الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
2556 - وعن عائشة قالت : خرجنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع ، فمنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بحج ، فلما قدمنا مكة قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من أهل بعمرة ولم يهد فليحلل ، ومن أحرم بعمرة وأهدى فليهل بالحج مع العمرة ، ثم لا يحل حتى يحل منهما ، وفي رواية فلا يحل حتى يحل بنحر هديه ، ومن أهل بحج فليتم حجه قالت : فحضت ولم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة ، فلم أزل حائضا حتى كان يوم عرفة ولم أهلل إلا بعمرة ، فأمرني النبي - صلى الله عليه وسلم - أن أنقض رأسي وأمتشط ، وأهل بالحج وأترك العمرة : ففعلت حتى قضيت حجي ، بعث معي عبد الرحمن بن أبي بكر ، وأمرني أن أعتمر مكان عمرتي من التنعيم قالت : فطاف الذين كانوا أهلوا بالعمرة بالبيت ، وبين الصفا والمروة ، ثم حلوا ثم طافوا طوافا بعد أن رجعوا من منى ، وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافا واحدا ( متفق عليه ) .

التالي السابق


2556 - ( وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت خرجنا ) أي معاشر الصحابة أو جماعة النساء ( مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع فمنا من أهل بعمرة ) أي مفردة ، والمعنى أحرم بها أو لبى بها مقرونة بالنية ( ومنا من أهل بحج ) أي مفرد أو مقرون بعمرة ( فلما قدمنا ) أي كلنا ( مكة فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي نسخة قال وهو الظاهر ( من أهل بعمرة ولم يهد ) أي من الإهداء ، أي لم يكن معه هدي ( فليحلل ) بفتح الياء وكسر اللام ، أي فليخرج من الإحرام بحلق أو تقصير ( ومن أحرم بعمرة وأهدى ) أي كان معه هدي ( فليهل بالحج مع العمرة ) أي منضما معها ، والمعنى فليدخل الحج في العمرة ليكون قارنا ( ثم لا يحل حتى يحل منهما ) يعني لا يخرج من الإحرام ، ولا يحل له شيء من المحظورات ، حتى يتم العمرة والحج جميعا ( وفي رواية فلا يحل ) بالنفي ويحتمل النهي ( حتى يحل بنحر هديه ) أي يوم العيد ، فإنه لا يجوز له نحر الهدي قبله قال الطيبي - رحمه الله - قوله : ومن أحرم بعمرة وأهدى مع قوله : في رواية حتى يحل بنحر هديه ، دل على أن من أحرم بعمرة وأهدى لا يحل له حتى يحل بنحر هديه ، وقال مالك والشافعي ( رحمهما الله ) : يحل إذا طاف وسعى وحلق ، والرواية الأولى أعني قوله فليهل بالحج مع العمرة دلت على أنه أمر المعتمر بأن يقرن الحج بالعمرة ، فلا يحل إلا بنحر هذا الهدي ، فوجب حمل هذه الرواية الثانية على الأخرى لأن القصة واحدة اهـ .

ولو صح جعل قوله : ( وفي رواية فلا يحل ) بدل قوله ( ثم لا يحل ) لانحل الإشكال ، وللحنفية وجوه أخر من الاستدلال على أن الرواية الأولى قابلة أن تحمل على الثانية بخلاف العكس ، كما لا يخفى وتحقيقه تقدم والله تعالى [ ص: 1778 ] أعلم ( ومن أهل بحج ) ساق الهدي أولا قرن معه عمرة أو لا ( فليتم حجه ) أي إلا من أمر بفسخ الحج إلى العمرة ( قالت : فحضت ولم أطف بالبيت ) أي للعمرة ( ولا بين الصفا والمروة ) أي ولم أسع بينهما ، إذ لا يصح السعي إلا بعد الطواف ، وإلا فالحيض لا يمنع من السعي ( فلم أزل حائضا حتى كان يوم عرفة ولم أهل ) أي : لم أحرم أولا ( إلا بعمرة فأمرني النبي - صلى الله عليه وسلم - أن أنقض رأسي ) أي شعره ( وأمتشط وأهل بالحج ) أي أمرني أن أحرم بالحج ( وأترك العمرة ) أي أرفضها .

قال ابن الملك - رحمه الله - : أي أمرني أن أخرج من إحرام العمرة وأتركها باستباحة المحظورات من التمشيط وغيره لعدم القدرة على الإتيان بأفعالها بسبب الحيض .

وقال الطيبي - رحمه الله - : أي أمرني أن أخرج من إحرام العمرة ، وأستبيح محظورات الإحرام وأحرم بعد ذلك بالحج ، فإذا فرغت منه أحرم بالعمرة ، أي قضاء وهذا ظاهر ( ففعلت حتى قضيت حجي بعث معي عبد الرحمن بن أبي بكر ) - رحمه الله - قيل جملة استئنافية ذكره الطيبي - رحمه الله - ويمكن أنه جواب لما قدمناه ، وقوله فقال بالفاء أو بالواو عطف ( وأمرني أن أعتمر مكان عمرتي ) أي بدلها ، نصب على المصدر قاله ابن الملك أي عمرتي التي رفضتها ( من التنعيم ) متعلق بأعتمر .

قال ابن الملك - رحمه الله - : هو موضع قريب من مكة بينه وبينها فرسخ ، وبهذا تمسك أبو حنيفة ، وقال الشافعي ليس معناه أنه - صلى الله عليه وسلم - أمرها بترك العمرة رأسا ، بل أمرها بترك أفعال العمرة من الطواف والسعي وإدخال الحج في العمرة لتكون قارنة ، أقول : القارن لا يستبيح بالمحظور فانقلب المحظور ، ثم قال : وأما عمرتها بعد الفراغ من الحج فكانت تطوعا لتطب نفسها لئلا تظن خوف نقصان بترك أعمال عمرتها ، أقول : حاشاها أن تظن هذا الظن والنبي - صلى الله عليه وسلم - كان قارنا مع أن الشافعي يقول بتداخل الأفعال ( قالت : فطاف ) أي طواف العمرة ( الذين كانوا أهلوا بالعمرة ) أي الذين أفردوا العمرة عن الحج ( بالبيت ) متعلق بطاف ( وبين الصفا والمروة ) والطواف يراد به الدور الذي يشمل السعي فصح العطف ولم يحتج إلى تقدير عامل ، وجعله نظير :

" علفتها تبنا وماء باردا " .

( ثم حلوا ) أي خرجوا من الإحرام ( ثم طافوا طوافها ) أي للحج وهو طواف الإفاضة ( بعد أن رجعوا من منى ) أي إلى مكة ( وأما الذين جمعوا الحج والعمرة ) أي ابتداء أو إدخالا لأحدهما في الآخر ( فإنما طافوا طوافا واحدا ) أي يوم النحر لهما جميعا ، وعليه الشافعي - رحمه الله - وعندنا يلزم القارن طوافان : طواف قبل الوقوف بعرفة ، وطواف بعده للحج كذا ذكره ابن الملك .

أقول : لا شك أنه - صلى الله عليه وسلم - كان قارنا كما صححه النووي وغيره ، وقد صح في حديث جابر أنه طاف حين قدم مكة وطاف للزيارة بعد الوقوف فكيف يكون طوافهم واحدا وهم لا يخالفونه - عليه الصلاة والسلام - اللهم إلا أن يقال إن هذا أيضا من الخصوصيات المتعلقة ببعض الصحابة ( رضي الله تعالى عنهم أجمعين ) أو المعنى أنهم طافوا طوافا واحدا للحج بعد الرجوع من منى لما تقدم لهم من طواف آخر قبل ذلك ، فقوله ( واحدا ) تأكيد لدفع توهم تعدد الطواف للقارن بعد الوقوف ، فيكون مرادها - والله تعالى أعلم - بالطواف طواف الفرض ، وإنما كان الطواف الأول طواف القدوم والتحية وهو سنة إجماعا ، أو طواف فرض عمرة ، والحاصل أن القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين عندنا لحديث علي - كرم الله وجهه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان قارنا فطاف طوافين وسعى بسعيين ، ورواه الدارقطني وكذا رواه من حديث عمران بن حصين ، وعن علي وعبد الله بن مسعود - رضي الله عنهما - قال القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين ذكره الطحاوي - رحمه الله - ( متفق عليه ) .

[ ص: 1779 ]



الخدمات العلمية