الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                                        فصل [فيمن أعتق أو استولدها مبتاعها]

                                                                                                                                                                                        واختلف إذا لم يبعه المشتري وأعتقه ، أو كانت أمة فأولدها ، فقال ابن القاسم : ذلك فوت ولا شيء لمستحقهم فيهم .

                                                                                                                                                                                        وقال أشهب : له أن يرد العتق ، ويأخذ الأمة وإن ولدت . يريد : ويحاسبه من الثمن بقيمة الولد ، فأمضى ذلك ابن القاسم على الأصل فيما بيع على وجه الشبهة ، وكان مما لا يأخذه مستحقه ، إلا بعد دفع الثمن : أن العتق والإيلاد فوت . ولهذا قال مرة : إن البيع الثاني فوت .

                                                                                                                                                                                        ورد ذلك أشهب ؛ لأنه مستحق في الحقيقة لعين ذلك العبد والأمة .

                                                                                                                                                                                        ويختلف على هذا ؛ إذا أعتق الرجل إلى أجل ، فعلى قول ابن القاسم [ ص: 1372 ] يمضي ذلك كله ، وعلى قول أشهب يرد .

                                                                                                                                                                                        واختلف فيما أخذ من المكاتب ، فمن قال : إن ذلك غلة ؛ لم يحاسب بها فيما أخذ ، ولم يكن للمستحق أن يأخذه إلا بعد دفع الثمن .

                                                                                                                                                                                        ومن قال : إنها ثمن للرقبة ؛ يكون للمستحق أن يحاسب المشتري بقدر ما أخذ من الكتابة .

                                                                                                                                                                                        واختلف في الحر إذا بيع في المقاسم ، فقال مالك وابن القاسم في كتاب محمد : لا يتبع الحر بذلك الثمن .

                                                                                                                                                                                        وقال سحنون في كتاب ابنه عن أشهب إنه يتبع . ولم يفرق في هذين القولين ؛ هل كان جاهلا أو عامدا .

                                                                                                                                                                                        وقال ابن القاسم : وإن كان صغيرا أو كبيرا قليل الفطنة كثير الغفلة ، أو أعجميا يظن أن ذلك رق له ؛ لم يتبع وإن كان ينادى عليه ، وهو ساكت متعمدا بلا عذر ؛ اتبع إذا لم يجد المشتري على من يرجع .

                                                                                                                                                                                        وقال غيره : لا يتبع ، وإن غرر من نفسه وكل هذا إذا افترق الجيش ، وكانوا لا يعرفون لكثرتهم وإن لم يفترقوا ، أو عرفوا بعد الافتراق ، رجع عليهم المشتري ، أو من كان صار في قسمه . [ ص: 1373 ]

                                                                                                                                                                                        قال ابن القاسم : ينبغي للإمام إذا لم يعرفوا أن يغرم الثمن من وقع في سهمه من الخمس أو من بيت المال .

                                                                                                                                                                                        قال سحنون : هي مصيبة نزلت به ، ولا يعطى من الخمس ولا من بيت المال . فأسقط مقال المشتري مع علم الحر المبيع ؛ لأنه غرور بالقول .

                                                                                                                                                                                        وأثبت أشهب الرجوع مع الجهل ؛ لأنه بمنزلة من أخطأ على مال غيره لما جهل بيع رقبته وسلمها للمشتري .

                                                                                                                                                                                        ولا يختلف في ذلك إذا كان المبيع صغيرا ؛ أن لا رجوع عليه .

                                                                                                                                                                                        وأرى أن يغرم الإمام خمس الثمن من باقي الخمس إن بقي منه شيء أو من بيت المال .

                                                                                                                                                                                        واختلف في الذمي يباع في المقاسم ، كالاختلاف في المسلم .

                                                                                                                                                                                        وإن وجدت في المغانم أم ولد لمسلم لم تقسم ، وإن قسمت بعد المعرفة أخذها سيدها بغير ثمن .

                                                                                                                                                                                        واختلف إذا لم يعلم أنها أم ولد حتى قسمت ، فقال مالك في الموطأ : يفديها الإمام لسيدها ، فإن لم يفعل فعلى سيدها أن يفديها ، ولا أرى للذي [ ص: 1374 ] صارت له أن يسترقها ، ولا أن يستحل فرجها .

                                                                                                                                                                                        وقال في المدونة : على سيدها الثمن الذي اشتريت به ، وإن كان أكثر من قيمتها . فإن لم يوجد عنده شيء قبضها ، واتبع بثمنها .

                                                                                                                                                                                        وقال أشهب والمغيرة وعبد الملك في كتاب محمد : على سيدها الأقل من قيمتها ، أو الثمن الذي اشتريت به ، وإن كان عديما اتبع به .

                                                                                                                                                                                        قال عبد الملك : ومشتريها أحق بما في يد سيدها من غرمائه .

                                                                                                                                                                                        وروى ابن وهب وأشهب عن مالك أنه قال : إن أعتقها المشتري أخذت منه بغير شيء .

                                                                                                                                                                                        وقال سحنون : إن أعتقها وهو عالم أنها أم ولد لمسلم ، فكأنه وضع المال عن سيدها ، وبطل عتقه . وإن لم يعلم بطل العتق ، وأتبع السيد بما كان افتداها به ، وإن أولدها المشتري ؛ كان على سيدها الثمن الذي بيعت به ، وعلى الواطئ قيمة الولد ، وإن مات السيد قبل أن يعلم بها ؛ كانت حرة ، ولم يكن للمشتري عليها ، ولا على تركته شيء . [ ص: 1375 ]

                                                                                                                                                                                        قيل له : فلم قلت : إذا جنت ، ومات سيدها ، ولم يفدها : أنها تتبع ؟ قال : لأن هذا فعلها ، وليس لها في الأول فعل .

                                                                                                                                                                                        ولو كان معتقا إلى أجل ، وعرف سيده ؛ وقف له ، وإن لم يعرف بيعت خدمته ، ودخلت في المقاسم .

                                                                                                                                                                                        فإن استخدمه المشتري ، ومضى الأجل ؛ كان حرا . فإن أتى صاحبه بعد ذلك ؛ لم يكن له فيه ، ولا على المشتري شيء .

                                                                                                                                                                                        وإن أتى بعد ما مضى نصف خدمته ؛ كان بالخيار في النصف الباقي بين أن يأخذه ، ويدفع نصف ما اشتريت به ، أو يسلمه ولا شيء له فيه .

                                                                                                                                                                                        وإن بيعت رقبته ، ثم علم أنه معتق إلى أجل ؛ عاد حق المشتري في الخدمة ، ويحاسب بها من الثمن ، ثم يخرج حرا .

                                                                                                                                                                                        ويختلف : هل يتبعه بالباقي إذا كان الثمن أكثر من الخدمة ، حسبما تقدم لو ثبت أنه حر من الأول .

                                                                                                                                                                                        وإن أتى سيده قبل أن يستخدم كان بالخيار بين أن يفتديه ، وتكون له خدمته ، أو يسلمه ، ويختدمه المشتري في الثمن .

                                                                                                                                                                                        واختلف قول ابن القاسم إذا مضى الأجل قبل تمام الثمن ، فقال في كتاب محمد : يتبع بالباقي . [ ص: 1376 ]

                                                                                                                                                                                        وروى عنه أبو زيد : أنه لا يتبع .

                                                                                                                                                                                        وهذا راجع إلى الخلاف المتقدم في الحر يباع في المقاسم ، ثم يعلم به ، هل يتبع بما اشتري به .

                                                                                                                                                                                        فإذا ذهبت الخدمة ، وصار حرا كان في الباقي بمنزلة الحر .

                                                                                                                                                                                        ويختلف أيضا : إذا استوفى الثمن قبل انقضاء الخدمة ، هل يرجع إلى سيده . وكذلك ، إن فداه رجل من العدو ؛ كان سيده بالخيار بين أن يعطيه ما فداه به ، وتكون له خدمته ، أو يسلمه فيختدمه المشتري .

                                                                                                                                                                                        فإن انقضى الأجل ، وقد بقي من فدائه شيء اتبعه به قولا واحدا ؛ لأن الحر ها هنا يتبع بما يفتدى به من أهل الحرب . وهو في هذا آكد ممن وقع في المقاسم .

                                                                                                                                                                                        وإن أسلم عليه حربي كانت له خدمته دون سيده ، وإذا مضى الأجل كان حرا .

                                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية