الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                                        باب الأيمان

                                                                                                                                                                                        الأيمان على ثلاثة أوجه: جائزة، وممنوعة، ومختلف فيها، هل تجوز أم لا؟. فالأول: اليمين بأسماء الله تعالى، كقوله: والله، والرحمن، والرحيم، والعزيز، والقدير .

                                                                                                                                                                                        وقال الله عز وجل: فيقسمان بالله [المائدة: 106] ، وقال: فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله [النور: 6]. فكل يمين بالذات جائزة، وإن اختلفت الأسماء.

                                                                                                                                                                                        والثاني: اليمين بالمخلوقات، كقوله: والكعبة، والنبي، والآباء، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت" . فمن حلف بذلك بعد علمه بالنهي; فليستغفر الله، ولا كفارة عليه.

                                                                                                                                                                                        والثالث: اليمين بصفات الله تعالى; بعزته أو قدرته.

                                                                                                                                                                                        فاختلف في جواز اليمين بها، وهل تجب الكفارة على من حلف بها؟ فالمشهور من المذهب الجواز، وأن كفارتها كفارة اليمين بالله. [ ص: 1674 ]

                                                                                                                                                                                        وقال في كتاب محمد فيمن حلف، فقال: لعمر الله: لا يعجبني أن يحلف به أحد.

                                                                                                                                                                                        وقال فيمن قال: وأمانة الله: نحن نكره اليمين بها .

                                                                                                                                                                                        وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ليس منا من حلف بغير الله" . قال: فمن جهل فحلف بها; كان فيها كفارة اليمين بالله. فمنع اليمين بالصفة لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ليس منا من حلف بغير الله" . وفي كتاب ابن حبيب مثل ذلك: أن لا يحلف بما ذكره محمد ، واستشهد بالحديث.

                                                                                                                                                                                        وفي كتاب محمد ، فيمن قال: لعمر الله وايم الله، أخاف أن يكون يمينا . فشك.

                                                                                                                                                                                        وقيل لابن القاسم فيمن حلف بالقرآن أو بالكتاب، أو بما أنزل الله تعالى: أترى ذلك كله يمينا؟ قال: أحسن ذلك والذي تكلمنا فيه: أن كل ما سمى من ذلك يمين; يريد: أنه اختلف فيه، وروى علي بن زياد ، عن مالك إذا قال: لا والقرآن، لا والمصحف; ليس بيمين، ولا كفارة على من حلف به فحنث . [ ص: 1675 ]

                                                                                                                                                                                        وأرى أن تجوز اليمين بالصفة; لحديث أنس، قال: قال رسول الله: "آخر أهل الجنة دخولا رجل يخرج من النار، ويبقى مقبلا بوجهه إلى النار، فيقول: يا رب، قشبني ريحها، وأحرقني ذكاؤها، فاصرف وجهي عن النار، فيقول: لعلك إن أعطيتك أن تسألني غيره، فيقول: لا وعزتك" .

                                                                                                                                                                                        وفي حديث آخر: "تقول جهنم: قط قط وعزتك" ، وقال أيوب: "بلى وعزتك، ولكن لا غنى لي عن بركتك" الحديث ذكره البخاري . ومحمل النهي في الحلف بغير الله أن ذلك في المخلوقات، وأما الكفارة; فإنما وردت فيمن حلف بذاته، فقيست اليمين بالصفة على ذلك.

                                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية