[ ص: 470 ] القول في تأويل قوله تعالى : (
nindex.php?page=treesubj&link=28973_29435nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=105ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم )
قال
أبو جعفر : يعني بقوله : ( ما يود ) ، ما يحب ، أي : ليس يحب كثير من أهل الكتاب . يقال منه : "ود فلان كذا يوده ودا وودا ومودة" .
وأما "المشركين" فإنهم في موضع خفض بالعطف على"أهل الكتاب" . ومعنى الكلام : ما يحب الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم .
وأما ( أن ) في قوله : ( أن ينزل ) فنصب بقوله : ( يود ) . وقد دللنا على وجه دخول "من" في قوله : ( من خير ) وما أشبه ذلك من الكلام الذي يكون في أوله جحد ، فيما مضى ، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع .
فتأويل الكلام : ما يحب الكافرون من أهل الكتاب ولا المشركين بالله من عبدة الأوثان ، أن ينزل عليكم من الخير الذي كان عند الله فنزله عليكم ، فتمنى المشركون وكفرة أهل الكتاب أن لا ينزل الله عليهم الفرقان وما أوحاه إلى
محمد صلى الله عليه وسلم من حكمه وآياته ، وإنما أحبت
اليهود وأتباعهم من المشركين ذلك ، حسدا وبغيا منهم على المؤمنين .
وفي هذه الآية دلالة بينة على أن الله تبارك وتعالى نهى المؤمنين عن الركون إلى أعدائهم من أهل الكتاب والمشركين ، والاستماع من قولهم ، وقبول شيء مما يأتونهم به على وجه النصيحة لهم منهم ، بإطلاعه - جل ثناؤه - إياهم على ما يستبطنه لهم أهل الكتاب والمشركون من الضغن والحسد ، وإن أظهروا بألسنتهم خلاف ما هم مستبطنون .
[ ص: 470 ] الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : (
nindex.php?page=treesubj&link=28973_29435nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=105مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ )
قَالَ
أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ : ( مَا يَوَدُّ ) ، مَا يُحِبُّ ، أَيْ : لَيْسَ يُحِبُّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ . يُقَالُ مِنْهُ : "وَدَّ فُلَانٌ كَذَا يَوَدُّهُ وُدًّا وَوِدًّا وَمَوَدَّةً" .
وَأَمَّا "الْمُشْرِكِينَ" فَإِنَّهُمْ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ بِالْعَطْفِ عَلَى"أَهْلِ الْكِتَابِ" . وَمَعْنَى الْكَلَامِ : مَا يُحِبُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ .
وَأَمَّا ( أَنْ ) فِي قَوْلِهِ : ( أَنْ يُنَزَّلَ ) فَنُصِبَ بِقَوْلِهِ : ( يَوَدُّ ) . وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى وَجْهِ دُخُولِ "مِنْ" فِي قَوْلِهِ : ( مِنْ خَيْرٍ ) وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْكَلَامِ الَّذِي يَكُونُ فِي أَوَّلِهِ جَحْدٌ ، فِيمَا مَضَى ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ : مَا يُحِبُّ الْكَافِرُونَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ ، أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْخَيْرِ الَّذِي كَانَ عِنْدَ اللَّهِ فَنَزَّلَهُ عَلَيْكُمْ ، فَتَمَنَّى الْمُشْرِكُونَ وَكَفَرَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنْ لَا يُنْزِّلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْفَرْقَانَ وَمَا أَوْحَاهُ إِلَى
مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حِكَمِهِ وَآيَاتِهِ ، وَإِنَّمَا أَحَبَّتِ
الْيَهُودُ وَأَتْبَاعُهُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ذَلِكَ ، حَسَدًا وَبَغْيًا مِنْهُمْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ .
وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دِلَالَةٌ بَيِّنَةٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى نَهَى الْمُؤْمِنِينَ عَنِ الرُّكُونِ إِلَى أَعْدَائِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ ، وَالِاسْتِمَاعِ مِنْ قَوْلِهِمْ ، وَقَبُولِ شَيْءٍ مِمَّا يَأْتُونَهُمْ بِهِ عَلَى وَجْهِ النَّصِيحَةِ لَهُمْ مِنْهُمْ ، بِإِطْلَاعِهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - إِيَّاهُمْ عَلَى مَا يَسْتَبْطِنُهُ لَهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكُونَ مِنَ الضِّغْنِ وَالْحَسَدِ ، وَإِنْ أَظْهَرُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ خِلَافَ مَا هُمْ مُسْتَبْطِنُونَ .