الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                                        [ ص: 4769 ] فصل [في جائحة الطير والجراد، وما يصيب الثمار من البرد والجليد وما أشبه]

                                                                                                                                                                                        والطير والجراد والدود جائحة، وكذلك البرد والجليد والمطر والغرق والريح يسقط الثمار، والسموم والغبار جائحة. وقال ابن شعبان: قلة الريح ليست بجائحة، وأرى أنه إذا عابها ذلك أن يرد بالعيب أو يتمسك ولا شيء له. والعطش يصيب الثمرة من انقطاع الماء أو سماء احتبست جائحة.

                                                                                                                                                                                        قال مالك في ماء العيون وغيرها: إذا انقطعت وضع قليله وكثيره. والعفن وإن نقصها العطش أقل من الثلث وكان ذلك يعيبها كان له أن يرد بالعيب وإن نقصها الثلث فأكثر، فإن أحب رجع بالجائحة ورجع بقدر ما نقص منها العطش، وإن أحب رد بالعيب.

                                                                                                                                                                                        وكذلك السموم إن لم يسقط ينقص منها شيء وإذا أعابها كان له أن يرد بالعيب أو يتمسك ولا شيء له وإن أسقط الثلث ولم يعب الباقي رجع بالجائحة، وإن عاب الباقي رجع بما ينوب الساقط وكان بالخيار في الباقي هل يتمسك به بجميع ما ينوبه من الثمن أو يرد بالعيب. [ ص: 4770 ]

                                                                                                                                                                                        وكذلك الغبار إن أعابها ولم يسقط منها شيئا كان له أن يرد بالعيب أو يتمسك ولا شيء له. واختلف إذا أسقطها الريح ولم تتلف، فقال ابن شعبان: هي جائحة. وقال عبد الملك ليست بجائحة.

                                                                                                                                                                                        وأرى إن كان ذلك يعيبها أن يكون بالخيار بين أن يتمسك ولا شيء له أو يرد بالعيب، وإن أسقط الثلث لم يرجع بشيء على قول عبد الملك، وعلى القول الآخر يكون بالخيار بين أن يقبله بعيبه بجميع الثمن أو يرده ويسقط عنه ثلث الثمن.

                                                                                                                                                                                        وكذلك الجراد والدود إن أسقط الثلث فأكثر كان جائحة، يرد ذلك الساقط أو يمسكه ولا يحط عنه شيء، وإن أسقطها الدود وأذهب منها الثلث فأكثر، كان بالخيار بين أن يمسك ويحط عنه بقدر ما أكل الدود منها، أو يرد الباقي بالعيب ويسقط عنه جميع الثمن.

                                                                                                                                                                                        واختلف فيما أكله الجيش أو السلطان أو السارق، فقال مالك فيما أخذه الجيش: هو جائحة. وقال ابن القاسم في السارق: هو جائحة. وقال مطرف وابن الماجشون في جميع ذلك: ليس بجائحة، وإنما الجائحة ما كان من آفات الثمرة وفسادها الغالب من غير فعل الناس. [ ص: 4771 ]

                                                                                                                                                                                        وقال ابن نافع: ليس السارق جائحة. والقول الأول أحسن; لأن الثمرة في ضمان بائعها وقد بقيت فيها توفية فكل ما أصابها من الله تعالى أو من آدمي حط عن المشتري.

                                                                                                                                                                                        واختلف في الماء يباع ليسقى به شهرا أو شهرين أو ما أشبهه فنقص بعضه. فقيل: إن ذلك من البائع، قليله وكثيره. وقيل: إن كان أقل من الثلث لم يحط عنه شيء. والأول أحسن، وليس الماء في هذا كالثمار يدخل المشتري على سقوط بعضها.

                                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية