قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=56&ayano=81أفبهذا الحديث أنتم مدهنون وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين [ ص: 206 ] قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=56&ayano=81أفبهذا الحديث يعني القرآن
nindex.php?page=tafseer&surano=56&ayano=81أنتم مدهنون أي : مكذبون ؛ قاله
ابن عباس nindex.php?page=showalam&ids=16568وعطاء وغيرهما . والمدهن : الذي ظاهره خلاف باطنه ، كأنه شبه بالدهن في سهولة ظاهره . وقال
مقاتل بن سليمان وقتادة : مدهنون كافرون ، نظيره :
nindex.php?page=tafseer&surano=68&ayano=9ودوا لو تدهن فيدهنون . وقال
المؤرج : المدهن : المنافق أو الكافر الذي يلين جانبه ليخفي كفره ، والإدهان والمداهنة : التكذيب والكفر والنفاق ، وأصله اللين ، وأن يسر خلاف ما يظهر ، وقال
أبو قيس بن الأسلت :
الحزم والقوة خير من الإدهان والفهة والهاع
وأدهن وداهن واحد . وقال قوم : داهنت بمعنى واريت وأدهنت بمعنى غششت . وقال
الضحاك :
nindex.php?page=tafseer&surano=56&ayano=81مدهنون معرضون .
مجاهد : ممالئون الكفار على الكفر به .
ابن كيسان : المدهن : الذي لا يعقل ما حق الله عليه ، ويدفعه بالعلل . وقال بعض اللغويين :
nindex.php?page=tafseer&surano=56&ayano=81مدهنون تاركون للجزم في قبول القرآن .
nindex.php?page=treesubj&link=29027قوله تعالى : nindex.php?page=tafseer&surano=56&ayano=82وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون قال
ابن عباس : تجعلون شكركم التكذيب . وذكر
الهيثم بن عدي : أن من لغة
أزد شنوءة ما رزق فلان ؟ أي : ما شكره . وإنما صلح أن يوضع اسم الرزق مكان شكره ، لأن
nindex.php?page=treesubj&link=19614شكر الرزق يقتضي الزيادة فيه فيكون الشكر رزقا على هذا المعنى . فقيل :
nindex.php?page=tafseer&surano=56&ayano=82وتجعلون رزقكم أي : شكر رزقكم الذي لو وجد منكم لعاد رزقا لكم
nindex.php?page=tafseer&surano=56&ayano=82أنكم تكذبون بالرزق أي : تضعوا الرزق مكان الشكر ، كقوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=8&ayano=35وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية أي : لم يكونوا يصلون ولكنهم كانوا يصفرون ويصفقون مكان الصلاة . ففيه بيان أن ما أصاب العباد من خير فلا ينبغي أن يروه من قبل الوسائط التي جرت العادة بأن تكن أسبابا ، بل ينبغي أن يروه من قبل الله تعالى ، ثم يقابلونه بشكر إن كان نعمة ، أو صبر إن كان مكروها تعبدا له وتذللا . وروي عن
علي بن أبي طالب رضي الله عنه
nindex.php?page=hadith&LINKID=831312أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ : " وتجعلون شكركم أنكم تكذبون " حقيقة . وعن
ابن عباس [ ص: 207 ] أيضا : أن المراد به
nindex.php?page=treesubj&link=30546الاستسقاء بالأنواء ، وهو قول العرب :
nindex.php?page=treesubj&link=30546مطرنا بنوء كذا ، رواه
علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم . وفي صحيح
مسلم عن
ابن عباس قال :
nindex.php?page=hadith&LINKID=831313مطر الناس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر ، قالوا : هذه رحمة الله ، وقال بعضهم : لقد صدق نوء كذا وكذا ، قال : فنزلت هذه الآية : nindex.php?page=tafseer&surano=56&ayano=75فلا أقسم بمواقع النجوم حتى بلغ : nindex.php?page=tafseer&surano=56&ayano=82وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون . وعنه أيضا
أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في سفر فعطشوا فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أرأيتم إن دعوت الله لكم فسقيتم لعلكم تقولون : هذا المطر بنوء كذا فقالوا : يا رسول الله ما هذا بحين الأنواء . فصلى ركعتين ، ودعا ربه ، فهاجت ريح ، ثم هاجت سحابة ، فمطروا ، فمر النبي صلى الله عليه وسلم ومعه عصابة من أصحابه برجل يغترف بقدح له وهو يقول : سقينا بنوء كذا ، ولم يقل هذا من رزق الله فنزلت : nindex.php?page=tafseer&surano=56&ayano=82وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون أي : شكركم لله على رزقه إياكم
nindex.php?page=tafseer&surano=56&ayano=82أنكم تكذبون بالنعمة وتقولون : سقينا بنوء كذا ، كقولك : جعلت إحساني إليك إساءة منك إلي ، وجعلت إنعامي لديك أن اتخذتني عدوا . وفي الموطإ عن
زيد بن خالد الجهني أنه قال :
nindex.php?page=hadith&LINKID=831314صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل ، فلما انصرف أقبل على الناس وقال : أتدرون ماذا قال ربكم قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بالكوكب ، فأما من قال : مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب ، وأما من قال : مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك مؤمن بالكوكب كافر بي . قال
nindex.php?page=showalam&ids=13790الشافعي رحمه الله : لا أحب أحدا أن يقول مطرنا بنوء كذا وكذا ، وإن كان النوء عندنا الوقت المخلوق لا يضر ولا ينفع ، ولا يمطر ولا يحبس شيئا من المطر ، والذي أحب أن يقول : مطرنا وقت كذا ، كما تقول مطرنا شهر كذا ، ومن
nindex.php?page=treesubj&link=30546قال : مطرنا بنوء كذا ، وهو يريد أن النوء أنزل الماء ، كما عنى بعض أهل الشرك من الجاهلية بقوله فهو كافر ، حلال دمه إن لم يتب . وقال
أبو عمر بن عبد البر : وأما قوله عليه الصلاة والسلام حاكيا عن الله سبحانه :
nindex.php?page=hadith&LINKID=831315أصبح من [ ص: 208 ] عبادي مؤمن بي وكافر فمعناه عندي على وجهين ؛ أما أحدهما : فإن
nindex.php?page=treesubj&link=30546_10015المعتقد بأن النوء هو الموجب لنزول الماء ، وهو المنشئ للسحاب دون الله عز وجل فذلك كافر كفرا صريحا يجب استتابته عليه وقتله إن أبى ؛ لنبذه الإسلام ورده القرآن . والوجه الآخر أن يعتقد أن النوء ينزل الله به الماء ، وأنه سبب الماء على ما قدره الله وسبق في علمه ، وهذا وإن كان وجها مباحا ، فإن فيه أيضا كفرا بنعمة الله عز وجل ، وجهلا بلطيف حكمته في أنه ينزل الماء متى شاء ، مرة بنوء كذا ، ومرة بنوء كذا ، وكثيرا ما ينوء النوء فلا ينزل معه شيء من الماء ، وذلك من الله تعالى لا من النوء . وكذلك كان
nindex.php?page=showalam&ids=3أبو هريرة يقول إذا أصبح وقد مطر : مطرنا بنوء الفتح ، ثم يتلو :
nindex.php?page=tafseer&surano=35&ayano=2ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها قال
أبو عمر : وهذا عندي نحو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم :
nindex.php?page=hadith&LINKID=831316مطرنا بفضل الله ورحمته . ومن هذا الباب قول
عمر بن الخطاب nindex.php?page=showalam&ids=18للعباس بن عبد المطلب حين استسقى به : يا عم رسول الله صلى الله عليه وسلم كم بقي من نوء الثريا ؟ فقال العباس : العلماء يزعمون أنها تعترض في الأفق سبعا بعد سقوطها . فما مضت سابعة حتى مطروا ، فقال عمر : الحمد لله هذا بفضل الله ورحمته . وكان
عمر رحمه الله قد علم أن نوء الثريا وقت يرجى فيه المطر ويؤمل فسأله عنه ، أخرج أم بقيت منه بقية ؟ . وروى
سفيان بن عيينة عن
إسماعيل بن أمية أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلا في بعض أسفاره يقول : مطرنا ببعض عثانين الأسد ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كذبت بل هو سقيا الله عز وجل قال
سفيان : عثانين الأسد الذراع والجبهة . وقراءة العامة تكذبون من التكذيب . وقرأ
المفضل عن
عاصم ويحيى بن وثاب " تكذبون " بفتح التاء مخففا . ومعناه ما قدمناه من قول من قال : مطرنا بنوء كذا . وثبت من حديث
أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
nindex.php?page=hadith&LINKID=866387ثلاث لن يزلن في أمتي : التفاخر في الأحساب ، والنياحة ، والأنواء ، ولفظ
مسلم في هذا
nindex.php?page=hadith&LINKID=831317أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن : الفخر في الأحساب ، والطعن في الأنساب ، والاستسقاء بالنجوم ، والنياحة .
قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=56&ayano=83فلولا إذا بلغت الحلقوم أي : فهلا إذا بلغت النفس أو الروح الحلقوم . ولم يتقدم لها ذكر ، لأن المعنى معروف .
قال حاتم :
[ ص: 209 ] أماوي ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر
وفي حديث :
إن ملك الموت له أعوان يقطعون العروق ، يجمعون الروح شيئا فشيئا حتى ينتهي بها إلى الحلقوم ، فيتوفاها ملك الموت .
nindex.php?page=tafseer&surano=56&ayano=84وأنتم حينئذ تنظرون أمري وسلطاني . وقيل : تنظرون إلى الميت لا تقدرون له على شيء . وقال
ابن عباس : يريد من حضر من أهل الميت ينتظرون متى تخرج نفسه . ثم قيل : هو رد عليهم في قولهم لإخوانهم
nindex.php?page=tafseer&surano=3&ayano=156لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا أي : فهل ردوا روح الواحد منهم إذا بلغت الحلقوم . وقيل المعنى : فهلا إذا بلغت نفس أحدكم الحلقوم عند النزع وأنتم حضور - أمسكتم روحه في جسده ، مع حرصكم على امتداد عمره ، وحبكم لبقائه . وهذا رد لقولهم :
nindex.php?page=tafseer&surano=45&ayano=24نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر . وقيل : هو خطاب لمن هو في النزع ، أي : إن لم يك ما بك من الله فهلا حفظت على نفسك الروح .
nindex.php?page=tafseer&surano=56&ayano=85ونحن أقرب إليه منكم أي : بالقدرة والعلم والرؤية . قال
عامر بن عبد القيس : ما نظر إلى شيء إلا رأيت الله تعالى أقرب إلي منه . وقيل : أراد ورسلنا الذين يتولون قبضه أقرب إليه منكم
nindex.php?page=tafseer&surano=56&ayano=85ولكن لا تبصرون أي : لا ترونهم .
قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=56&ayano=86فلولا إن كنتم غير مدينين أي : فهلا إن كنتم غير محاسبين ولا مجزيين بأعمالكم ، ومنه قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=37&ayano=53أإنا لمدينون أي : مجزيون محاسبون . وقد تقدم . وقيل : غير مملوكين ولا مقهورين . قال
الفراء وغيره : دنته ملكته ، وأنشد
للحطيئة :
لقد دينت أمر بنيك حتى تركتهم أدق من الطحين
يعني : ملكت . ودانه أي : أذله واستعبده ، يقال : دنته فدان . وقد مضى في ( الفاتحة ) القول في هذا عند قوله تعالى : يوم الدين .
nindex.php?page=tafseer&surano=56&ayano=87ترجعونها ترجعون الروح إلى الجسد .
nindex.php?page=tafseer&surano=56&ayano=87إن كنتم صادقين أي : ولن ترجعوها فبطل زعمكم أنكم غير مملوكين ولا محاسبين . وترجعونها جواب لقوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=56&ayano=83فلولا إذا بلغت الحلقوم ولقوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=56&ayano=86فلولا إن كنتم غير مدينين أجيبا بجواب واحد ؛ قاله
الفراء . وربما أعادت العرب الحرفين ومعناهما واحد ، ومنه قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=38فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون أجيبا بجواب واحد وهما شرطان . وقيل : حذف أحدهما لدلالة الآخر عليه . وقيل : فيها تقديم
[ ص: 210 ] وتأخير ، مجازها : فلولا وهلا إن كنتم غير مدينين ترجعونها ، تردون نفس هذا الميت إلى جسده إذا بلغت الحلقوم .