الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                                        باب فيمن غصب ما لا يجوز بيعه

                                                                                                                                                                                        قال مالك في كتاب ابن حبيب فيمن غصب حرا فباعه ثم تاب: يطلبه فإن أيس منه ودى ديته إلى أهله .

                                                                                                                                                                                        وقال ابن القاسم في العتبية فيمن غصب أم ولد فماتت عنده: يغرم لسيدها قيمتها قيمة أمة لا عتق فيها .

                                                                                                                                                                                        وقال سحنون في المجموعة: لا ضمان عليه بمنزلة الحرة يغتصبها فتموت عنده من غير فعله . والأول أحسن وليست كالحرة ؛ لأن هذا على أحكام العبودية حتى يموت السيد ولو نقل الرقبة غاصبها ضمنها ولو نقل حرا لم يضمنه؛ لأنه غصب منافعه بخلاف غصب الرقبة وبيعها.

                                                                                                                                                                                        واختلف فيمن غصب جلد ميتة، فقال ابن القاسم في المدونة: عليه قيمته دبغ أو لم يدبغ . [ ص: 5825 ]

                                                                                                                                                                                        وقال في المبسوط: وإن لم يدبغ فلا شيء عليه وإن دبغ فعليه قيمة ما فيه من الدباغ.

                                                                                                                                                                                        وقال مالك في كتاب أبي الفرج: لا شيء عليه وإن لم يدبغ والأول أحسن؛ لأنه منعه الانتفاع وليس ما توجبه الأحكام في الاستهلاك والتعدي كالذي يبتدئ البيع وكذلك إن دبغ كان عليه قيمة جميعها وقد قال مالك مرة: يجوز بيعه .

                                                                                                                                                                                        ويختلف فيمن غصب سمارا ممن كان ينتفع به لبستانه كان له أن يغرم له قيمته قياسا على جلد الميتة قبل الدباغ.

                                                                                                                                                                                        ويختلف في جلود السباع قبل الدباغ وبعده إذا كانت مذكاة، فقال مالك وابن القاسم: هو ذكي ويجوز بيعه . فعلى هذا يغرم غاصبه قيمته، وعلى قول ابن حبيب: يجري على أحكام جلد الميتة . وإن سرقه من صاحبه حيا كان عليه قيمة جلده على قول مالك؛ لأنه كان قادرا على ذكاته، وعلى قول ابن [ ص: 5826 ] حبيب: لا شيء له؛ لأن حكم جلده عنده حكم جلد الميتة.

                                                                                                                                                                                        وإن غصب كلب ماشية أو صيد أو زرع فعليه قيمته، ويختلف في صفة القيمة فمن أجاز بيعه قوم على ذلك، ومن منع رده إلى أحكام جلد الميتة يقوم للانتفاع لا للبيع، وإن كان كلب دار لم يغرم شيئا ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بقتلها .

                                                                                                                                                                                        وإن غصب تمرا أو زرعا لم يبد صلاحه غرم قيمته على الرجاء والخوف، فإن عاد لهيئته وحاله بعد الحكم لم ينقض.

                                                                                                                                                                                        واختلف إذا عاد قبل الحكم، فقال مالك في كتاب ابن حبيب: تسقط القيمة إن لم تكن فيه منفعة، وإن كانت فيه منفعة قوم على غير الرجاء والخوف .

                                                                                                                                                                                        وقال أصبغ: يقوم على الرجاء والخوف . والأول أحسن، وأرى أن يرجع إلى ما تبين حكم أو لم يحكم، وإن تراخى الحكم ثم سلمت زروع أهل ذلك الموضع ولم يكن عاد إلى هيئته كان عليه قيمته على السلامة إذا كان بعلا، وإذا كان يتكلف أجرة في سقيه حط عنه ما ينوب الأجرة، وإن هلكت زروع أهل ذلك الموضع أو ثمارهم كانت عليه القيمة على غير الرجاء إلا أن يكون [ ص: 5827 ] هلاك غيره بعد ما انتقل وزاد فتكون القيمة على ما انتقل إليه، فإن قيل: قد يكون حال المتعدى عليه خلاف ذلك فيهلك وإن سلم غيره أو يسلم وإن هلك غيره، قيل: هذا من النادر والنادر لا حكم له؛ لأنه إن كان الهلاك من قحط السماء أو سموم فهو عام، وإن أتت الأمطار وتمت فلجميعها .

                                                                                                                                                                                        وقال أشهب في المجموعة فيمن غصب بئر الماشية الذي لا يجوز بيعه فسقى به أرضه: فعليه قيمته إذا كان لا يفضل منه شيء .

                                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية