الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                صفحة جزء
                                [ ص: 64 ] الحديث الرابع :

                                513 538 - حدثنا عمر بن حفص بن غياث : ثنا أبي : ثنا الأعمش : ثنا أبو صالح ، عن أبي سعيد ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( أبردوا بالظهر ; فإن شدة الحر من فيح جهنم ) .

                                تابعه : سفيان ويحيى وأبو عوانة ، عن الأعمش .

                                التالي السابق


                                يعني : كلهم رووه ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي سعيد الخدري .

                                وقد خرجه البخاري في " بدء الخلق " عن الفريابي ، عن سفيان كذلك ، ولفظه : ( أبردوا بالصلاة ) .

                                إلا أن رواية حفص فيها تصريح الأعمش بسماعه له من أبي صالح ، فأمن بذلك تدليسه له عنه .

                                وإنما ذكر البخاري المتابعة لحفص على قوله ; لأن عبد الرزاق والأشجعي روياه ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة .

                                ذكره الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله .

                                وخرجه كذلك في " مسنده " في " مسند أبي هريرة " ، ثم أتبعه بحديث أبي سعيد أنه هو الصواب .

                                [ ص: 65 ] وكذلك حدث به عبد الرحمن بن عمر الأصبهاني - ويلقب : رسته - ، عن ابن مهدي ، عن سفيان ، أملاه عليهم - قال أبي : من حفظه - ، فأنكره عليه أبو زرعة ، وقال : هو غلط ; الناس يروونه عن أبي سعيد ، فلما رجع رسته إلى بلده نظر في أصله فإذا هو عن أبي سعيد ، فرجع عما أملاه ، وكتب إلى أبي زرعة يعتذر عما وقع منه .

                                وعامة روايات هذا الحديث من طرقه إنما فيها : ( أبردوا بالصلاة ) أو ( عن الصلاة ) ، وليس في شيء منها في " الصحيح " ذكر " الظهر " ، إلا في رواية أبي سعيد التي خرجها البخاري هاهنا .

                                وفي أحاديث الباب كله ; الأمر بالإبراد بالصلاة في اشتداد الحر .

                                قال الخطابي : قوله : ( أبردوا بالصلاة ) أي : تأخروا عنها مبردين ، أي : داخلين في وقت البرد . قال : والمراد : كسر شدة [حر] الظهيرة ; لأن فتور حرها بالإضافة إلى وهج الهاجرة برد ، وليس المراد أن يؤخر إلى أحد بردي النهار ، وهو برد العشي ; إذ فيه الخروج من قول الأمة .

                                قال : وفيح جهنم شدة استعارها ، وأصله السعة والانتشار ، وكانت العرب تقول في غاراتها : فيحي فياح .

                                وقال غيره : الفيح سطوع الحر ، يقال : فاحت القدر تفوح إذا غلت .

                                وأما قول صاحب " الغريبين " : أبردوا بالظهر : صلوها في أول وقتها . وبرد النهار أوله .

                                فهو خطأ ، وتغيير للمعنى ، وصلاة الظهر في أول وقتها في شدة الحر ليس إبرادا ، بل هو ضده ، بخلاف أول النهار ، كما في الحديث : ( من صلى [ ص: 66 ] البردين دخل الجنة ) .

                                وقد بوب البخاري على هذه الأحاديث : ( الإبراد بالظهر في شدة الحر ) فدل ذلك على أنه يرى الإبراد في شدة الحر بكل حال ، سواء كان في البلاد الحارة أو غيرها ، وسواء كان يصلي جماعة أو وحده .

                                وهذا قول كثير من أهل العلم ، وذكر طائفة من المالكية كالقاضي إسماعيل وأبي الفرج أنه مذهب مالك ، وذكر صاحب " المغني " من أصحابنا أنه ظاهر كلام أحمد والخرقي ، ورجحه ، وكذلك حكاه ابن المنذر عن أحمد وإسحاق ، وحكاه الخطابي عن أحمد ورجحه ابن المنذر ، وحكاه عن أهل الرأي ، وحكاه الترمذي في " جامعه " عن ابن المبارك وأحمد وإسحاق ، ورجحه .

                                ولذلك ذكر بعض الشافعية أنه ظاهر الحديث ، ومال إليه ، والمنصوص عن الشافعي : أنه لا يستحب الإبراد إلا في شدة الحر في البلاد الحارة لمن يصلي جماعة في موضع يقصده الناس من بعد ، كذا نص عليه في " الأم " ، وعليه جمهور أصحابه .

                                ولهم وجه : أنه لا يشترط البلاد الحارة ، وحكوا قولا للشافعي : أنه لا يشترط بعد المسجد ، بل يبرد ولو كانت منازلهم قريبة منه .

                                واشترط طائفة من أصحابنا للإبراد : أن تكون الصلاة في مسجد ، قالوا : وسواء كان مما ينتابه الناس أو لا ، وأن تكون البلدان حارة شديدة الحر أو متوسطة .

                                ومنهم من اشترط مسجد الجماعة فقط .

                                وكذلك قال ابن عبد الحكم وطائفة من المالكية العراقيين أنه لا يبرد إلا بالصلاة في مساجد الجماعة دون من صلى منفردا .

                                وذكر القاضي إسماعيل ، عن ابن أبي أويس ، عن مالك ، قال : بلغني أن عمر [ ص: 67 ] قال لأبي محذورة : إنك بأرض حارة ، فأبرد ، ثم أبرد ، ثم ناد ، فكأنني عندك .

                                واختلفوا في المعنى الذي لأجله أمر بالإبراد .

                                فمنهم من قال : هو حصول الخشوع في الصلاة ; فإن الصلاة في شدة الحر كالصلاة بحضرة طعام تتوق نفسه إليه ، وكصلاة من يدافع الأخبثين ، فإن النفوس حينئذ تتوق إلى القيلولة والراحة ، وعلى هذا فلا فرق بين من يصلي وحده أو في جماعة .

                                ومنهم من قال : هو خشية المشقة على من بعد من المسجد بمشيه في الحر ، وعلى هذا فيختص الإبراد بالصلاة في مساجد الجماعة التي تقصد من الأمكنة المتباعدة .

                                ومنهم من قال : هو وقت تنفس جهنم .

                                وقد ثبت في " صحيح مسلم " من حديث عمرو بن عبسة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقل الظل بالرمح ، ثم أقصر عن الصلاة فإن حينئذ تسجر جهنم ، فإذا أقبل الفيء ، فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلي العصر ) .

                                وفي " صحيحي ابن خزيمة وابن حبان " من حديث أبي هريرة - مرفوعا ، قال : ( فإذا انتصف النهار فأقصر عن الصلاة حتى تميل الشمس ; فإن حينئذ تسعر جهنم ، وشدة الحر من فيح جهنم ، فإذا مالت الشمس فالصلاة محضورة مشهودة متقبلة حتى تصلي العصر ) .

                                وخرجه ابن ماجه ، ولفظه : " فإذا كانت - يعني : الشمس - على رأسك [ ص: 68 ] كالرمح فدع الصلاة ; فإن تلك الساعة تسعر فيها جهنم ، وتفتح فيها أبوابها ، حتى تزيغ الشمس عن حاجبك الأيمن ، فإذا زالت فالصلاة محضورة متقبلة " .

                                وهذا يدل على أن شدة الحر عقيب الزوال من أثر تسجرها ، فكما تمنع الصلاة وقت الزوال ، فإنه يستحب تأخرها بعد الزوال حتى يبرد حرها ويزول شدة وهجها ; فإنه إثر وقت غضب ، والمصلي يناجي ربه ، فينبغي أن يتحرى بصلاته أوقات الرضا والرحمة ، ويجتنب أوقات السخط والعذاب ، وعلى هذا فلا فرق بين المصلي وحده وفي جماعة - أيضا .

                                والأمر بالإبراد أمر ندب واستحباب ، لا أمر حتم وإيجاب ، هذا مما لا خلاف فيه بين العلماء .

                                فإن شذ أحد من أهل الظاهر جريا على عادتهم ، ولم يبال بخرق إجماع المسلمين ، كان محجوبا بالإجماع قبله ، وبحديث عمرو بن عبسة وأبي هريرة المذكورين ، فإنهما يصرحان بأن الصلاة بعد الزوال مشهودة محضورة متقبلة ، ولم يفرق بين فرض ونفل .

                                وذهب طائفة من العلماء إلى أن الإبراد رخصة ، وأن تركه سنة ، والصلاة في أول الوقت بكل حال أفضل ، وهو قول الليث بن سعد وطائفة من أصحاب الشافعي .

                                والأحاديث الصحيحة ترده .

                                وقد جعل مالك القول بترك الإبراد قول الخوارج .

                                وأما حد الإبراد ، فقال القاضي أبو يعلى من أصحابنا : يكون بين الفراغ من الصلاة وبين آخر وقت الصلاة فضل .

                                [ ص: 69 ] وقال الشافعية : حقيقة الإبراد : أن يؤخر الصلاة عن أول الوقت بقدر ما يحصل للحيطان فيء يمشي فيه طالب الجماعة ، ولا يؤخر عن النصف الأول من الوقت .

                                وحكى سفيان الثوري وإسحاق بن راهويه عن بعض العلماء ، أنه إذا أخر الصلاة إلى نصف وقتها فلم يفرط ، وإذا أخرها حتى كانت إلى وقت الصلاة الأخرى أقرب فقد فرط .

                                ولعله يريد : أنه يكره ذلك ، لا أنه يحرم .

                                وأما صلاة الظهر في غير شدة الحر ، فجمهور العلماء على أن الأفضل تعجيلها ، وفيه خلاف عن مالك يأتي ذكره فيما بعد - إن شاء الله .

                                واستدل من لم ير استحباب الإبراد بحديث خباب بن الأرت : شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حر الرمضاء ، فلم يشكنا ، وقد ذكرناه في " باب : السجود على الثوب " ، وذكرنا أن الصحيح في تفسيره : أنهم طلبوا منه تأخير الصلاة بالهاجرة ، فلم يجبهم إلى ذلك ، وأمرهم بالصلاة إذا زالت الشمس .

                                وقد أجيب عنه بوجهين :

                                أحدهما : أنهم طلبوا منه التأخير الفاحش المقارب آخر الوقت ، فلم يجبهم إليه .

                                والثاني : أنه منسوخ بالأمر بالإبراد ، وهو جواب الإمام أحمد والأثرم .

                                واستدلا بحديث المغيرة بن شعبة ، قال : كنا نصلي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الظهر بالهاجرة ، فقال لنا : ( أبردوا بالصلاة ; فإن شدة الحر من فيح جهنم ) .

                                [ ص: 70 ] خرجه الإمام أحمد وابن حبان في " صحيحه " وابن ماجه .

                                وزعمت طائفة أن معنى حديث خباب : أنهم شكوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهم يعذبون في رمضاء مكة في شدة الحر ، وسألوه أن يدعو لهم ، فلم يجبهم .

                                وهذا بعيد ، وألفاظ الحديث ترده ، وقد سبق ذكره .

                                وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( اشتكت النار إلى ربها ) ، فالمحققون من العلماء على أن الله أنطقها بذلك نطقا حقيقيا كما ينطق الأيدي والأرجل والجلود يوم القيامة ، وكما أنطق الجبال وغيرها من الجمادات بالتسبيح والسلام على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وغير ذلك مما يسمع نطقه في الدنيا .

                                ويشهد لذلك : ما خرجه الإمام أحمد والترمذي - وصححه - ، من حديث الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( يخرج عنق من النار يوم القيامة ، لها عينان تبصران ، وأذنان تسمعان ، ولسان ينطق ، يقول : إني وكلت بثلاثة : بكل جبار عنيد ، وبكل من دعا مع الله إلها آخر ، وبالمصورين ) .

                                وقد روي عن الأعمش ، عن عطية ، عن أبي سعيد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .

                                خرجه الإمام أحمد - أيضا .

                                وقيل : إن هذا الإسناد هو المحفوظ .

                                وخرجه البزار بهذا الإسناد ، ولفظ حديثه : ( يخرج عنق من النار يتكلم بلسان طلق ذلق ، لها عينان تبصر بهما ، ولها لسان تتكلم به ) - وذكر الحديث .

                                [ ص: 71 ] وقوله : ( فأشد ما تجدون من الحر ، وأشد ما تجدون من الزمهرير ) - بمعنى : أنه من تنفس جهنم .

                                وقد فسر ذلك الحسن بما يحصل منه للناس أذى من الحر والبرد .

                                قال ابن عبد البر : أحسن ما قيل في معنى هذا الحديث : ما روي عن الحسن البصري - رحمه الله - ، قال : اشتكت النار إلى ربها ، قالت : يا رب ، أكل بعضي بعضا ، فخفف عني . قال : فخفف عنها ، وجعل لها كل عام نفسين ، فما كان من برد يهلك شيئا فهو من زمهريرها ، وما كان من سموم يهلك شيئا فهو من حرها .

                                وقد جعل الله تعالى ما في الدنيا من شدة الحر والبرد مذكرا بحر جهنم وبردها ، ودليلا عليها ، ولهذا تستحب الاستعاذة منها عند وجود ذلك .

                                كما روى عثمان الدارمي وغيره من رواية دراج ، عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد - أو عن ابن حجيرة الأكبر ، عن أبي هريرة ، أو أحدهما - حدثه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( إذا كان يوم حار ، فإذا قال الرجل : لا إله إلا الله ، ما أشد حر هذا اليوم ، اللهم أجرني من حر جهنم ، قال الله لجهنم : إن عبدا من عبيدي استجارني من حرك ، وأنا أشهدك أني قد أجرته ، وإذا كان يوم شديد البرد ، فإذا قال العبد : لا إله إلا الله ، ما أشد برد هذا اليوم ، اللهم أجرني من زمهرير جهنم ، قال الله لجهنم : إن عبدا من عبادي قد استعاذني من زمهريرك ، فإني أشهدك أني قد أجرته ) . قالوا : وما زمهرير جهنم ؟ قال : ( بيت يلقى فيه الكافر فيتميز من شدة بردها ) .



                                الخدمات العلمية