الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                                        فصل [في أنواع النذر من حيث الإبهام والتعليق والتقييد]

                                                                                                                                                                                        النذر ثلاثة: مبهم مجرد من اليمين، ومعلق بيمين، ومقيد.

                                                                                                                                                                                        فإن كان مبهما، كان فيه كفارة اليمين بالله، وهذا قول مالك ، وبه قال غير واحد من التابعين .

                                                                                                                                                                                        وفي كتاب مسلم : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - "كفارة النذر كفارة اليمين" . [ ص: 1681 ]

                                                                                                                                                                                        وروي عن ابن عباس أنه قال: عليه أغلظ الكفارات كالظهار ،

                                                                                                                                                                                        يريد: لأنه لم يسم اليمين بالله ولا نواها.

                                                                                                                                                                                        وقيل: إن شاء أو أطعم مسكينا أو صلى ركعتين.

                                                                                                                                                                                        يريد: لأن كلها مما يصح أن ينذر، فلا تعمر ذمته إلا بأقل النذور .

                                                                                                                                                                                        وروي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها نذرت أن لا تكلم ابن الزبير ، ثم كلمته، فأعتقت أربعين رقبة . وكانت متخوفة أن لا تكون وفت بنذرها وأنها حانثة، ورأت أن الذمة معمورة بنذر، فلا تبرأ بأقله.

                                                                                                                                                                                        وفي كتاب محمد : فإن قال: علي نذر لا يكفره صيام ولا صدقة، ثم حنث; فليستغفر الله، ويكفر كفارة اليمين بالله. قال: وكذلك، إذا قال: علي نذر لا كفارة له .

                                                                                                                                                                                        وإن علقه بيمين، فقال: علي نذر إن فعلت، أو أن فعلت، أو لا فعلت، أو إن لم أفعل، أو لا أفعلن ، افترق الجواب. فإن قال: علي نذر إن أعتقت هذا العبد، أو شربت هذه الخمر، كانت يمينا منعقدة، ولا شيء عليه الآن; لأنه [ ص: 1682 ] على بر. فإن أعتق أو شرب، كفر كفارة النذر، ويمضي العتق. وإن قال: علي نذر أن أعتق، أو أن أشرب خمرا، كان نذرا مجردا من اليمين مقيدا; لأن (أن) مع الفعل بمعنى المصدر، فكأنه قال: علي نذر عتق هذا العبد، وشرب هذه الخمر. فيوفي بما كان فيه طاعة، ولا شيء عليه في الآخر، لا كفارة ولا غيرها. وإن قال: علي نذر إن أعتقت، أو إن شربت الخمر، كان عليه كفارة النذر في الوجهين جميعا إذا كان تقدم له شرب أو عتق. فجعل النذر لأجل ذلك. فإن قال: علي نذر أن لا أعتقه، أو لأشربنها، كانت يمينا بالنذر على ترك العتق، أو الشرب. وهو كقوله: إن فعلت ذلك، فلا شيء عليه الآن. فإن فعل; كفر كفارة اليمين بالله. وإن قال: إن لم أعتق، أو إن لم أشرب; كانت يمينا منعقدة. وهو بالخيار بين العتق أو الكفارة، ويؤمر بالكفارة عن قوله: إن لم أشرب، إلا أن يجتزئ على الشرب.

                                                                                                                                                                                        وقال محمد : إن قال علي نذر لأعتقن أو لأشربن; كان العتق والشرب هو المنذور، كالذي يقول: أن أشرب، أو: أن أعتق. وليس بحسن، وهو بمنزلة من قال: إن لم أفعل. فإن فعل; سقط نذره، وإن لم يفعل; كفر كفارة النذر. [ ص: 1683 ]

                                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية