الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                جزء صفحة
                                صحيح البخاري 29 - بَابٌ مِنْ أَدْرَكَ مِنَ الصَّلَاةِ رَكْعَةً 555 580 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ : أَبَنَا مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : ( مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ ) . فتح الباري لابن رجب رَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مَالِكٍ ، وَقَالَ فِيهِ : ( مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ ) ، وَهُوَ وَهْمٌ عَلَى مَالِكٍ ، وَإِنَّمَا حَدِيثُ مَالِكٍ : ( مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ ) . وَخَرَّجَهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ : ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : ثَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ . يَعْنِي : الْحَدِيثَ الَّذِي خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْبَابِ الْمَاضِي . وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي ( الْعِلَلِ ) أَنَّهُ لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ عَنْهُ - يَعْنِي : عَنْ مَعْمَرٍ . وَذَكَرَ أَنَّ عَبْدَ الرَّزَّاقِ رَوَاهُ بِخِلَافٍ ذَلِكَ . قَالَ : وَرُوِيَ - أَيْضًا - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ وَسُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ - يَعْنِي : بِذِكْرِ الْعَصْرِ وَالْفَجْرِ . وَالْمَحْفُوظُ : عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي حَدِيثِ : ( مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ ) . وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى ذَلِكَ : فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : مَعْنَاهُ : إِدْرَاكُ وَقْتِ الصَّلَاةِ ، كَمَا فِي حَدِيثِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ وَبُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ وَالْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي سَبَقَ فِي الْبَابِ الْمَاضِي . وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ فِي هَذَا الْبَابِ عَمَّارُ بْنُ مَطَرٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَقَالَ فِيهِ : ( فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ وَوَقَتْهَا ) . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَمْ يَقُلْهُ عَنْ مَالِكٍ غَيْرُ عَمَّارٍ ، وَهُوَ مَجْهُولٌ لَا يُحْتَجُّ بِهِ . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مَعْنَاهُ : إِدْرَاكُ الْجَمَاعَةِ . وَيَشْهَدُ لَهُ مَا خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَلَفْظُهُ : ( مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ ) . وَهَؤُلَاءِ لَهُمْ فِي تَفْسِيرِ إِدْرَاكِ الْجَمَاعَةِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْمُرَادَ إِدْرَاكُ فَضْلِ الْجَمَاعَةِ وَتَضْعِيفِهَا . وَرَوَى نُوحُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ هَذَا الْحَدِيثَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، قَالَ : ( مَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ جَالِسًا قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ فَقَدْ أَدْرَكَ الْجَمَاعَةَ وَفَضْلَهَا ) . خَرَّجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ . وَقَالَ : نُوحٌ مَتْرُوكٌ . وَقَدْ وَهِمَ فِي لَفْظِهِ ، وَخَالَفَ جَمِيعَ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ ، وَوَهِمَ - أَيْضًا - فِي إِسْنَادِهِ ، فَإِنَّهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ لَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ . مَعَ أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدٍ ، وَلَيْسَ بِمَحْفُوظٍ . وَرَوَى أَبُو الْحَسَنِ بْنُ جَوْصَا فِي ( مُسْنَدِ الْأَوْزَاعِيِّ ) : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَمْزَةَ : ثَنَا أَبِي : عَنْ أَبِيهِ يَحْيَى بْنِ حَمْزَةَ : حَدَّثَنِي الْأَوْزَاعِيُّ ، أَنَّهُ سَأَلَ الزُّهْرِيَّ عَنْ رَجُلٍ أَدْرَكَ مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةَ رَكْعَةً ؟ فَقَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( مَنْ أَدْرَكَ مِنْ صَلَاةِ رَكْعَةً فَقَدْ أَدْرَكَ فَضِيلَةَ الْجَمَاعَةِ ) . وَهَذَا اللَّفْظُ - أَيْضًا - غَيْرُ مَحْفُوظٍ . وَأَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَمْزَةَ ، ضَعَّفُوهُ ; ذَكَرَهُ الْحَاكِمُ أَبُو أَحْمَدَ فِي ( كِتَابِ الْكُنَى ) . وَرَوَى أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيِّ - وَاسْمُهُ : عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ - هَذَا الْحَدِيثَ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ : ( فَقَدْ أَدْرَكَ الْفَضْلَ ) . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الرُّوَاةِ قَالَهُ عَنْ مَالِكٍ غَيْرُهُ . قَالَ : وَرَوَاهُ نَافِعُ بْنُ يَزِيدٍ ، عَنْ يَزِيدِ بْنِ الْهَادِ ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : ( مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ وَفَضْلَهَا ) . قَالَ : وَهَذَا اللَّفْظُ - أَيْضًا - لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ غَيْرُ عَبْدِ الْوَهَّابِ هَذَا ، وَلَيْسَ مِمَّنْ يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ . قَالَ : وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنِ ابْنِ الْهَادِي ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، فَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْإِسْنَادِ : ( عَبْدَ الْوَهَّابِ ) ، وَلَا جَاءَ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَا يُدْرِكُ بِهِ فَضْلُ الْجَمَاعَةِ مَعَ الْإِمَامِ : فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : لَا يُدْرَكُ بِدُونِ إِدْرَاكِ رَكْعَةٍ تَامَّةٍ ; لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ . وَقَدْ رَوَاهُ قُرَّةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَزَادَ فِيهِ : ( قَبْلَ أَنْ يُقِيمَ الْإِمَامُ صُلْبَهُ ) . خَرَّجَ حَدِيثَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي ( صَحِيحِهِ ) وَالدَّارَقُطْنِيُّ . وَلَيْسَ هَذَا اللَّفْظُ بِمَحْفُوظٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ - أَيْضًا - ، وَقُرَّةُ هَذَا مُخْتَلَفٌ فِي أَمْرِهِ ، وَتَفَرَّدَ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْهُ يَحْيَى بْنُ حُمَيْدٍ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ ، وَقَدْ أَنْكَرَهَا عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ وَالْعُقَيْلِيُّ وَابْنُ عَدِيٍّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُمْ . وَحُكِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ مَالِكٍ : أَنَّهُ لَا يُدْرَكُ الْجَمَاعَةُ بِدُونِ رَكْعَةٍ . وَذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى مِنْ أَصْحَابِنَا مَذْهَبًا لِأَحْمَدَ ، وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا . وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ ، حَتَّى قَالَ : إِذَا سَلَّمَ إِمَامُهُ ، فَإِنْ شَاءَ تَكَلُّمَ ، فَلَمْ يَكُنْ فِي صَلَاةٍ ، قَدْ فَاتَتْهُ الرَّكْعَةُ . خَرَّجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْهُ . وَخَرَّجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، قَالَ : ( مَنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ ) . وَخَرَّجَهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ . وَفِي إِسْنَادِهِ مَنْ ضُعِّفَ . وَخَرَّجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَزْهَرِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ . قَالَ الْحَافِظُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْمَقْدِسِيُّ : لَا أَعْلَمُ لَهُ عِلَّةٌ . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : تُدْرَكُ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ بِإِدْرَاكِ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي وَائِلٍ . وَقَالَ قَتَادَةُ : إِنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ أَدْرَكَ قَوْمًا جُلُوسًا فِي آخِرِ صَلَاتِهِمْ ، فَقَالَ : قَدْ أَدْرَكْتُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ عِنْدَ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَأَتْبَاعِهِ ، حَتَّى قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : هُوَ إِجْمَاعٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ; وَلَكِنْ لَيْسَ بِإِجْمَاعٍ كَمَا تَقَدَّمَ . وَرَوَى ابْنُ عَدِيٌّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ جَابِرٍ ، عَنْ أَبَانَ بْنِ طَارِقٍ ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ شِنْظِيرٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : ( مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ فَضْلَ الْجَمَاعَةِ ، وَمَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ فَقَدْ أَدْرَكَ فَضْلَ الْجَمَاعَةِ ) . قَالَ : وَكُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقُوا فَقَدْ أَدْرَكَ فَضْلَ الْجَمَاعَةِ . وَلَيْسَ هَذَا بِمَحْفُوظٍ ، وَأَبَانُ بْنُ طَارِقٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَابِرٍ ضَعِيفَانِ . وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ شِنْظِيرٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : إِذَا انْتَهَى إِلَى الْقَوْمِ وَهُمْ قُعُودٌ فِي آخِرِ صَلَاتِهِمْ فَقَدْ دَخَلَ فِي التَّضْعِيفِ ، وَإِذَا انْتَهَى إِلَيْهِمْ وَقَدْ سَلَّمَ الْإِمَامُ ، وَلَمْ يَتَفَرَّقُوا فَقَدْ دَخَلَ فِي التَّضْعِيفِ . قَالَ عَطَاءٌ : وَكَانَ يُقَالُ : إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ وَهُوَ يَنْوِيهِمْ ، فَأَدْرَكَهُمْ أَوْ لَمْ يُدْرِكْهُمْ فَقَدْ دَخَلَ فِي التَّضْعِيفِ . وَهَذَا الْمَوْقُوفُ أَصَحُّ . وَكَذَا قَالَ أَبُو سَلَمَةَ : مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ الْإِمَامُ فَقَدْ أَدْرَكَ . وَمَعْنَى هَذَا كُلِّهِ : أَنَّهُ يُكْتَبُ لَهُ ثَوَابُ الْجَمَاعَةِ ; لَمَّا نَوَاهَا وَسَعَى إِلَيْهَا ، وَإِنْ كَانَتْ قَدْ فَاتَتْهُ ، كَمَنْ نَوَى قِيَامَ اللَّيْلِ ثُمَّ نَامَ عَنْهُ ، وَمَنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ فَعَجَزَ عَنْهُ بِمَرَضٍ أَوْ سِفْرٍ ، فَإِنَّهُ يُكْتَبُ لَهُ أَجْرُهُ . وَيَشْهَدُ لِهَذَا : مَا خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : ( مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ، ثُمَّ رَاحَ فَوَجَدَ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا ، أَعْطَاهُ اللَّهُ مِثْلَ أَجْرِ مَنْ صَلَّاهَا وَحَضَرَهَا ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أَجْرِهِمْ شَيْئًا ) . وَخَرَّجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ ، سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : ( إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ، ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ فَصَلَّى فِي جَمَاعَةٍ غُفِرَ لَهُ ، فَإِنْ أَتَى الْمَسْجِدَ وَقَدْ صَلَّوْا بَعْضًا وَبَقِيَ بَعْضٌ فَصَلَّى مَا أَدْرَكَ وَأَتَمَّ مَا بَقِيَ كَانَ كَذَلِكَ ، فَإِنْ أَتَى الْمَسْجِدَ وَقَدْ صَلَّوْا فَأَتَمَّ الصَّلَاةَ كَانَ كَذَلِكَ ) . وَخَرَّجَ النَّسَائِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : ( مَنْ تَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ ، ثُمَّ مَشَى إِلَى الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ ، فَصَلَّاهَا مَعَ النَّاسِ ، أَوْ مَعَ الْجَمَاعَةِ ، أَوْ فِي الْمَسْجِدِ غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ ) . وَلَا خِلَافَ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ أَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تُدْرَكُ بِدُونِ إِدْرَاكِ رَكْعَةٍ تَامَّةٍ ; لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ شَرْطٌ لَهَا ، وَهَذَا مِمَّا يُقَوِّي الْقَوْلَ بِأَنَّ الْجَمَاعَةَ لَا تُدْرَكُ بِدُونِ إِدْرَاكٍ رَكْعَةٍ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : أَنَّ الْمُرَادَ بِإِدْرَاكِ الرَّكْعَةِ فِي الْجَمَاعَةِ إِدْرَاكُ جَمِيعِ أَحْكَامِ الْجَمَاعَةِ ، مِنَ الْفَضْلِ ، وَسُجُودِ السَّهْوِ ، وَحُكْمِ الْإِتْمَامِ ، وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ . فَعَلَى هَذَا ; إِذَا أَدْرَكَ الْمُسَافِرُ الْمُقِيمَ فِي التَّشَهُّدِ الْآخِرِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِتْمَامُ ، وَإِنْ أَدْرَكَ مَعَهُ رَكْعَةً تَامَّةً فَأَكْثَرَ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ ، وَإِذَا خَرَجَ مِنْ بَلَدِهِ مُسَافِرًا وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ قَدْرُ رَكْعَةٍ قَصَرَ الصَّلَاةَ ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ قَدْرِ رَكْعَةٍ أَتَمَّهَا ، وَإِذَا أَدْرَكَ الْمَسْبُوقُ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً لَزِمَهُ أَنْ يَسْجُدَ مَعَهُ لِسَهْوِهِ ، سَوَاءٌ أَدْرَكَهُ فِي ذَلِكَ السَّهْوِ أَوْ لَمْ يُدْرِكْهُ ، وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ مَعَهُ رَكْعَةً لَمْ يَلْزَمْهُ السُّجُودُ لَهُ . هَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ مَالِكٍ . وَوَافَقَهُ اللَّيْثُ وَالْأَوْزَاعِيُّ فِي مَسْأَلَةِ سُجُودِ السَّهْوِ . وَوَافَقَهُ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ - فِي الْمُسَافِرِ إِذَا أَدْرَكَ مِنْ صَلَاةِ الْمُقِيمِ أَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ فَدَخَلَ مَعَهُ أَنَّ لَهُ أَنْ يُقْصِرَ . وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ . وَكَذَا قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي ائْتِمَامِ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ ، وَمَنْ يُصَلِّي فَرْضًا خَلَفَ مَنْ يُصَلِّي فَرْضًا آخَرَ ، أَنَّهُ إِنْ أَدْرَكَ مَعَهُ دُونَ رَكْعَةٍ جَازَ ائْتِمَامُهُ بِهِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ مَعَهُ مَا يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ صَلَاةٍ ، وَإِنْ أَدْرَكَ مَعَهُ رَكْعَةً فَصَاعِدًا لَمْ يُجِزِ ائْتِمَامُهُ بِهِ . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى : قَوْلُهُ : ( مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ ) يَدْخُلُ فِي عُمُومِهِ إِدْرَاكُ الْوَقْتِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَدَاءِ الصَّلَاةِ ، وَإِدْرَاكُ الْجَمَاعَةِ كَمَا تَقَدَّمَ . وَيَدْخُلُ فِيهِ - أَيْضًا - إِدْرَاكُ قَدْرِ رَكْعَةٍ مِنْ وَقْتِ الْوُجُوبِ إِذَا زَالَ عُذْرُ الْمَعْذُورِ فِي آخِرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ . فَلَوْ طَهُرَتْ مِنْ حَيْضِهَا فِي آخِرِ الْوَقْتِ وَقَدْ بَقِيَ مِنْهُ قَدْرُ رَكْعَةٍ لَزِمَهَا الْقَضَاءُ ، وَإِنْ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ قَدْرُ رَكْعَةٍ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهَا . وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَاللَّيْثِ ، وَأَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ ، حَكَاهَا أَبُو الْفَتْحِ الْحَلْوَانِيُّ وَغَيْرُهُ . وَالْمَشْهُورُ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ : أَنَّهُ يُعْتَبَرُ إِدْرَاكُ قَدْرِ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ مِنَ الْوَقْتِ إِذَا زَالَ الْعُذْرُ . وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَحُكِيَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ . وَكَذَا الْمَشْهُورُ عِنْدَ أَصْحَابِ أَحْمَدَ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ فِيمَا إِذَا طَرَأَ الْعُذْرُ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ فِي أَوَّلِهِ . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا كَابْنِ بَطَّةَ وَابْنِ أَبِي مُوسَى : يُعْتَبَرُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ ذَهَابُ وَقْتٍ يُمْكِنُ فِيهِ أَدَاءُ الصَّلَاةِ كُلِّهَا ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَإِسْحَاقَ . وَالْقَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ فِي اعْتِبَارِ رَكْعَةٍ وَقَدْرِ تَكْبِيرَةٍ فِيمَا إِذَا زَالَ الْعُذْرُ فِي آخِرِ الْوَقْتِ كَالْحَائِضِ تَطْهُرُ . فَإِنْ طَرَأَ الْعُذْرُ فِي أَوَّلِهِ كَالطَّاهِرِ تَحِيضُ ، فَلِأَصْحَابِنَا طَرِيقَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي زَوَالِهِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ . وَالثَّانِي ، وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ عِنْدَهُمْ : يُعْتَبَرُ ذَهَابُ قَدْرِ الصَّلَاةِ بِكَمَالِهَا . فَإِنْ طَرَأَ الْعُذْرُ قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا قَضَاءَ ، كَمَا قَالَهُ ابْنُ بَطَّةَ وَابْنُ أَبِي مُوسَى مِنْ أَصْحَابِنَا . وَفَرَّقُوا بَيْنَ أَوَّلِ الْوَقْتِ وَآخِرِهِ ، فَإِنَّ أَوَّلَ الْوَقْتِ إِذَا لَمْ يَمْضِ قَدْرُ التَّمَكُّنِ مِنَ الْفِعْلِ كَانَ الْإِلْزَامُ بِالْفِعْلِ تَكْلِيفًا بِمَا لَا يُطَاقُ ، وَأَمَّا فِي آخِرِ الْوَقْتِ فَيُمَكَّنُ فِعْلُ مَا أَدْرَكَهُ فِي الْوَقْتِ ، وَيُكْمِلُهُ بَعْدَ الْوَقْتِ ، وَيَكُونُ كُلُّهُ أَدَاءً عَلَى مَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ . وَأَمَّا مَنْ سَوَّى بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ فِي الْوُجُوبِ - وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا - فَقَالُوا : لَيْسَ ذَلِكَ تَكْلِيفًا لِمَا لَا يُطَاقُ ، فَإِنَّا لَا نُكَلِّفُ مَنْ طَرَأَ عَلَيْهِ الْعُذْرُ بِالْفِعْلِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي لَا يَتَمَكَّنُ فِيهِ ، بَلْ يَلْزَمُهُ فِي ذِمَّتِهِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ . وَخَرَّجَ ابْنُ سُرَيْجٍ قَوْلًا آخَرَ : أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ حَتَّى يُدْرِكَ جَمِيعَ الْوَقْتِ خَالِيًا مِنَ الْعُذْرِ مِنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ عَلَى الْمُسَافِرِ إِذَا سَافَرَ فِي أَثْنَاءِ الْوَقْتِ فَلَهُ الْقَصْرُ . وَفَرَّقَ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ بَيْنَهُمَا ، بِأَنَّ الْمُسَافِرَ وَالْمُقِيمَ كِلَاهُمَا تَجِبُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ ، لَكِنَّ الْمُسَافِرَ لَهُ الْقَصْرُ إِذَا صَلَّى فِي السَّفَرِ ، وَإِنْ لَزِمَتْهُ الصَّلَاةُ قَبْلَ ذَلِكَ فِي الْحَضَرِ ; اعْتِبَارًا فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ بِحَالِ أَدَائِهَا فِي وَقْتِهَا ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ قَادِرًا عَلَى الْقِيَامِ أَوِ الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ ثُمَّ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ فِي آخِرِهِ ، فَإِنَّهُ يُصَلِّي قَاعِدًا وَبِالتَّيَمُّمِ . وَمَذْهَبُ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ وَحَمَّادٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ : أَنَّهُ لَا قَضَاءَ ، وَإِنْ وُجِدَ الْمَانِعُ فِي آخِرِ الْوَقْتِ . وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ : نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَلَمْ يَذْكُرْ عَنْهُ خِلَافَهُ . وَفِي ( تَهْذِيبِ الْمُدَوِّنَةِ ) أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ : لَا قَضَاءَ إِلَّا أَنْ يَتَضَايَقَ الْوَقْتُ عَنِ الْفِعْلِ ، وَيَبْقَى مِنْهُ قَدْرُ رَكْعَةٍ ، ثُمَّ يُوجَدُ بَعْدَ ذَلِكَ ، لِأَنَّ تَرْكَهَا قَبْلَ ذَلِكَ جَائِزٌ . وَهُوَ رِوَايَةُ زُفَرَ ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ . وَهَذَا الِاخْتِلَافُ عَنْهُمْ فِيمَا إِذَا تَجَدَّدَ الْمَانِعُ مِنَ الصَّلَاةِ فِي أَثْنَاءِ الْوَقْتِ - مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ الصَّلَاةَ : هَلْ تَجِبُ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ وُجُوبًا مُوَسَّعًا ، أَمْ لَا ؟ فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ : تَجِبُ بِأَوَّلِهِ ، وَهُوَ الْمَحْكِيُّ عَنْ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَبَعْضِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ . وَقَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ : تَجِبُ بِآخِرِهِ إِذَا بَقِيَ مِنَ الْوَقْتِ قَدْرُ مَا يَتَّسِعُ لِتِلْكَ الصَّلَاةِ ، لِأَنَّ مَا قَبْلَهُ يَجُوزُ تَرْكُهَا فِيهِ ، فَلَا يُوصَفُ فِيهِ بِالْوُجُوبِ . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : لَا تُجِبُ حَتَّى يَبْقَى مِنَ الْوَقْتِ قَدْرُ تَكْبِيرَةٍ وَاحِدَةٍ . وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَحْكِي هَذِهِ الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ ثَلَاثَ رِوَايَاتٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ . وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ : تَجِبُ فِي جُزْءٍ مِنْهُ غَيْرِ مُعَيَّنٍ ، وَهُوَ مَا يَقَعُ فِيهِ فَعَلُ الصَّلَاةِ ، فَتَكُونُ أَجْزَاءُ الْوَقْتِ كَخِصَالِ الْكَفَّارَةِ . وَالثَّانِي : هَلْ يَسْتَقِرُّ الْوُجُوبُ فِي الذِّمَّةِ بِمَا يَجِبُ بِهِ الصَّلَاةُ ، وَهُوَ أَوَّلُ جُزْءٍ مِنَ الْوَقْتِ عِنْدَ مَنْ يَرَى ذَلِكَ ، أَمْ لَا يَسْتَقِرُّ الْوُجُوبُ حَتَّى يَمْضِيَ مِنَ الْوَقْتِ مِقْدَارُ مَا يَفْعَلُ فِيهِ ، أَمْ لَا يَسْتَقِرُّ حَتَّى يَبْقَى مِنَ الْوَقْتِ مِقْدَارُ مَا يَتَّسِعُ لِفِعْلِ الصَّلَاةِ ، أَمْ لَا يَسْتَقِرُّ حَتَّى يَخْرُجَ آخِرُ الْوَقْتِ سَالِمًا مِنَ الْمَوَانِعِ ؟ فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ . وَالْأَوَّلُ : هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا ، وَذَكَرُوا أَنَّهُ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ ، وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا حَاضَتْ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ قَلِيلًا فَعَلَيْهَا الْقَضَاءُ ، وَهُوَ - أَيْضًا - قَوْلُ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ ، وَحُكِيَ عَنِ الثَّوْرِيِّ وَطَائِفَةٍ مِنَ السَّلَفِ . وَالثَّانِي : قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَإِسْحَاقَ وَابْنِ بَطَّةَ وَابْنِ أَبِي مُوسَى . وَالثَّالِثُ : قَوْلُ مَالِكٍ ، وَرِوَايَةُ زُفَرَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ . وَالرَّابِعُ : قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَنْ وَافَقَهُ كَالْأَوْزَاعِيِّ وَابْنِ سُرَيْجٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ . وَأَمَّا إِذَا زَالَ الْعُذْرُ فِي آخِرِ الْوَقْتِ ، فَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ لَوْ زَالَ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ وَلَوْ بِقَدْرِ تَكْبِيرَةٍ وَجَبَتْ تِلْكَ الصَّلَاةُ بِهِ ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ فِي أَشْهَرِ قَوْلَيْهِ ، وَأَحْمَدَ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِهِ . وَقَالَ طَائِفَةٌ : يُعْتَبَرُ أَنْ يُدْرَكَ مِنَ الْوَقْتِ قَدْرُ رَكْعَةٍ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَاللَّيْثِ ، وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ الْآخَرِ ، وَحُكِيَ رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ ; لِمَفْهُومِ الْحَدِيثِ الْمُخَرَّجِ فِي هَذَا الْبَابِ . وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ ، أَنَّهُ اعْتَبَرَهَا هُنَا لِلْوُجُوبِ إِدْرَاكُ قَدْرِ الصَّلَاةِ بِكَمَالِهَا مِنَ الْوَقْتِ . وَهَذِهِ طَرِيقَةٌ ضَعِيفَةٌ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ ، وَحُكِيَ عَنْ زُفَرَ . وَالْمَرْوِيُّ عَنِ الصَّحَابَةِ يَدُلُّ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ ; فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، فِي الْحَائِضِ تَطْهُرُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ : تُصَلِّي الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ . زَادَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَابْنُ عَبَّاسٍ : وَإِذَا طَهُرَتْ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ صَلَّتِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ . وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ قَلِيلٍ مِنَ الْوَقْتِ وَكَثِيرٍ .

                                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                الخدمات العلمية