الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                              صحيح البخاري 5781 6132 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةً أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُهْدِيَتْ لَهُ أَقْبِيَةٌ مِنْ دِيبَاجٍ مُزَرَّرَةٌ بِالذَّهَبِ، فَقَسَمَهَا فِي نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَعَزَلَ مِنْهَا وَاحِدًا لِمَخْرَمَةَ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: " خَبَأْتُ هَذَا لَكَ". قَالَ أَيُّوبُ بِثَوْبِهِ أَنَّهُ يُرِيهِ إِيَّاهُ، وَكَانَ فِي خُلُقِهِ شَيْءٌ. رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ. وَقَالَ حَاتِمُ بْنُ وَرْدَانَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ الْمِسْوَرِ: قَدِمَتْ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقْبِيَةٌ. [انْظُرْ: 2599 - مُسْلِمٍ: 1058 - فَتْحَ: 10 \ 528]. التوضيح ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - : اسْتَأْذَنَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلٌ، فَقَالَ: "بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ". الْحَدِيثَ وَقَدْ سَلَفَ، وَكَتَبَ الدِّمْيَاطِيُّ هُنَا: أَنَّهُ مُخَرَمَةُ بْنُ نَوْفَلِ بْنِ أَهْيَبَ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ، وَالِدُ الْمِسْوَرِ. وَحَدِيثَ ابْنِ عُلَيَّةَ، ثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُهْدِيَتْ لَهُ أَقْبِيَةٌ مِنْ دِيبَاجٍ مُزَرَّرَةٌ بِالذَّهَبِ، فَقَسَمَهَا فِي نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَعَزَلَ مِنْهَا وَاحِدًا لِمَخْرَمَةَ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: "خَبَأْتُ هَذَا لَكَ". قَالَ أَيُّوبُ بِثَوْبِهِ يُرِيهِ إِيَّاهُ، وَكَانَ فِي خُلُقِهِ شَيْءٌ. رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ. وَقَالَ حَاتِمُ بْنُ وَرْدَانَ: ثَنَا أَيُّوبُ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ الْمِسْوَرِ: قَدِمَتْ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقْبِيَةٌ. الشَّرْحُ: الْكَشْرُ: ظُهُورُ الْأَسْنَانِ لِلضَّحِكِ، وَكَاشَرَهُ: إِذَا ضَحِكَ فِي وَجْهِهِ وَانْبَسَطَ إِلَيْهِ. وَعِبَارَةُ ابْنِ السِّكِّيتِ: الْكَشْرُ: التَّبَسُّمُ، يُقَالُ: كَشَرَ الرَّجُلُ وَانْكَلَّ وَافْتَرَّ وَابْتَسَمَ، كُلُّ ذَلِكَ تَبْدُو مِنْهُ الْأَسْنَانُ . وَقَالَ: (لَتَلْعَنُهُمْ). كَذَا بِخَطِّ الدِّمْيَاطِيِّ مُجَوَّدًا مِنَ اللَّعْنِ، وَذَكَرَهُ ابْنُ التِّينِ بِلَفْظِ: نَقْلِيهِمْ. ثُمَّ قَالَ: أَيْ: نُبْغِضُهُمْ. يُقَالُ: (قَلَاهُ) يَقْلِيهِ قِلًى وَقَلَاءً. قَالَ ابْنُ فَارِسٍ: وَقَدْ قَالُوا: قَلَيْتُهُ أَقَلَاهُ . وَفِي "الصِّحَاحِ": يَقَلَاهُ لُغَةُ طَيِّئٍ . وَهِيَ مِنَ النَّوَادِرِ، فَعَلَ يَفْعَلُ بِغَيْرِ حَرْفِ حَلْقٍ، وَمَثَلُهُ: رَكَنَ يَرْكَنُ، أَبَى يَأْبَى، وَحَيِيَ يَحْيَى. وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُدَارَةَ مِنْ أَخْلَاقِ الْمُؤْمِنِينَ، وَهِيَ: خَفْضُ الْجَنَاحِ لِلنَّاسِ وَلِينُ الْكَلِمَةِ وَتَرْكُ الْإِغْلَاظِ لَهُمْ فِي الْقَوْلِ، وَذَلِكَ مِنْ أَقْوَى أَسْبَابِ الْأُلْفَةِ وَسَلِّ السَّخِيمَةِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: "مُدَارَاةُ النَّاسِ صَدَقَةٌ" . قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَقَدْ ظَنَّ مَنْ لَمْ يُنْعِمِ النَّظَرَ أَنَّ الْمُدَارَاةَ هِيَ الْمُدَاهَنَةُ، وَذَلِكَ غَلَطٌ; لِأَنَّهَا مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا، وَالْمُدَاهَنَةُ مُحَرَّمَةٌ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا لَائِحٌ; لِأَنَّ الْمُدَاهَنَةَ اشْتُقَّ اسْمُهَا مِنَ الدِّهَانِ الَّذِي يَظْهَرُ عَلَى ظَوَاهِرِ الْأَشْيَاءِ وَيَسْتُرُ بَوَاطِنَهَا، قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَهِيَ أَنْ يَلْقَى الْفَاسِقَ الْمُظْهِرَ لِفِسْقِهِ فَيُؤَالِفُهُ وَيُؤَاكِلُهُ وَيُشَارِبُهُ، وَيَرَى أَفْعَالَهُ الْمُنْكَرَةَ وَيُرِيهُ الرِّضَا بِهَا وَلَا يُنْكِرُهَا عَلَيْهِ وَلَوْ بِقَلْبِهِ. فَهَذِهِ الْمُدَاهَنَةُ الَّتِي بَرَّأَ اللَّهُ مِنْهَا نَبِيَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِقَوْلِهِ: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ [الْقَلَمِ: 9]. وَالْمُدَارَاةُ: هِيَ الرِّفْقُ بِالْجَاهِلِ الَّذِي يَتَسَتَّرُ بِالْمَعَاصِي وَلَا يُجَاهِرُ بِالْكَبَائِرِ، وَالْمُعَاطَفَةُ فِي رَدِّ أَهِلِ الْبَاطِلِ إِلَى مُرَادِ اللَّهِ بِلِينٍ وَلُطْفٍ، حَتَّى يَرْجِعُوا عَمَّا هُمْ عَلَيْهِ. فَإِنْ قُلْتَ: فَمَا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ: "بِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ" ثُمَّ حَدَّثَهُ وَأَثْنَى عَلَيْهِ شَرًّا عِنْدَ خُرُوجِهِ؟ قُلْتُ: كَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَأْمُورًا بِأَلَّا يَحْكُمُ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا بِمَا ظَهَرَ مِنْهُ لِلنَّاسِ، لَا بِمَا يَعْلَمُهُ هُوَ مِنْهُمْ دُونَ غَيْرِهِ. وَكَانَ الْمُنَافِقُونَ لَا يُظْهِرُونَ لَهُ إِلَّا التَّصْدِيقَ وَالطَّاعَةَ، فَكَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَلَّا يُعَامِلَهُمْ إِلَّا بِمَثَلِ مَا أَظْهَرُوا لَهُ; إِذْ لَوْ حَكَمَ فِي عِلْمِهِ بِشَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ لَكَانَتْ سُنَّةً أَنْ يَحْكُمَ كُلُّ حَاكِمٍ بِمَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ شَاهِدًا وَحَاكِمًا. وَالْأُمَّةُ مُجْمِعَةٌ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ. وَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي الْمُنَافِقِينَ: "أُولَئِكَ الَّذِينَ نَهَانِي اللَّهُ عَنْ قَتْلِهِمْ" . وَالدَّاخِلُ عَلَيْهِ إِنَّمَا كَانَ يُظْهِرُ فِي ظَاهِرِ لَفْظِهِ الْإِيمَانَ، فَقَالَ فِيهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَبْلَ وُصُولِهِ إِلَيْهِ وَبَعْدَ خُرُوجِهِ مَا عَلِمَهُ دُونَ أَنْ يُظْهِرَ لَهُ فِي وَجْهِهِ بِمَا لَوْ أَظْهَرُهُ صَارَ حُكْمًا. وَأَفَادَ بِكَلَامِهِ بِمَا عَلِمَهُ مِنْهُ إِعْلَامَ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - (بِحَالِهِ) ، وَلَوْ أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ وَرَجَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِيمَانَهُ وَاسْتِئْلَافَهُ وَقَوْمَهُ وَإِنَابَتَهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، لَمْ يَكُنْ هَذَا مُدَاهَنَةً; لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ حُكْمٌ إِلَّا مِنْ جِهَةِ الدُّعَاءِ إِلَى الْإِسْلَامِ لَا مِنْ جِهَةِ الْإِنْكَارِ وَالْمُقَاطَعَةِ، كَمَا فَعَلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَعَ الْمُشْرِكِ الَّذِي دَخَلَ عَلَيْهِ، وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ لَيْلَةً سَأَلَهُ أَنْ يُدْنِيَهُ وَيَعْلِّمَهُ، وَأَقْبَلَ عَلَى الْمُشْرِكِ، رَجَاءً مِنْهُ أَنْ يَدْخُلَ فِي الْإِسْلَامِ، وَتُوَلَّى عَنِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ فَعَاتَبَهُ اللَّهُ فِي ذَلِكَ . فَبَانَ أَنَّهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنْصَافٌ أَنْ يُظْهِرَ لِلْإِنْسَانِ مَا يُظْهِرُ لَهُ مِمَّا يُظْهِرُهُ لِلنَّاسِ أَجْمَعِينَ مِنْ أَحْوَالِهِ مِمَّا لَا يَعْلَمُونَ مِنْهُ (غَيْرَهُ) ، كَمَا فَعَلَ بِابْنِ الْعَشِيرَةِ.

                                                                                                                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية