الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                                        باب في الشركة في الشفعة

                                                                                                                                                                                        وإذا كانت دار بين ثلاثة فباع أحدهم نصيبه وسلم أحد الباقين الشفعة وقام الآخر وقال: آخذ بقدر نصيبي لم يكن له ذلك إذا كره المشتري; لأنه يبعض عليه صفقته، ويقال له خذ الجميع أو دع.

                                                                                                                                                                                        واختلف إذا قال الشفيع: أنا آخذ جميع الصفقة، وقال المشتري لا أسلم لك إلا نصيبك منه، فقال مالك للشفيع أن يأخذ جميع ذلك النصيب ، وقال ابن حبيب: إن أراد من أسقط حقه في ذلك وجه المشتري لم يستشفع إلا نصيبه، وإن كان تركه كراهية لأخذه أخذ جميع النصيب ، وفي مختصر الوقار قال : ليس لمن لم يجز إلا مصابته خاصة وهو أقيسها; لأن الذي كان له من الشفعة نصفها والفاضل لا شيء له فيه، فإذا أسقط الآخر حقه فيه كان لمن ترك له، فإن كانت الدار بين أربعة فباع اثنان نصيبهما صفقة واحدة كان للثالث أن يأخذ الجميع، وليس له أن يأخذ نصيب أحدهما إلا أن يرضى المشتري، وإن كان البائع واحدا والشفيع واحدا، والمشتري رجلان اشتريا صفقة واحدة .

                                                                                                                                                                                        فقال: أنا أشفع من أحدهما لم يكن ذلك له عند ابن القاسم، وذلك له [ ص: 3366 ] عند أشهب، وبه قال سحنون ، وهو أحسن، وليس لمن أخذ منه أن يقول: لا تأخذ مني إلا أن تأخذ من شريكي، ولا لمن لم يؤخذ منه أن يقول: لا تأخذ من شريكي إلا أن تأخذ مني أو لا تترك الأخذ مني إلا أن تترك شريكي، وإن كان المشتري رجلا واحدا والشفيع واحدا والبائع رجلان، باع نصيبهما من ذلك صفقة واحدة لم يكن للشفيع إلا أن يأخذ النصيبين أو يترك، وكذلك: إذا باعا نصيبهما من دارين أو دار وبستان، وكل ذلك صفقة واحدة.

                                                                                                                                                                                        ويختلف إذا كانت شركتهم مفترقة: لأحدهم شركة في دار، وللآخر شركة في بستان، فباعا ذلك صفقة واحدة على من أجاز جمع السلعتين، والشفيع في ذلك واحد، فأحب أن يستشفع نصيب أحدهما دون الآخر، فقال ابن القاسم: ليس ذلك له إلا أن يأخذ الجميع، أو يدع ، وهذا هو أحد القولين في الصفقة لمالكين هل هي كالصفقة لمالك واحد إذا عقد أحدهما عقدا واحدا حلالا والآخر عقدا حراما؟ فقيل: يفسد جميع العقد، وقيل: يفسخ الحرام وحده، فعلى هذا يكون له أن يستشفع من أحدهما دون الآخر بمنزلة العقدين; لأنه لا يقدح أحدهما في فساد الآخر، ولو استحق أحدهما وهو الوجه لم يكن للمشتري أن يرد على الآخر، وعلى قوله ها هنا إنه يأخذ الجميع أو يدع يكون فساد أحدهما يقدح في الآخر، وإذا استحق الوجه رد الآخر، والقول إنه كالعقدين أحسن، وإن كان الشفعاء ثلاثة فاستشفع أحدهم في الدار، [ ص: 3367 ] والآخر في الحمام، والآخر في البستان كان ذلك لهم; لأنه لم يبق في يد المشتري شيء، وإن بعض أحدهم نصيبه فباعه ثلاث صفقات كان للشفيع أن يستشفع جميعها أو أحدها، فإن استشفع الأولى أو الأولى والثانية صفقة لم يشركه المشتري بما بيع بعد، وإن استشفع الوسطى استشفع معه المشتري بالأولى، وإن استشفع الوسطى والآخرة استشفع معه فيهما بالأولى، وإن استشفع الأولى والآخرة استشفع بالوسطى في الآخرة .

                                                                                                                                                                                        وفي كتاب محمد في دار بين أربعة نفر غاب اثنان فباع أحد الحاضرين نصيبه على ثلاث صفقات فاستشفع الحاضر الصفقة الآخرة وحدها ، وهي ثلث الربع كان للمشتري أن يستشفع معه بالصفقتين الأوليين، وذلك ثلثا الربع، وللشفيع ربع كامل فيقسم بينهما الصفقة الآخرة على خمسة أجزاء، فإن قدم ثان فسلم للمشتري ما سلم الأول فاستشفع في الآخرة كانت بينهما على ثمانية أجزاء; لأن للغائب ربعه، وهو ثلاثة أسهم، ولصاحبه مثله، وللمشتري سهمان، وإن استشفع القادم الصفقتين الأولتين كانت الشفعة في الصفقة الآخرة بين الشريكين على ثمانية أجزاء ، للقادم خمسة ولصاحبه ثلاثة، فإن قدم الآخر فاستشفع الصفقة الآخرة وحدها كان بينهما على أحد عشر جزءا، فإن دخل مع صاحبه في الصفقتين الأولتين صار في يد كل واحد أربعة أسهم، وللذي كان مقيما ثلاثة، وإن سلم الغائبان للمشتري الصفقتين الأوليين كانت الشفعة بينهم على حالها على أحد عشر جزءا للغائبين ثلاثة أسهم وللشريك المقيم ثلاثة، وللمشتري سهمان. [ ص: 3368 ]

                                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية