الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                              صحيح البخاري 6055 6418 - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: خَطَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خُطُوطًا فَقَالَ: "هَذَا الْأَمَلُ وَهَذَا أَجَلُهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَهُ الْخَطُّ الْأَقْرَبُ". [فَتْحَ: 11 \ 236]. التوضيح ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ -وَهُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: خَطَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَطًّا مُرَبَّعًا، وَخَطَّ خَطًّا فِي الْوَسَطِ خَارِجًا مِنْهُ، وَخَطَّ خُطَطًا صِغَارًا إِلَى هَذَا الَّذِي فِي الْوَسَطِ، مِنْ جَانِبِهِ الَّذِي فِي الْوَسَطِ وَقَالَ: "هَذَا الْإِنْسَانُ، وَهَذَا أَجَلُهُ مُحِيطٌ بِهِ -أَوْ قَدْ أَحَاطَ بِهِ- وَهَذَا الَّذِي هُوَ خَارِجٌ أَمَلُهُ، وَهَذِهِ الْخُطَطُ الصِّغَارُ الْأَعْرَاضُ، فَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا، وَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا". ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَيْضًا قَالَ: خَطَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خُطُوطًا فَقَالَ: "هَذَا الْأَمَلُ وَهَذَا أَجَلُهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَهُ الْخَطُّ الْأَقْرَبُ". الشَّرْحُ: حَدِيثُ أَنَسٍ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَلَيْسَ فِي السَّمَاعِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ عَسَاكِرَ، (وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ بِلَفْظِ "هَذَا ابْنُ آدَمَ وَهَذَا أَجَلُهُ" وَوَضَعَ يَدَهُ عِنْدَ قَفَاهُ، ثُمَّ بَسَطَهُ، فَقَالَ: وَثَمَّ أَمَلُهُ؟). وَمَعْنَى زُحْزِحَ بُوعِدَ وَنُحِّيَ. وَقَوْلُهُ وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ [الْحِجْرِ: 3] يَعْنِي: عَنْ عَمَلِ الْآخِرَةِ، وَأَثَرُ عَلِيٍّ أَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي "رَقَائِقِهِ"، وَرَوَاهُ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْهُ; وَأَخْرَجَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِهِ مِنْ حَدِيثِ خَلَّادٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ زُبَيْدٍ الْيَامِيِّ، عَنْ مُهَاجِرٍ الْعَامِرِيِّ عَنْهُ. فَصْلٌ: الْأَمَلُ مَذْمُومٌ لِجَمِيعِ النَّاسِ إِلَّا الْعُلَمَاءَ. فَلَوْلَا أَمَلُهُمْ وَطُولُهُ لَمَا صَنَّفُوا، وَلَمَا أَلَّفُوا، وَقَدْ نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ. وَآمَالُ الرِّجَالِ لَهُمْ وُضُوحٌ سِوَى أَمَلِ الْمُصَنِّفِ ذِي الْعُلُومِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَمَانِيِّ: أَنَّ الْأَمَلَ: مَا أَمَّلْتَهُ عَنْ سَبَبٍ، وَالتَّمَنِّي: مَا تَمَنَّيْتَهُ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ. قِيلَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ: أَيُّ شَيْءٍ أَطْوَلُ إِمْتَاعًا؟ قَالَ: الْمُنَى، ذَكَرَهُ الْجَاحِظُ فِي "كِتَابِ النِّسَاءِ". وَقِيلَ: لِرَقَبَةَ بْنِ مَصْقَلَةَ: أَنْتَ بَعِيدُ الدَّارِ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَتَنْصَرِفُ بِلَا مُؤْنِسٍ، قَالَ: إِنِّي حِينَ أَخْرُجُ مِنَ الْمَسْجِدِ أُؤَمِّلُ تَأْمِيلًا فَلَا أَمَلِي يَنْقَضِي حَتَّى أَبْلُغَ الْمَسْجِدَ، وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: الْإِنْسَانُ لَا يَنْفَكُّ مِنْ أَمَلٍ، فَإِنْ فَاتَهُ الْأَمَلُ عَوَّلَ عَلَى الْمُنَى. وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ: كَثْرَةُ الْمُنَى تَحْلِقُ الْعَقْلَ، وَتُفْسِدُ الدِّينَ، وَتَطْرُدُ الْقَنَاعَةَ. وَقَالَ الشَّاعِرُ: اللَّهُ أَصْدَقُ وَالْآمَالُ كَاذِبَةٌ وَجُلُّ هَذِي الْمُنَى فِي الصَّدْرِ وَسْوَاسُ فَصْلٌ: وَهَذَا صِفَةُ مَا فِي الْحَدِيثِ ................ وَقَوْلُهُ: (خَطَّ خُطَطًا صِغَارًا)، قَالَ ابْنُ التِّينِ: رَوَيْنَاهُ بِضَمِّ الْخَاءِ وَكَسْرِهَا. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْخَطُّ: وَاحِدُ الْخُطُوطِ، وَالْخُطَّةُ: أَيْضًا مِنَ الْخُطَطِ، كَالنُّقْطَةِ مِنَ النُّقَطِ. وَقَوْلُهُ: "نَهَشَهُ" هُوَ بِالْمُعْجَمَةِ، وَالْمُهْمَلَةِ، (قَالَ ابْنُ التِّينِ: رَوَيْنَاهُ بِهِمَا)، وَمَعْنَاهُ: أَخْذُ الشَّيْءِ بِمُقَدَّمِ الْأَسْنَانِ، وَسَبَقَهُ إِلَيْهِ ابْنُ بَطَّالٍ قَالَ: وَالنَّهْشُ: تَنَاوُلٌ بِالْفَمِ كَالنَّهْسِ، وَالْحَيَّةُ تَنْهَشُ إِذَا عَضَّتْ، وَالنَّهْسُ أَيْضًا: نَثْرُ اللَّحْمِ، وَنَهَشَ يَنْهَشُ مِنْ كِتَابِ "الْعَيْنِ"، قَالَ: وَمَثَّلَ الشَّارِعُ أَمَلَ ابْنِ آدَمَ وَأَجَلَهُ، وَأَعْرَاضَ الدُّنْيَا الَّتِي لَا تُفَارِقُهُ بِالْخُطُوطِ، فَجَعَلَ أَجَلَهُ الْخَطَّ الْمُحِيطَ، وَجَعَلَ أَمَلَهُ وَأَعْرَاضَهُ خَارِجًا مِنْ ذَلِكَ الْخَطِّ، وَمَعْلُومٌ فِي الْعُقُولِ أَنَّ ذَلِكَ الْخَطَّ الْمُحِيطَ بِهِ الَّذِي هُوَ أَجَلُهُ، أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنَ الْخُطُوطِ الْخَارِجَةِ مِنْهُ. أَلَا تَرَى قَوْلَهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ: "فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَهُ الْخَطُّ الْأَقْرَبُ"؟ يُرِيدُ: أَجَلَهُ، وَفِي هَذَا تَنْبِيهٌ مِنْهُ لِأُمَّتِهِ عَلَى تَقْصِيرِ الْأَمَلِ، وَاسْتِشْعَارِ الْأَجَلِ خَوْفَ تَغَيُّبِهِ، وَمَنْ غُيِّبَ عَنْهُ أَجَلُهُ فَهُوَ حَرِيُّ بِتَوَقُّعِهِ وَانْتِظَارِهِ خَشْيَةَ هُجُومِهِ عَلَيْهِ فِي حَالِ غِرَّةٍ وَغَفْلَةٍ -وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ-، فَلْيَرُضِ الْمُؤْمِنُ نَفْسَهُ عَلَى اسْتِعْمَالِ مَا نُبِّهَ عَلَيْهِ، وَيُجَاهِدُ أَمَلَهُ وَهَوَاهُ، كَمَا قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -فِي الْبَابِ بَعْدَ هَذَا-: "لَا يَزَالُ قَلْبُ الْكَبِيرِ شَابًّا فِي حُبِّ الدُّنْيَا وَطُولِ الْأَمَلِ". وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: فِي قَوْلِهِ ذَرْهُمْ [الْحِجْرِ: 3] الْآيَةَ يَعْنِي: ذَرِ الْمُشْرِكِينَ يَا مُحَمَّدُ يَأْكُلُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا، وَيَتَمَتَّعُوا مِنْ لَذَّاتِهَا وَشَهَوَاتِهَا إِلَى أَجْلِهِمُ الَّذِي أَجَّلْتُ لَهُمْ، وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ عَنِ الْأَخْذِ بِحَظِّهِمْ مِنَ الطَّاعَةِ فِيهَا، وَتَزَوُّدِهِمْ لِمَعَادِهِمْ مِنْهَا بِمَا يُقَرِّبُهُمْ مِنْ رَبِّهِمْ، فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ غَدًا إِذَا وَرَدُوا عَلَيْهِ وَقَدْ هَلَكُوا بِكُفْرِهِمْ بِاللَّهِ حِينَ يُعَايِنُونَ عَذَابَهُ; أَنَّهُمْ كَانُوا فِي تَمَتُّعِهِمْ بِلَذَّاتِ الدُّنْيَا فِي خَرَابٍ وَتَبَابٍ. فَصْلٌ: رَوَيْنَا لَهُ مِثَالًا آخَرَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْقَاسِمِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ الْحَافِظِ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ الصَّيْرَفِيِّ، حَدَّثَنَا حَرَمِيٌّ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي عَلِيٍّ الرِّفَاعِيِّ، ثَنَا أَبُو الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِي، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَخَذَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْوَادًا فَغَرَزَ عُودًا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَآخَرَ إِلَى جَنْبِهِ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأَبْعَدَهُ، فَقَالَ: "هَلْ تَدْرُونَ مَا هَذَا؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَقَالَ: "هَذَا الْإِنْسَانُ، وَهَذَا الْأَجَلُ، وَهَذَا الْأَمَلُ يَتَعَاطَاهُ ابْنُ آدَمَ يَخْتَلِجُهُ الْأَجَلُ دُونَ الْأَمَلِ". فَصْلٌ: رَوَيْنَا فِي كِتَابِ أَبِي اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيِّ، قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: "صَلَاحُ أَوَّلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِالزُّهْدِ وَالْيَقِينِ، وَيَهْلِكُ آخِرُهَا بِالْبُخْلِ وَالْأَمَلِ"، ثُمَّ قَالَ: مَنْ قَصُرَ أَمَلُهُ أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِأَرْبَعِ كَرَامَاتٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ يُقَوِّيهِ عَلَى طَاعَتِهِ; لِأَنَّهُ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ يَمُوتُ عَنْ قَرِيبٍ، لَا يَهْتَمُّ لِمَا يَسْتَقْبِلُهُ مِنَ الْمَكْرُوهِ، وَيَجْتَهِدُ فِي الطَّاعَةِ; فَكَثُرَ عِلْمُهُ. ثَانِيهَا: تَقِلُّ هُمُومُهُ; لِأَنَّهُ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ يَمُوتُ عَنْ قَرِيبٍ، فَإِنَّهُ لَا يَهْتَمُّ بِمَا يَسْتَقْبِلُهُ. ثَالِثُهَا: يَجْعَلُهُ رَاضِيًا بِالْقَلِيلِ. رَابِعُهَا: يُنَوِّرُ قَلْبَهُ، فَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُقَصِّرَ أَمَلَهُ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيِّ نَفَسٍ، أَوْ فِي أَيِّ قَدَمٍ يَمُوتُ، وَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُكْثِرَ ذِكْرَ الْمَوْتِ، فَإِنَّهُ لَا غِنَى بِهِ عَنْ سِتِّ خِصَالٍ: عِلْمٍ يَدُلُّهُ عَلَى الْآخِرَةِ، وَرَفِيقٍ يُعِينُهُ عَلَى الطَّاعَةِ، وَالْحَذَرِ مِنْ عَدُوِّهِ، وَعِبْرَةٍ يَعْتَبِرُ بِهَا مِنْ آيَاتِ اللَّهِ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَإِنْصَافِ (الْحَقِّ) مِنْ نَفْسِهِ، وَالِاسْتِعْدَادِ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِهِ.

                                                                                                                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية