الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                        جزء صفحة
                                                                                                                                                                                        وَاخْتُلِفَ فِي مُدَّعِي الْإِصَابَةِ، فَقِيلَ: يُحَدُّ حَدَّ الْبِكْرِ. وَقِيلَ: حَدَّ الثَّيِّبِ، إِلَّا أَنْ يَرْجِعَ عَمَّا كَانَ أَقَرَّ بِهِ، فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ هُوَ الْمُدَّعِي لِلْإِصَابَةِ، ثُمَّ قَالَ الْآنَ: كُنْتُ قُلْتُ ذَلِكَ لِأَمْلِكَ الرَّجْعَةَ، أَوْ كَانَتِ الزَّوْجَةُ الْمُدَّعِيَةَ لِلْإِصَابَةِ وَقَالَتْ: كُنْتُ قُلْتُ ذَلِكَ لِأَسْتَكْمِلَ الصَّدَاقَ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْعُذْرِ، حَلَفَ وَحُدَّ حَدَّ الْبِكْرِ. وَهَذَا أَحْسَنُ، أَنَّهُ يُقَامُ عَلَيْهِ حَدُّ الثَّيِّبِ حَتَّى يَرْجِعَ عَنْ قَوْلِهِ، وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ ذَلِكَ قَبْلَ رُجُوعِهِ. وَاخْتُلِفَ أَيْضًا إِذَا أُخِذَ أَحَدُهُمَا فِي زِنًى قَبْلَ أَنْ يُسْمَعَ مِنْهُ إِقْرَارٌ أَوْ إِنْكَارٌ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: لَا يُقْبَلُ قَوْلُ مَنْ أَنْكَرَ مِنْهُمَا، وَالرَّجْمُ قَائِمٌ، وَلَوْ لَمْ يَقُمْ مَعَهَا إِلَّا لَيْلَةً وَاحِدَةً ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: هُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ: إِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الزَّوْجِ إِنْ أُخِذَ فِي زِنًى، وَإِنْ طَالَ مُكْثُهُ مَعَهَا إِلَّا أَنْ يُعْلَمَ غَيْرُ ذَلِكَ، لِظُهُورِ حَمْلٍ أَوْ بِإِقْرَارٍ أَوْ بِسَمَاعٍ. وَقَالَ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ الثَّالِثِ: إِذَا أُخِذَتِ الْمَرْأَةُ فِي زِنًى، وَكَانَتْ أَقَامَتْ عِشْرِينَ سَنَةً، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهَا ، وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ. وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ السُّؤَالَيْنِ، فَقَالَ: إِنَّمَا صُدِّقَ الزَّوْجُ; لِأَنَّهُ يَكْتُمُ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِهِ وَهَذَا ضَعِيفٌ لِوُجُوهٍ: أَحَدِهَا: أَنَّهُ قَالَ: "حَتَّى يُعْلَمَ بِوَلَدٍ يَظْهَرُ" وَهَذَا يَتَسَاوَيَانِ فِيهِ، فَإِذَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْهَا قُبِلَ قَوْلُهَا كَمَا قُبِلَ قَوْلُهُ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ إِذَا كَتَمَ ذَلِكَ لَمْ تَكْتُمْهُ الزَّوْجَةُ، وَإِذَا كَانَ عِنْدَهُ عَدَمُ ذِكْرِهَا دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُصِيبُ فَمِثْلُهُ إِذَا كَانَ هُوَ الزَّانِي وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهَا إِنْكَارٌ; لِأَنَّ سُكُوتَهَا دَلِيلٌ عَلَيْهَا وَعَلَيْهِ، وَإِنْكَارُهَا شَاهِدٌ لَهُمَا. وَالثَّالِثِ قَوْلُهُ: "أَوْ بِأَمْرٍ يُسْمَعُ" وَالسَّمَاعُ عَنْ ذَلِكَ يُعْلَمُ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْجِيرَانِ وَالْأَقَارِبِ، وَهُمَا فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَأَرَى إِذَا طَالَ مُكْثُهُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْإِصَابَةِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ سَمَاعٌ بِعَجْزٍ أَوِ اعْتِرَاضٍ وَلَا يُحْمَلَانِ عَلَى ذَلِكَ فِي مَبِيتِ لَيْلَةٍ، لِإِمْكَانِ أَنْ يَكُونَ كَانَ أَمْرٌ مَنَعَ مِنَ الْإِصَابَةِ، وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَنْ غَصَبَ امْرَأَةً فَبَاتَ بِهَا لَيْلَةً، ثُمَّ أَصْبَحَ وَقَالَ: لَمْ أُصِبْ- أَنَّهُ لَا يُقَامُ عَلَيْهِ حَدُّ الزِّنَى، وَلَمْ يُحْمَلْ عَلَى أَنَّهُ أَصَابَ، وَيَلْزَمُ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ; لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْقَضَاءِ بِالدَّلِيلِ، بَلْ هُوَ فِي الْغَاصِبِ أَوْلَى، وَلِأَنَّ مَنْ بَلَغَ مِنْ فَضِيحَةِ نَفْسِهِ وَفَضِيحَةِ الْمَرْأَةِ وَغَلَبَةِ الشَّهْوَةِ بِمِثْلِ ذَلِكَ أَقْوَى دَلِيلًا مِمَّنْ أَتَى ذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ. وَإِذَا غَابَ أَحَدُهُمَا أَوْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُسْمَعَ مِنْهُ إِقْرَارٌ وَلَا إِنْكَارٌ، ثُمَّ أَخَذَ الْآخَرَ يَزْنِي كَانَ الْجَوَابُ فِيهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ لَوْ كَانَ حَاضِرًا، وَلَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ شَيْءٌ. وَأَمَّا حَالَةُ الزَّوْجَيْنِ، فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ وَحْدَهُ غَيْرُ بَالِغٍ- لَمْ يَكُنْ إِحْصَانًا لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَإِنْ كَانَتْ هِيَ غَيْرَ بَالِغَةٍ وَحْدَهَا كَانَ إِحْصَانًا لَهُ دُونَهَا، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا عَبْدًا- كَانَ إِحْصَانًا لِلْحُرِّ مِنْهُمَا، الزَّوْجُ كَانَ أَوِ الزَّوْجَةُ. وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مَجْنُونًا- كَانَ إِحْصَانًا لِلْعَاقِلِ مِنْهُمَا خَاصَّةَ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ . وَذَهَبَ أَشْهَبُ إِلَى أَنَّ الْمُرَاعَى الزَّوْجُ فَإِنْ كَانَ عَاقِلًا كَانَ إِحْصَانًا لَهُ وَلَهَا إِذَا زَنَتْ هِيَ فِي إِفَاقَتِهَا، وَإِنْ كَانَ مَجْنُونًا لَمْ يَكُنْ إِحْصَانًا لَهُ وَلَا لَهَا . وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: إِذَا صَحَّ الْعَقْدُ مِنْهُمَا أَوْ مِمَّنْ يَلِي عَلَيْهِمَا - كَانَ إِحْصَانًا لَهُمَا وَلَوْ كَانَا مَجْنُونَيْنِ فِي حَالِ الْبِنَاءِ إِذَا كَانَ الزِّنَى فِي حَالِ الصِّحَّةِ . وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَحْسَنُ أَنَّهُ يُرَاعَى الْعَاقِلُ مِنْهُمَا فِي نَفْسِهِ وَأَلَّا يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُحْصَنًا بِمَا يَكُونُ مِنَ الْإِصَابَةِ فِي حَالِ الْجُنُونِ; لِأَنَّهُ كَالْعَدَمِ. وَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ مُسْلِمًا وَهِيَ نَصْرَانِيَّةٌ- كَانَ إِحْصَانًا لَهُ دُونَهَا ، وَإِنْ كَانَتْ مُسْلِمَةً وَهُوَ نَصْرَانِيٌّ لَمْ يَكُنْ إِحْصَانًا لَهَا; لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ نِكَاحُهُ وَهِيَ مُسْلِمَةٌ، كَانَ فَاسِدًا، وَإِنْ كَانَ وَهِيَ نَصْرَانِيَّةٌ- لَمْ تُحْتَسَبْ هِيَ بِذَلِكَ; لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ غَيْرُ مُخَاطَبَةٍ بِفُرُوعِ الْإِسْلَامِ .

                                                                                                                                                                                        ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية