الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                              6095 6460 - حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا محمد بن فضيل، عن أبيه، عن عمارة عن أبي زرعة، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اللهم ارزق آل محمد قوتا". [مسلم: 1055 - فتح: 11 \ 283]

                                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                              ذكر فيه أحاديث:

                                                                                                                                                                                                                              أحدها:

                                                                                                                                                                                                                              حدثني أبو نعيم بنحو من نصف هذا الحديث، ثنا عمر بن ذر، ثنا مجاهد، أن أبا هريرة - رضي الله عنه -.. فذكر حديث اللبن وأهل الصفة مطولا.

                                                                                                                                                                                                                              وسلف في الاستئذان مختصرا. فقال: حدثنا أبو نعيم: ثنا عمر بن ذر. وعن محمد بن مقاتل، عن ابن المبارك، عن (عمر بن ذر)، ثنا مجاهد به، ولعله النصف المشار إليه هاهنا.

                                                                                                                                                                                                                              وأخرجه النسائي من حديث محمد بن يحيى، ثنا أبو نعيم، عن عمر بن ذر. والترمذي عن هناد، عن يونس بن بكير، عن عمر، ثم قال: صحيح.

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 474 ] ثم ساق البخاري بعده أحاديث:

                                                                                                                                                                                                                              أحدها:

                                                                                                                                                                                                                              حديث سعد - رضي الله عنه -: إني لأول العرب رمى بسهم في سبيل الله، ورأيتنا نغزو وما لنا طعام إلا ورق الحبلة وهذا السمر، وإن أحدنا ليضع كما تضع الشاة ما له خلط، ثم أصبحت بنو أسد تعزرني على الإسلام، خبت إذا وضل سعيي.

                                                                                                                                                                                                                              ثانيها:

                                                                                                                                                                                                                              حديث عائشة - رضي الله عنها -: ما شبع آل محمد - صلى الله عليه وسلم - منذ قدم المدينة من طعام بر ثلاث ليال تباعا حتى قبض.

                                                                                                                                                                                                                              ثالثها:

                                                                                                                                                                                                                              وعنها: ما أكل آل محمد - صلى الله عليه وسلم - أكلتين في يوم إلا إحداهما تمر.

                                                                                                                                                                                                                              رابعها:

                                                                                                                                                                                                                              وعنها قالت: كان فراش رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أدم حشوه ليف.

                                                                                                                                                                                                                              خامسها:

                                                                                                                                                                                                                              حديث قتادة قال: كنا نأتي أنس بن مالك - رضي الله عنه - وخبازه قائم، قال: كلوا، فما أعلم النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى رغيفا مرققا، حتى لحق بالله -عز وجل-، ولا رأى شاة سميطا بعينه قط.

                                                                                                                                                                                                                              سادسها:

                                                                                                                                                                                                                              حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: كان يأتي علينا الشهر وما نوقد فيه نارا، إنما هو التمر والماء، إلا أن نؤتى باللحيم.

                                                                                                                                                                                                                              سابعها:

                                                                                                                                                                                                                              حديث عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت لعروة: ابن أختي إن كنا

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 475 ] لننظر إلى الهلال ثلاثة أهلة في شهرين وما أوقدوا في أبيات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نارا. فقلت: ما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان التمر والماء، إلا أنه قد كان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - جيران من الأنصار كان لهم منائح، وكانوا يمنحون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أبياتهم، فيسقينا.


                                                                                                                                                                                                                              ثامنها:

                                                                                                                                                                                                                              حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "اللهم ارزق آل محمد قوتا".

                                                                                                                                                                                                                              الشرح:

                                                                                                                                                                                                                              قوله في الحديث الأول: (إن أبا هريرة كان يقول: آلله الذي لا إله إلا هو) يجوز في الله الخفض والنصب. قال ابن التين: ورويناه بالنصب. قال ابن جني: إذا حذفت حرف القسم نصبت الاسم بعده بالفعل المقدر تقول: الله لأذهبن. قال امرؤ القيس:


                                                                                                                                                                                                                              فقالت: يمين الله ما لك حيلة وما إن أرى عنك الغواية تنجلي



                                                                                                                                                                                                                              ومن العرب من يجر اسم الله وحده مع حذف حرف الجر، فيقول: الله لأقومن; وذلك لكثرة ما يستعملون هذا الاسم، وتقول: أي هالله ذا، فتجر الاسم بها; لأنها صارت بدلا من الواو، وكذلك قولهم في الاستفهام: ألله لتذهبن؟ صارت همزة الاستفهام عوضا من الواو فجررت الاسم، وتقول في التعجب: لله لأقومن!

                                                                                                                                                                                                                              وقوله: (إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض) الكبد بكسر الباء وسكونها مثل فخذ وفخذ.

                                                                                                                                                                                                                              وقوله: (وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع) قال الخطابي:

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 476 ] أشكل الأمر في شد الحجر على البطن من الجوع على قوم، حتى توهموا أنه تصحيف، فزعموا (أنما هو) الحجز جمع الحجزة التي يشد بها المرء وسطه، قال: ومن أقام بالحجاز، وعرف عاداتهم علم أن الحجر واحد الحجارة; وذلك أن المجاعة تصيبهم دهرا، فلما خوى البطن هزم فلم (يمكن معه) الانتصاب; فيعمد حينئذ إلى صفائح رقاق من طول الكف فتربط على البطن، وتشد (بحجزه) فوقها فتعتدل قامة الإنسان بعض الاعتدال.

                                                                                                                                                                                                                              وقوله: (إلا ليشبعني) أي: ليأمرني أن أتبعه.

                                                                                                                                                                                                                              وقوله: (قال: "الحق" ومضى) أي: اتبعني.

                                                                                                                                                                                                                              قوله: (وأشركهم فيها) قال ابن القوطية: شركك في الأمر شركا وشركه: ضرب له شريكا، وفي المال كذلك، وأشرك الكافر بالله: جعل له شريكا، والنعل: جعلت له شراكا.

                                                                                                                                                                                                                              وقوله: (فيشرب حتى يروى) هو بفتح الواو في مستقبله، وبكسرها في ماضيه.

                                                                                                                                                                                                                              فصل:

                                                                                                                                                                                                                              الحبلة بالضم، وسكون الباء: ثمر العضاه قاله الجوهري وابن فارس.

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 477 ] وقال أبو (عبيد): الحبلة وورق السمر: ضربان من الشجر أو النبات. وقال ابن الأعرابي: الحبلة: ثمر السمر يشبه اللوبياء. وقال الجوهري: السمرة بضم الميم: من شجر الطلح، والجمع: سمر وسمرات وأسمر في أدنى الجمع، والتعزير: التأديب، والبر جمع: برة من القمح. وجوز المبرد أن يجمع على أبرار خلافا لسيبويه.

                                                                                                                                                                                                                              فصل:

                                                                                                                                                                                                                              وقوله في سند حديث عائشة الأخير: (حدثني ابن أبي حازم عن أبيه): هو عبد العزيز بن أبي حازم سلمة بن دينار، (ويزيد بن رومان) هو أبو روح مولى آل الزبير بن العوام، مات سنة ثلاثين ومائة.

                                                                                                                                                                                                                              وحديث سعد - رضي الله عنه - سلف في الأطعمة، في باب: ما كان - عليه السلام - وأصحابه يأكلون، وتقدم فيه أيضا الكلام في حديث عائشة وأنس وأبي هريرة - رضي الله عنه - مع الأحاديث المعارضة لها.

                                                                                                                                                                                                                              فصل:

                                                                                                                                                                                                                              قال الطبري: في اختيار الشارع وخيار السلف من الصحابة والتابعين (شظف) العيش، والصبر على مرارة الفقر والفاقة، ومقاساة خشونة (خشن) الملابس والمطاعم، على خفض ذلك ودعته حلاوة الغنى

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 478 ] ونعيمه، ما أبان عن فضل الزهد في الدنيا وأخذ البلغة والقوت خاصة، وكان نبينا - عليه أفضل الصلاة والسلام - يطوي الأيام، ويعصب على بطنه الحجر من الجوع، إيثارا منه شظف العيش والصبر عليه، مع علمه بأنه لو سأل ربه أن يسير له جبال تهامة ذهبا وفضة لفعل، وعلى هذه الطريقة جرى الصالحون.

                                                                                                                                                                                                                              ألا ترى قول أبي هريرة - رضي الله عنه -: أنه كان يشد الحجر على بطنه من الجوع، وخرج يتعرض من يمر به من الصحابة يسأله عن آي من القرآن ليحمله ويطعمه.

                                                                                                                                                                                                                              فصل:

                                                                                                                                                                                                                              وفيه: أن كتمان الحاجة خير من إظهارها، وأشبه بإخلاص الصالحين والصابرين، وإن كان جائزا له الإخبار بباطن أمره وحاجته لمن يرجوه لكشف فاقته.

                                                                                                                                                                                                                              فصل:

                                                                                                                                                                                                                              وهذا الحديث علم عظيم من أعلام النبوة; وذلك أنه - عليه السلام - عرف ما في نفس أبي هريرة، ولم يعلم ذلك أبو بكر ولا عمر - رضي الله عنهما -. وفيه: شرب العدد الكثير من اللبن القليل حتى شبعوا ببركة النبوة، وذلك من أعلامها أيضا.

                                                                                                                                                                                                                              فصل:

                                                                                                                                                                                                                              وفيه أيضا: ما كان عليه - عليه السلام - من إيثار البلغة، وأجود العرب في كرم نفسه; وأنه لم يستأثر بشيء من الدنيا دون أمته.

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 479 ] فصل:

                                                                                                                                                                                                                              وقوله: "اللهم ارزق آل محمد قوتا" فيه: دليل على فضل الكفاف وأخذ البلغة من الدنيا والزهد فيما فوق ذلك رغبة في توفيره نعيم الآخرة، وإيثارا لما يبقى على ما يفنى لتقتدي بذلك أمته، ويرغبوا فيما رغب فيه نبيهم - عليه أفضل الصلاة والسلام -.

                                                                                                                                                                                                                              فصل:

                                                                                                                                                                                                                              روى الطبري بإسناده، عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: حبذا المكروهان: الموت والفقر، والله ما هو إلا الغنى والفقر، ولا أبالي بأيهما ابتليت، إن حق الله في كل واحد منهما واجب، إن كان الغنى ففيه العطف، وإن كان الفقر ففيه الصبر. قال الطبري: فمحنة الصابر أشد من محنة الشاكر، وإن كانا شريفي المنزلة غير أني أقول كما قال مطرف بن عبد الله: لأن أعافى فأشكر، أحب إلي من أن أبتلى فأصبر.

                                                                                                                                                                                                                              فصل:

                                                                                                                                                                                                                              ومن فضل قلة الأكل: ما روى يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عن أبي هريرة - رضي الله عنه - رفعه: "إن أهل البيت ليقل طعمهم فتستنير بيوتهم".

                                                                                                                                                                                                                              وروى إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن محمد بن علي، عن أبيه أنه - عليه السلام - قال: "من سره أن يكون حكيما فليقل طعمه، فإنه يغشى جوفه بنور الحكمة".

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 480 ] وقال مالك بن دينار: سمعت عبد الله الرازي يقول: كان أهل العلم بالله والقبول عنه يقولون: إن الشبع يقسي القلب، ويفتر البدن.

                                                                                                                                                                                                                              فصل:

                                                                                                                                                                                                                              ومن سيرهم في تخليهم من الدنيا ما روى وكيع، عن الأعمش، عن شقيق، عن مسروق، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال أبو بكر في مرضه الذي مات فيه: انظروا ما زاد في مالي منذ دخلت الخلافة، فابعثوا به إلى الخليفة بعدي فإني قد كنت أستحله، وقد كنت أصبت من الودك نحوا مما كنت أصيب من التجارة، قالت عائشة - رضي الله عنها -: لما مات نظرنا فإذا عبد نوبي يحمل صبيانه، وناضح كان يسنى عليه فبعثناهما إلى عمر، فأخبرني جدي أن عمر بكى، وقال: رحمة الله على أبي بكر، لقد أتعب من بعده.

                                                                                                                                                                                                                              فصل:

                                                                                                                                                                                                                              روينا في كتاب "الجوع" لابن أبي الدنيا من حديث خالد بن معدان عن المقدام بن معدي كرب مرفوعا: "ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطن"

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 481 ] ومن حديث المحبر بن هارون، عن أبي يزيد المديني، عن (عبد الرحمن) بن المرقع; ومن حديث موسى الجهني عن زيد بن وهب مثله مرفوعا.

                                                                                                                                                                                                                              وروينا في كتاب (الجوزي) من حديث شقيق البلخي، عن إبراهيم بن أدهم، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: دخلت على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي جالسا فسألته، فقال: "من الجوع". فبكيت، فقال: "لا تبك فإن شدة الحساب لا تصيب الجائع إذا احتسب".

                                                                                                                                                                                                                              وكان بشر بن الحارث يقول: الجوع يصفي الفؤاد، ويميت الهوى، ويورث العلم الدقيق.

                                                                                                                                                                                                                              ورأى يحيى بن طاهر العلوي سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المنام وهو يقول: يا طاهر أطعم هؤلاء المتصوفة -يعني: الذين شكوا الجوع- وقيل لهم: من لم يصبر على الجوع (فليخرج) من جواري.

                                                                                                                                                                                                                              وقال عروة بن الزبير: من ضبط نفسه ضبط الأخلاق الصالحة.




                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية