ... فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا .. (153 - 161) . وَمِنْ هَذِهِ الْمُقْتَطَفَاتِ تَتَبَيَّنُ بَعْضُ أَفَاعِيلِ الْيَهُودِ ، الَّتِي يَتَصَدَّى لَهَا الْقُرْآنُ بِالْكَشْفِ وَالتَّنْدِيدِ وَبِالتَّكْذِيبِ وَالتَّفْنِيدِ.. وَهَذِهِ الْحَمْلَةُ، وَتَسْمِيَةُ الْيَهُودِ فِيهَا بِالْكَافِرِينَ، وَوَصْفُهُمْ بِأَنَّهُمْ " أَعْدَاءٌ " ، تَشِي بِشِدَّةِ مَا كَانَتْ تَلْقَاهُ الْجَمَاعَةُ الْمُسْلِمَةُ مِنْ هَذِهِ الْأَفَاعِيلِ، وَبِضَرُورَةِ التَّعَرُّضِ لَهَا بِالتَّفْنِيدِ وَالتَّكْذِيبِ، وَكَشْفِ مَا وَرَاءَهَا مِنْ أَهْدَافٍ خَبِيثَةٍ، وَبَوَاعِثَ خَبِيثَةٍ، مِنْ هَذِهِ الْجِبِلَّةِ الْخَبِيثَةِ الَّتِي لَمْ تَسْتَسْلِمْ أَبَدًا لِلْهُدَى فِي تَارِيخِهَا الطَّوِيلِ، وَلَمْ تَسْتَقِمْ عَلَى الْهُدَى إِلَّا رَيْثَمَا تَنْحَرِفُ وَتَقْتُلُ أَنْبِيَاءَهَا بِغَيْرِ الْحَقِّ. وَالَّتِي كَانَ يَدْفَعُهَا الْحِقْدُ وَالْحَسَدُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الرِّسَالَةَ - وَهُوَ مِنْ غَيْرِهِمْ - وَلِلْمُسْلِمِينَ أَنْ جَمْعَهُمُ اللَّهُ عَلَى الْهُدَى فَتَكِيدُ لَهُمْ هَذَا الْكَيْدَ الَّذِي لَمْ يَنْقَطِعْ مُنْذُ أَنِ اقْتَحَمَ الْإِسْلَامُ الْمَدِينَةَ عَلَيْهِمْ، إِلَى يَوْمِنَا هَذَا. وَالَّذِي مَا يَزَالُ هُوَ هُوَ الْيَوْمَ وَغَدًا يَتَلَقَّى كُلَّ تَجَمُّعٍ إِسْلَامِيٍّ، وَكُلَّ حَرَكَةٍ إِسْلَامِيَّةٍ، وَكُلَّ بَعْثٍ إِسْلَامِيٍّ، عَلَى مَدَارِ الْقُرُونِ! وَلَقَدْ كَانَ التَّشْكِيكُ فِي نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرِسَالَتِهِ، هُوَ الْهَدَفُ الْأَوَّلُ لِحَمَلَاتِ الْيَهُودِ الَّذِي يَسْهُلُ بَعْدَ بُلُوغِهِ تَحْوِيلُ الْمُسْلِمِينَ عَنْ قِيَادَتِهِمُ الْأَمِينَةِ - بَعْدَ تَحْوِيلِهِمْ عَنْ عَقِيدَتِهِمُ الْقَوِيمَةِ. وَمِنْ ثَمَّ يَسْهُلُ تَفْتِيتُ الصَّفِّ الْمُسْلِمِ، وَإِيهَانُ تَمَاسُكِهِ. فَهَذَا التَّمَاسُكُ حَوْلَ الْعَقِيدَةِ الْقَوِيمَةِ وَالْقِيَادَةِ الْأَمِينَةِ، هُوَ الَّذِي يُتْعِبُ الْيَهُودَ وَأَعْدَاءَ الْجَمَاعَةِ الْمُسْلِمَةِ - فِي كُلِّ زَمَانٍ - وَهُوَ الَّذِي يُكَلِّفُهُمُ الْجُهْدَ وَالْمَشَقَّةَ. وَمِنْ ثَمَّ تَتَّجِهُ جُهُودُهُمْ أَوَّلًا لِتَحْطِيمِهِ. وَتَسْلِيمِ مَقَادَةِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الْهَوَى وَالْجَاهِلِيَّةِ مِنْ جَدِيدٍ! وَمِنْ ثَمَّ نَجِدُ فِي السُّورَةِ بَيَانًا لِلْحَقِيقَةِ الْبَسِيطَةِ فِي رِسَالَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهِيَ لَيْسَتْ بِدَعًا مِنْ الرِّسَالَاتِ وَلَا غَرِيبَةً مِنَ الْغَرَائِبِ، الَّتِي لَا عَهْدَ لِلْأَرْضِ بِهَا أَوْ لَا عَهْدَ بِهَا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْفُسِهِمْ. إِنَّمَا هِيَ حَلْقَةٌ مِنْ سِلْسِلَةِ الْحُجَّةِ الَّتِي يَأْخُذُهَا اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ قَبْلَ الْحِسَابِ. فَقَدْ أَوْحَى إِلَيْهِ كَمَا أَوْحَى إِلَى الرُّسُلِ مِنْ قَبْلِهِ. وَقَدْ آتَاهُ اللَّهُ النُّبُوَّةَ وَالْحُكْمَ، كَمَا آتَى أَنْبِيَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ! فَلَا غَرَابَةَ فِي رِسَالَتِهِ، وَلَا غَرَابَةَ فِي قِيَادَتِهِ، وَلَا غَرَابَةَ فِي حَاكِمِيَّتِهِ. وَكُلُّهَا مَأْلُوفٌ فِي عَالَمِ الرِّسَالَاتِ. وَكُلُّ تَعِلَّاتِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي هَذَا الْأَمْرِ كَاذِبَةٌ، وَكُلُّ شُبُهَاتِهِمْ كَذَلِكَ بَاطِلَةٌ. وَلَهُمْ سَوَابِقُ مِثْلُهَا مَعَ نَبِيِّهِمُ الْأَكْبَرُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَمَعَ أَنْبِيَائِهِمْ مِنْ بَعْدِهِ، وَبِخَاصَّةٍ مَعَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَمِنْ ثَمَّ لَا يَجُوزُ أَنْ يُلْقِيَ بَالَهُ إِلَيْهَا أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وَتَتَوَلَّى آيَاتٌ كَثِيرَةٌ فِي السُّورَةِ بَيَانَ هَذِهِ الْحَقِيقَةِ. نَقْتَطِفُ بَعْضَهَا فِي هَذَا الْمُجْمَلِ حَتَّى تَجِيءَ كُلُّهَا مَشْرُوحَةً فِي مَكَانِهَا مِنَ السِّيَاقِ: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا .. (163 - 166) .. يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً .. فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ .. وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ (153 - 157) . أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ .. (54 - 55) .. وَكَمَا تَتَوَلَّى السُّورَةُ نَصِيبَهَا مِنْ تَنْظِيمِ الْمُجْتَمَعِ الْمُسْلِمِ وَتَطْهِيرِهِ مِنْ رَوَاسِبِ الْجَاهِلِيَّةِ وَبَيَانِ مَعْنَى الدِّينِ، وَحَدِّ الْإِيمَانِ، وَشَرْطِ الْإِسْلَامِ وَتَرَتَّبَ عَلَى هَذَا الْبَيَانِ مُقْتَضَيَاتُهُ مِنَ الْمَبَادِئِ وَالتَّوْجِيهَاتِ الَّتِي أَسْلَفْنَا بَيَانَهَا بِصِفَةٍ عَامَّةٍ وَتَتَوَلَّى دَفْعَ شُبَهَاتِ الْيَهُودِ وَكَيْدِهِمْ - وَبِخَاصَّةٍ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِصِحَّةِ الرِّسَالَةِ - فَهِيَ كَذَلِكَ تَتَوَلَّى بَيَانَ بَعْضِ مُقَوِّمَاتِ التَّصَوُّرِ الْإِسْلَامِيِّ الْأَسَاسِيَّةِ، وَتَجْلُو عَنْهَا الْغَبْشَ. وَتُبَيِّنَ مَا فِي عَقِيدَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ - مِنَ النَّصَارَى - مِنْ غُلُوٍّ، بَعْدَ دَفْعِ الْمَقُولَاتِ الْيَهُودِيَّةِ الْكَاذِبَةِ عَنْ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأُمِّهِ الطَّاهِرَةِ، وَتُقَرِّرُ وَحْدَةَ الْأُلُوهِيَّةِ وَحَقِيقَةَ الْعُبُودِيَّةِ، وَتَبَيُّنُ حَقِيقَةَ قَدَرِ اللَّهِ وَعَلَاقَتِهِ بِخَلْقِهِ، وَحَقِيقَةِ الْأَجَلِ وَعَلَاقَتِهِ بِقَدَرِ اللَّهِ، وَحُدُودِ مَا يَغْفِرُهُ اللَّهُ مِنَ الذُّنُوبِ، وَحُدُودِ التَّوْبَةِ وَحَقِيقَتِهَا، وَقَوَاعِدِ الْعَمَلِ وَالْجَزَاءِ ... إِلَى آخَرِ هَذِهِ الْمُقَوِّمَاتِ الِاعْتِقَادِيَّةِ الْأَصِيلَةِ. وَذَلِكَ فِي مِثْلِ هَذِهِ النُّصُوصِ: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا .. (17 - 18) . يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا .. (26 - 28) .. إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا .. (آيَةُ 31) .. إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا .. (40) .. أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ .. (77 - 79) .. إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (116) .. لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا .. (123 - 124) .. مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا .. (147) .. إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا .. (150 - 152) .. يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا .. (171 - 173) .. ثُمَّ الْأُسُسُ الْأَخْلَاقِيَّةُ الرَّفِيعَةُ، الَّتِي يُقَامُ عَلَيْهَا بِنَاءُ الْمُجْتَمَعِ الْمُسْلِمِ.. وَالسُّورَةُ تَعْرِضُ مِنْ هَذِهِ الْأُسُسِ جَمْهَرَةً صَالِحَةً. سَبَقَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى بَعْضِهَا. فَالْعُنْصُرُ الْأَخْلَاقِيُّ أَصِيلٌ وَعَمِيقٌ فِي كِيَانِ التَّصَوُّرِ الْإِسْلَامِيِّ ، وَفِي كِيَانِ الْمُجْتَمَعِ الْمُسْلِمِ بِحَيْثُ لَا يَخْلُو مِنْهُ جَانِبٌ مِنْ جَوَانِبِ الْحَيَاةِ وَنَشَاطِهَا كُلِّهِ.. وَنَحْنُ نَكْتَفِي هُنَا بِالْإِشَارَةِ السَّرِيعَةِ الْمُجْمَلَةِ إِلَى بَعْضِ الْأُسُسِ الْمُسْتَمَدَّةِ مِنْ هَذَا الْعُنْصُرِ الْأَصِيلِ فِي حَيَاةِ الْجَمَاعَةِ الْمُسْلِمَةِ بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَا سَبَقَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ مِنْ مُحْتَوَيَاتِ السُّورَةِ.. إِنَّهُ مُجْتَمَعٌ يَقُومُ عَلَى الْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ وَحْدَهُ فَهُوَ مُجْتَمَعٌ مُتَحَرِّرٌ إِذَنْ مِنْ كُلِّ عُبُودِيَّةٍ لِلْعَبِيدِ، فِي أَيَّةِ صُورَةٍ مِنْ صُوَرِ الْعُبُودِيَّةِ، الْمُتَحَقِّقَةِ فِي كُلِّ نِظَامٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، مَا عَدَا النِّظَامَ الْإِسْلَامِيَّ الَّذِي تَتَوَحَّدُ فِيهِ الْأُلُوهِيَّةُ وَتَتَمَحَّضَ لِلَّهِ فَلَا تَخْلَعُ خَاصِّيَّةٌ مِنْ خَوَاصِّهَا عَلَى أَحَدٍ مِنْ عِبَادِهِ وَلَا يَدَيْنُ بِهَا النَّاسُ لِأَحَدٍ مِنْ عَبِيدِهِ.. وَمِنْ هَذِهِ الْحُرِّيَّةِ تَنْطَلِقُ الْفَضَائِلُ كُلُّهَا، وَتَنْطَلِقُ الْأَخْلَاقِيَّاتُ كُلُّهَا، لِأَنَّ مَرْجِعَهَا جَمِيعًا إِلَى ابْتِغَاءِ رَضْوَانِ اللَّهِ، وَمُرْتَقَاهَا مُمْتَدٌّ إِلَى التَّحَلِّي بِأَخْلَاقِ اللَّهِ، وَهِيَ مُبَرَّأَةٌ إِذَنْ مِنَ النِّفَاقِ وَالرِّيَاءِ، وَالتَّطَلُّعِ إِلَى غَيْرِ وَجْهِ اللَّهِ.. وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ الْكَبِيرُ فِي أَخْلَاقِيَّةِ الْإِسْلَامِ، وَفِي فَضَائِلِ الْمُجْتَمَعِ الْمُسْلِمِ.. ثُمَّ تَرُدُّ بَعْضَ مُفْرَدَاتِ الْعُنْصُرِ الْأَخْلَاقِيِّ - إِلَى جَانِبِ ذَلِكَ الْأَصْلِ الْكَبِيرِ - فِي السُّورَةِ.. فَهُوَ مُجْتَمَعٌ يَقُومُ عَلَى الْأَمَانَةِ. وَالْعَدْلِ. وَعَدَمِ أَكْلِ الْأَمْوَالِ بِالْبَاطِلِ. وَعَدَمِ النَّجْوَى وَالتَّآمُرِ إِلَّا فِي مَعْرُوفٍ. وَعَدَمِ الْجَهْرِ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ. وَالشَّفَاعَةِ الْحَسَنَةِ. وَالتَّحِيَّةِ الْحَسَنَةِ. وَمَنَعِ الْفَاحِشَةِ. وَتَحْرِيمِ السِّفَاحِ وَالْمُخَادَنَةِ. وَعَدَمِ الِاخْتِيَالِ وَالْفَخْرِ، وَالرِّيَاءِ وَالْبُخْلِ، وَالْحَسَدِ وَالْغِلِّ.. كَمَا يَقُومُ عَلَى التَّكَافُلِ وَالتَّعَاوُنِ وَالتَّنَاصُحِ وَالتَّسَامُحِ، وَالنَّخْوَةِ وَالنَّجْدَةِ، وَطَاعَةِ الْقِيَادَةِ الَّتِي لَهَا وَحْدَهَا حَقُّ الطَّاعَةِ.. إِلَخْ. وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ مُعْظَمِ النُّصُوصِ الَّتِي تُشِيرُ إِلَى هَذِهِ الْأُسُسِ.. وَسَيَرِدُ تَفْصِيلُهَا عِنْدَ اسْتِعْرَاضِهَا فِي مَوْضِعِهَا مِنَ السِّيَاقِ.. فَنَكْتَفِي هُنَا بِالْإِشَارَةِ إِلَى الْحَادِثِ الْفَذِّ، الَّذِي يُشِيرُ إِلَى الْقِمَّةِ السَّامِقَةِ، الَّتِي تَتَطَلَّعُ إِلَيْهَا أَنْظَارُ الْإِنْسَانِيَّةِ، وَتَظَلُّ تَتَطَلَّعُ، وَلَا تَبْلُغُ إِلَيْهَا أَبَدًا - كَمَا لَمْ تَبْلُغْ إِلَيْهَا قَطُّ - إِلَّا فِي ظِلِّ هَذَا الْمَنْهَجِ الْفَرِيدِ الْعَجِيبِ: .. فِي الْوَقْتِ الَّذِي كَانَتْ يَهُودُ تَكِيدُ ذَلِكَ الْكَيْدَ الْجَاهِدَ لِلْإِسْلَامِ وَنَبِيِّهِ، وَلِلصَّفِّ الْمُسْلِمِ وَقِيَادَتِهِ.. كَانَ الْقُرْآنُ يَصْنَعُ الْأُمَّةَ الْمُسْلِمَةَ عَلَى عَيْنِ اللَّهِ ، فَيَرْتَفِعُ بِتَصَوُّرَاتِهَا وَأَخْلَاقِهَا، وَنِظَامِهَا وَإِجْرَاءَاتِهَا إِلَى الْقِمَّةِ السَّامِقَةِ.. وَكَانَ يُعَالِجُ حَادِثًا يَتَعَلَّقُ بِيَهُودِيٍّ فَرْدٍ، هَذَا الْعِلَاجُ الَّذِي سَنَذْكُرُهُ.. كَانَ اللَّهُ يَأْمُرُ الْأُمَّةَ الْمُسْلِمَةَ بِالْأَمَانَةِ الْمُطْلَقَةِ، وَبِالْعَدْلِ الْمُطْلَقِ بَيْنَ النَّاسِ .. النَّاسُ عَلَى اخْتِلَافِ أَجْنَاسِهِمْ وَعَقَائِدِهِمْ، وَقَوْمِيَّاتِهِمْ وَأَوْطَانِهِمْ.. كَانَ يَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا .. (آيَةُ 58) .. وَكَانَ يَقُولُ لَهُمْ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا .. ثُمَّ.. كَانَتِ الْآيَاتُ ذَوَاتُ الْعَدَدِ مِنَ الْقُرْآنِ تَتَنَزَّلُ لِإِنْصَافِ يَهُودِيٍّ.. فَرْدٍ.. مِنِ اتِّهَامٍ ظَالِمٍ، وَجَّهَتْهُ إِلَيْهِ عُصْبَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْأَنْصَارِ ، مِمَّنْ لَمْ تَرْسُخْ فِي قُلُوبِهِمْ هَذِهِ الْمَبَادِئُ السَّامِقَةُ بَعْدُ، وَلَمْ تُخْلِصْ نُفُوسُهُمْ مِنْ رَوَاسِبِ الْجَاهِلِيَّةِ كُلَّ الْخُلُوصِ. فَدَفَعَتْهُمْ عَصَبِيَّةُ الدَّمِ وَالْعَشِيرَةِ إِلَى تَبْرِئَةِ أَحَدِهِمْ بِاتِّهَامِ هَذَا الْيَهُودِيِّ! وَالتَّوَاطُؤِ عَلَى اتِّهَامِهِ، وَالشَّهَادَةِ ضِدَّهُ - فِي حَادِثِ سَرِقَةِ دِرْعٍ - أَمَامَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى كَادَ أَنْ يَقْضِيَ عَلَيْهِ بِحَدِّ السَّرِقَةِ، وَيُبَرِّئَ الْفَاعِلَ الْأَصْلِيَّ! تَنَزَّلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ ذَوَاتُ الْعَدَدِ، فِيهَا عِتَابٌ شَدِيدٌ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِيهَا إِنْحَاءٌ بِاللَّائِمَةِ عَلَى الْعُصْبَةِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الَّذِينَ آوَوُا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ.. إِنْصَافًا لِيَهُودِيٍّ، مِنْ تِلْكَ الْفِئَةِ الَّتِي تُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَشَدَّ الْإِيذَاءِ، وَتَنْصَبُّ لِدَعْوَتِهِ، وَتَكِيدُ لَهُ وَلِلْمُسْلِمِينَ هَذَا الْكَيْدَ اللَّئِيمَ! وَفِيهَا تَهْدِيدٌ وَإِنْذَارٌ لِمَنْ يَكْسِبُ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِي بِهِ بَرِيئًا . وَفِيهَا - مِنْ ثَمَّ - تِلْكَ النَّقْلَةُ الْعَجِيبَةُ، إِلَى تِلْكَ الْقِمَّةِ السَّامِقَةِ، وَتِلْكَ الْإِشَارَةِ الْوَضِيئَةِ إِلَى ذَلِكَ الْمُرْتَقَى الصَّاعِدِ. لَقَدْ تَنَزَّلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ كُلُّهَا فِي حَادِثِ ذَلِكَ الْيَهُودِيِّ.. مَنْ يَهُودَ .. إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا .. (105 - 116) .. فَمَاذَا؟ مَاذَا يَمْلِكُ الْإِنْسَانُ أَنْ يَقُولَ؟ إِلَّا أَنَّهُ الْمَنْهَجُ الْفَرِيدُ، الَّذِي يَمْلِكُ - وَحْدَهُ - أَنْ يَلْتَقِطَ الْجَمَاعَةَ الْبَشَرِيَّةَ، مِنْ سَفْحِ الْجَاهِلِيَّةِ ذَاكَ فَيَرْتَقِي بِهَا فِي ذَلِكَ الْمُرْتَقَى الصَّاعِدِ فَيَبْلُغُ بِهَا إِلَى تِلْكَ الْقِمَّةِ السَّامِقَةِ، فِي مِثْلِ هَذَا الزَّمَنِ الْقَصِيرِ؟! وَالْآنَ نَكْتَفِي بِهَذِهِ التَّقْدِمَةِ لِلسُّورَةِ، وَمَوْضُوعَاتِهَا، وَخَطِّ سَيْرِهَا.. وَقَدْ أَشَرْنَا إِلَى ذَلِكَ الْحَشْدِ مِنَ الْحَقَائِقِ وَالتَّصَوُّرَاتِ، وَالتَّوْجِيهَاتِ وَالتَّشْرِيعَاتِ، الَّتِي تَتَضَمَّنُهَا.. مُجَرَّدُ إِشَارَةٍ.. عَسَى أَنْ نَبْلُغَ شَيْئًا فِي بَيَانِهَا التَّفْصِيلِيِّ، عِنْدَ اسْتِعْرَاضِ النُّصُوصِ فِي مَكَانِهَا مِنَ السِّيَاقِ.. وَالْمُوَفِّقُ هُوَ اللَّهُ..

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية