الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                                        واختلف في معنى قول الله تعالى : وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما [المائدة : 96] فقيل : المراد الصيد نفسه . وقيل : الاصطياد . وكلا القولين يحتمل ؛ لأن الصيد يقع على المصيد ، يقول : هذا صيد ، وأخذت صيدا . وعلى الاصطياد ، يقول : صاد يصيد صيدا ، فهو مصدر صاد .

                                                                                                                                                                                        وقول مالك وأصحابه أن المراد الاصطياد ، وألا شيء عليه إن بقي في ملكه إذا لم يكن في يده معه .

                                                                                                                                                                                        واختلف فيه عن الشافعي فقال مرة : المراد الاصطياد . وقال مرة : الصيد نفسه ، وعليه أن يرسل ما كان في بيته . وحمل الآية على الملك . واحتج من أجاز ملكه بالنكاح لتقدم الإحرام ، فإنه لا يؤمر بالفراق ، ولا يجوز أن يستأنف نكاحا بعد الإحرام . وليس الاحتجاج بالزوجية بالبين ؛ لأنه يجوز أن تكون معه وتضاجعه ، بخلاف الصيد أنه يرسله إن كان معه ، والوجه فيه ما تقدم : أن [ ص: 1312 ] النهي إنما ورد عن القتل والاصطياد ، وأن يستأنف فيه ملكا وهو معه ؛ لئلا يكون خائفا منه ، وما كان في بيته خارج عن ذلك ، فقد يجوز أن يشتري وهو محرم بمكة صيدا بمدينة أخرى ، وتقبل هبته . وقول محمد ألا شيء عليه إن كان معه في رفقة- حسن ، ولا فرق بين ذلك ولا بين أن يكون في داره وهو في تلك المدينة ولا بين أن يكون معه في رفقة ، بخلاف أن يكون معه خائفا منه ، وقد نهي أن يزيله من الظل ويكون مكانه .

                                                                                                                                                                                        والسابع اصطياده وقتله للضرورة ، ففيه ثلاثة أقوال :

                                                                                                                                                                                        فقيل : لا يجوز قتله . وقيل : يجوز ، وعليه الجزاء . وقيل : لا جزاء عليه .

                                                                                                                                                                                        فقال مالك في الموطأ في المحرم يضطر إلى الميتة : يأكلها ، ولا يصيد . قال : لأن الله تعالى لم يرخص في قتل الصيد في حال من الأحوال ، ورخص في أكل الميتة عند الضرورة . وهذا يقتضي ألا يأكله وإن لم تكن ميتة ؛ لقوله : لم يرخص فيه في حال من الأحوال ، مثل أحد القولين في المضطر إلى الخمر .

                                                                                                                                                                                        وقال محمد بن عبد الحكم : لو نالني ذلك ؛ لأكلت الصيد ، وإن كانت الميتة موجودة .

                                                                                                                                                                                        وقال أبو محمد عبد الوهاب فيمن قتل صيدا لضرورة : عليه جزاؤه . وهذا محتمل أن يمنعه عند الضرورة ، أو يقول : يجوز له ، وعليه جزاؤه . وقال الأوزاعي : لا جزاء عليه . وأرى أن يجوز الصيد والقتل عند الضرورة لإحياء [ ص: 1313 ] نفس ، وليس له ذلك إذا جاع ، ولم يخف على نفسه .

                                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية