الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
التالي صفحة
السابق

تقديم

بقلم: عمر عبيد حسنه:

الحمد لله الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم، وكرمه على جميع خلقه، وميزه بالعقل، وشرفه بالدين، نفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وأسكنه جنته، وحرره من العبودية لغيره، وأعتقه من ربقة الذل والاستبداد والاستعباد في الأرض، وشرع له طريق الخير في الدنيا والآخرة، فهو دائما يعيش إحدى الحسنيين: السعادة أو الشهادة

والصلاة والسلام على محمد الذي كانت الغاية من إرساله إلحاق الرحمة بالناس جميعا، قال تعالى: ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) [الأنبياء:107]. فالرحمة مرحلة فوق مرحلة العدل، وتقرير الحقوق، وتحديد الواجبات، فهي لون من الإحسان، لا يقتصر على إعطائنا كل ذي حق حقه، بل يتجاوز ذلك إلى التنازل له عن بعض حقوقنا، رحمة به، وإحسانا له، فيكون الإنسان بالإسلام، إنسان الواجب، الذي يستشعر مسئوليته، ويقوم بواجبه قبل أن يحس بحقه ويطالب به.

وبعد:

فهذا كتاب الأمة الخامس والعشرون: (النظرية السياسية الإسلامية في حقوق الإنسان الشرعية.. دراسة مقارنة) للدكتورين: محمد أحمد مفتي ، وسامي صالح الوكيل . في سلسلة الكتب التي يصدرها مركز البحوث والمعلومات، برئاسة المحاكم الشرعية والشئون الدينية، في دولة قطر ، مساهمة في تحقيق الوعي الحضاري، والتحصين الثقافي، وإعادة تشكيل وبناء الشخصية المسلمة، بعد أن افتقدت كثيرا من فاعليتها ومنهجيتها وصوابها، وغابت عن أداء رسالتها الخالدة، والقيام بدورها الإنساني في القيادة للناس، والشهادة عليهم، وتقويم حياتهم بشرع الله، إلى درجة كادت تضيع معها معالم الشخصية الحضارية التاريخية للأمة.

ولا شك أن غياب الإنسان الأنموذج المتجسد بالمسلم –كما جاءت به النبوة – عن ساحة الشهود الحضاري، وقعوده عن أداء رسالته، ساهم بشكل سلبي في عملية الضياع عن الحق، الذي تعاني منه البشرية، والضلال عن الهدف والغاية، التي من أجلها خلق الإنسان. إن هـذا الغياب مكن للأرباب - الطواغيت- الظهور من جديد، والتحكم برقاب البشر، تحت شتى العناوين والمسوغات والفلسفات، ذلك أن مصدر الشر تاريخيا، وإلغاء إنسانية الإنسان، وإسقاط حقوقه، وإهدار آدميته وكرامته، كان دائما كامنا في تسلط الإنسان على الإنسان، وأن هـذا التسلط أخذ أشكالا متعددة، وتطور تاريخيا مع رحلة الإنسان الطويلة، ليظهر بمظاهر شتى، وكلما اكتشف لون من ألوان التسلط، استبدل به الطواغيت لونا آخر، يظن الناس بادي الرأي أن فيه الخلاص، فيسعون إليه، ويصفقون له، ثم لا يلبث أن تتكشف نواياه، وتكوي جلودهم وجباههم ممارساته، فيحاولون مواجهته، في الوقت الذي يحضر الطواغيت لونا جديدا، وهكذا. فالتسلط هـو التسلط، مهما اختلفت أشكاله، وتغيرت شعاراته ورجاله وعناوينه.

لقد أخذ التسلط في مرحلة من مراحل التاريخ شكل مالك الأرض، لمن يعمل فيها، وهو ما يعرف بعهود الإقطاع أو عهود الأسياد وأقنان الأرض في أوروبا ، حيث كان الإنسان الرقيق أهون من تراب الأرض، يباع ويشترى، دون أن يكون له أدنى رأي، كأدوات الزراعة، وكان ذلك ثمرة لفلسفات تقول: بأن الناس – بأصل الخلق – طبقتان: أسياد وعبيد، وأن الله خلق العبيد لخدمة الأسياد، لذلك فلا أمل في التغيير، ولا مجال للاعتراض على خلق الله أو الرفض لقانونه، ولا يخرج كتاب جمهورية أفلاطون الفاضلة الذي حاول فيه وضع ملامح الصورة المثلى للمجتمع والإنسان، من وجهة نظره، عن تقرير هـذه الطبقية وفلسفتها، ومحاولة إقناع الناس بها. والمعروف أن الميراث الثقافي اليوناني والروماني، هـو أصل الحضارة الأوروبية الحديثة، بشقيها: الرأسمالي والماركسي، على حد سواء، وإن اختلفت اليوم صورة الإخراج بين الرأسمالية والماركسية في لون العبودية، لكن الحقيقة واحدة.

كما أخذ التسلط في مرحلة من مراحل الرحلة البشرية، شكل صاحب العمل، أو رب العمل، الذي لم يكن يهمه إلا زيادة وجودة الإنتاج، ولو على حساب صحة العامل وسنه، - وحتى حياته – دون أية ضمانات أو حقوق أو تشريعات تأمين. ولما حلت الآلة محل العامل في الثورة الصناعية، لم يمنع ذلك أرباب العمل من طرد جميع العمال، والإلقاء بهم خارج المعامل، نهبا للفقر والعوز، والجهل والمرض، وكان رد الفعل لهذا الظلم الاجتماعي تكتل العمال وثوراتهم وتظاهراتهم، ومن ثم تشكيل النقابات، واستصدار تشريعات التأمين الاجتماعي، التي تحدد ساعات العمل، وتؤمن ضد إصاباته، وتضمن المرض والشيخوخة، لقد كانت رحلة معاناة شاقة دفع الإنسان في طريقها الأثمان الباهظة.

وأخذ التسلط شكلا آخر، استطاع فيه الأرباب الجدد من دون الله، أن يحركوا أحقاد العمال، ويجمعوها، ويكتلوها، وينداحوا بها باتجاه الأرباب القدامى من القياصرة، ليحلوا محلهم، فجاء التسلط الجديد هـذه المرة باسم: الطبقة العاملة صاحبة المصلحة الحقيقة في الثورة، وإذ بالعمال بعد وصول المتسلطين الجدد إلى السلطة على أكتافهم، يسامون أشد الخسف، ويذوقون أعتى ألوان الظلم والاضطهاد. لقد كان العامل قبل الثورة التي قامت باسمه، إنسانا مسلوب الحقوق، فألغى الأرباب الجدد الإنسان أصلا، ولم يكتفوا بإلغاء إنسانيته وإسقاطها؛ وعاشوا بذخ وترف القياصرة، لكن هـذه المرة باسم العدل الاجتماعي، والاشتراكية العلمية، وإلغاء التملك الفردي الذي كان بنظرهم سبب البلاء كله، والظلم والصراع الاجتماعي، وإذ بملكياتهم تفوق كل تصور، فجاء ظلمهم الاجتماعي، واستبدادهم السياسي، أشد وأنكى من الرأسمالي الذي قاموا على أنقاضه، فكانوا أكثر امتدادا في فترات الحكم، من ملوك القرون الوسطى، وكانوا أكثر فسوقا من الأباطرة.

كما عانى الإنسان لونا آخر من التسلط، كان أدهى وأعتى، حيث ابتلي بمن يتسلط على دنياه وأخراه معا، وذلك عندما أخذ التسلط شكل طبقة رجال الدين، التي أعطت نفسها من الامتيازات، ما يجعلها تمارس عملية التحليل والتحريم، والتحكم بسلوك البشر، ونواياهم، والحكم على مصائرهم، فهي محل العفو والغفران والحرمان.. وخطورة التسلط الجديد أنه يمارس باسم الله، من المتحدثين باسمه، المحتكرين لدينه، وفهم كتابه، فهم وحدهم حملة الكتاب المقدس، الذين يتصرفون في ملك الله، في الدنيا والآخرة، ويمتلكون بزعمهم المغفرة لمن يعترف لهم بفعاله، ويبيعون قطعا من أرض الجنة بصكوك الغفران في محاولة لابتزاز أموال الناس بالباطل، ( إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ) [التوبة:34]، فاستعبد الإنسان بشعارات الدين، حيث أعطى رجل الدين نفسه -وهو مخلوق مثل الآخرين له خطؤه وصوابه، وشذوذه وانحرافه- الحق في أن يتصرف في دنياهم وآخرتهم، فكان لا بد للإنسان بعد هـذه المعاناة من إسقاط هـؤلاء الأرباب الدينيين بثورات الرفض التي أثمرت البروتستانتية قديما ولاهوت التحرير حديثا، ومن ثم يبدأ التفتيش عن ملجأ آخر يجد فيه الخلاص.

ويمكن أن نعتبر الحكم الديني ( الثيوقراطي ) ، الذي ساد أوروبا فترة من الزمن، لونا آخر من ألوان التسلط أيضا، حيث يعتبر الحاكم نفسه ظل الله على الأرض، يتصرف بالناس كيف يشاء، بأموالهم وأعراضهم وأنفسهم، وتعتبر أية معارضة أو مناصحة، لونا من المروق من الدين، والاعتراض على أوامر الله.

ومن العذابات التي عانى منها الإنسان في رحلته التاريخية ولا يزال، صور التميز اللوني، فلا تزال توجد في العالم حتى اليوم صور لتعالي الرجل الأبيض، وسيادة الرجل الأبيض، وحضارة الرجل الأبيض، وحتى ولاهوت الرجل الأبيض، وقد تكون بعض الحيوانات - كالقطط والكلاب - أكثر كرامة وحقوقا من الإنسان الملون في حضارة الرجل الأبيض.

وليست نظريات التمييز العرقي والقبلي والقومي التعصبي والطائفي، بأقل هـدرا وإلغاء لحقوق الإنسان وكرامته من التميز اللوني والحكم الطبقي والإقطاعي والثيوقراطي ، وتحكم رجال الدين.

فكم ذاق العالم من ويلات الحروب والشرور بسبب من النظرة القومية المتعصبة التي احتلت بعض العقول، كنظرية صفاء العرق الجرمني التي كان شعارها " ألمانيا فوق الجميع"، والدعاوى الفاشية التي دمرت الكثير من الجنس البشري، باسم القومية العنصرية أيضا. ولا تزال آثار الصراع القومي، وضحاياه، تملأ تاريخ البشرية، وتتسرب إلى بعض حاضرها. ولعل منابع التميز في الحقوق، إنما جاءت من التراث اليهودي، حيث نظرية الشعب المختار، وصبت في المصلحة اليهودية، حيث استطاع اليهود توظيف الإقليميات والطائفيات، والتمكين لها خاصة في عالم المسلمين. وبإمكاننا القول: بأن مهمة النبوة تاريخيا، إنما كانت لاستنقاذ الإنسان من تسلط الإنسان، وتقرير إنسانية الإنسان وكرامته وحقوقه، وإيقاف عملية اتخاذ الأرباب من دون الله، والعودة بالبشرية إلى خالقها الواحد وأسرتها الإنسانية الواحدة، وتقرير مبدأ المساواة أو حق المساواة الذي لا علاج لمشكلة الإنسان بدونه وتخليص الإنسان بالإيمان من أسباب الذل والعبودية، عندما كفل له الرزق وحدد له الأجل، ذلك أن معظم آيات القرآن تؤكد حقيقة أن الرزق والأجل مقسومان. فقد كفل الله الرزق وكتب الأجل. يقول الله تعالى: ( وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ) [آل عمران:145]، ويقول: ( وفي السماء رزقكم وما توعدون ) * ( فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون ) [الذريات:22، 23]. وهما - أي الرزق والأجل - سبيل الطغاة لاستذلال الشعوب واستعبادها. فلو أدرك المؤمن ذلك يقينا، وتربى عليه عمليا، يستحيل إذلاله. فكثير من المسلمين اليوم هـم من خوف الذل في ذل، ومن خوف الموت في موت، فكيف - والحالة هـذه - يثيرون الاقتداء بهم، والإيمان بدينهم؟ فإذا كانت الوجهة في الإسلام واحدة، والمصدر واحدا، والخالق واحدا، فلا يبقى مجال للتسلط والتعالي.

إن صراع النبوة مع الأرباب، الذين يحاولون دائما انتزاع سلطان الله في الأرض، ونصب أنفسهم آلهة، تتحكم بالعباد، هـي قصة التاريخ الحقيقية، بل هـي قصة صراع الخير والشر، الصراع بين سلطان الله وشرعه، الذي يسوي بين الناس، والطاغوت الذي يريد تعبيد الناس له. فالمشكلة كانت ولا تزال في اتخاذ هـؤلاء الأرباب، ولو أن الناس استجابوا لدعوة الأنبياء، التي أعلنوها منذ فجر البشرية، لعاشوا جميعا في حرية وكرامة ومساواة وسعادة ( قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله ) [آل عمران:64]، ( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ) [الأعراف:65].

تلك هـي خلاصة دعوة الرسل، التي أول ما تعني: إلغاء الأرباب من دون الله، وتحرير البشرية من تأله الإنسان على الإنسان، يشرع له، ويتصرف به كما يشاء، حتى إن عتبة الدخول إلى الإسلام تبدأ بشهادة أن لا إله إلا الله، والانخلاع من سائر الألوهيات والأرباب، التي تشكل مشكلة البشرية تاريخيا، حيث لا تلبث أن تحول الزعامات إلى أرباب وأوثان، تمارس السيطرة على الناس وتهدر آدميتهم، وتتحكم بمصائرهم، وعندها تبدأ العبودية المتبادلة، بحيث لا يكاد ينجو منها أحد [1] ، فطالب الزعامة والعلو في الأرض، هـو في الحقيقة عبد لمن يعينه عليها، ويدعم وجوده واستمراره فيها. وإن كان في الظاهر هـو الزعيم والقائد المطاع، فهو في الحقيقة عبد لمن يستمد منه التأييد والحماية، لذلك نراه يبذل له الأموال، ويغدق عليه المناصب والهبات، من أموال الأمة، ولا يتجرأ على معاقبته على جرائمه، وشيئا فشيئا يصبح لبعض البشر مصلحة في تأييد ومساندة هـذا الزعيم المتأله أو ذاك؛ لأنهم يتوهمون أنهم أصحاب المصلحة الحقيقية بوجوده، فيغيب الحق والعدل، وتصبح العبودية متبادلة، ويصير الذل حاسة من حواس الإنسان، ويبقى سبيل التحرير هـو طريق النبوة، وذلك بأن يكون الله هـو المولى والمستعان، ومن هـنا نكتشف شدة المواجهة بين طريق النبوة وطريق الطغاة.

فالنبوة في حقيقتها حركة تحرير ودعوة رحمة وميثاق خلاص، وإن الذين يحاولون إلغاء النبوة وتحريف النص الديني والتعسف في تطبيقه، فمحاولاتهم في الحقيقة هـي اعتداء على حقوق الإنسان. فالنبوة تعني التحرير وتعني المساواة، التي هـي روح الحقوق الإنسانية ومنطلق الحضارات وعمارة الأرض، فالحرية هـي التي تجعل الإنسان كريما، يأخذ امتداده الطبيعي بخصائصه الذاتية، على أوسع مدى، موجها بضوابط الشرع. والأرباب يحاولون دائما إلغاء النبوة أو إبعاد رسالتها عن الحياة؛ لأن النبوة أقل ما يقال فيها: أنها تسويهم بغيرهم، وهم يريدون أن يكونوا آلهة للعصر.

وقد يكون من المفيد الإتيان على بعض النماذج من الإدراك العميق لمعاني النبوة في ميدان حقوق الإنسان، وبعض التطبيقات العملية.

ولعل من أبرز النماذج الدالة على إدراك دور النبوة في تحرير الإنسان، موقف ربعي بن عامر رضي الله عنه ، عندما سأله رستم عن دوافع الفتح والمجيء إلى بلاد فارس ، فقال ربعي: "جئنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا، إلى سعة الدنيا والآخرة" . إنه الإدراك الكامل لمدلول النبوة في تحرير الإنسان، لا يحتاج إلى كثير شرح وتعليق. جاء المسلمون لإخراج العباد في فارس من عبادة وتسلط العباد أمثالهم - الأكاسرة وطبقة الحكم - وإخراج الناس من الجور إلى العدل والمساواة، ومن تحكم الدنيا وأسرها، إلى رحابة الدنيا والآخرة.

ولعل في حادثة أبي ذر الغفاري، مع بلال الحبشي رضي الله عنهما ، خير أنموذج لمدلول النبوة في الواقع العملي، وإعادة صياغة الإنسان، واسترداد حقوقه المهدورة: ( تلاحى أبو ذر الغفاري مع بلال الحبشي ، فنهر أبو ذر بلالا قائلا: (مه يا ابن السوداء - ومه اسم فعل أمر بمعنى: أكفف) - فشكا بلال أبا ذر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاستدعى الرسول أبا ذر وقال له: إنك امرؤ فيك جاهلية. لا فضل لابن البيضاء على ابن السوداء إلا بالتقوى. إخوانكم خولكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا يكلفه من الأمر فوق طاقته، وإذا كلفه فليعنه ) .. فأقسم أبو ذر أن يضع خده على الأرض، ويدوس بلال بقدمه على الخد الآخر، ليقتلع ما في نفسه من آثار الجاهلية ونظرة التمييز. ومنذ ذلك الوقت لم يعرف أبو ذر من غلامه. هـذه هـي النبوة، وتلك هـي الجاهلية.

وحادثة عمر بن الخطاب مع ابن عمرو بن العاص والقبطي، وقولته الشهيرة: " متى استعبدتم الناس، وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟ "

وحادثة جبلة بن الأيهم الأمير الغساني، مع الأعرابي، عندما ضربه فهشم وجهه، وحكم عمر للأعرابي بالاقتصاص من جبلة، وكيف رفض جبلة ذلك، قائلا: كيف يا أمير المؤمنين، وأنا أمير وهو سوقة. " فكانت قولة عمر الخالدة: "لقد سوى الإسلام بينكما".

" وأعتقد أن النماذج في مرحلة النبوة، والخلافة الراشدة، أكثر من أن تحصى، وإن كان العالم الإسلامي اليوم تعيش فيه أبشع صور انتهاكات إنسانية الإنسان، بسبب حيدته عن الإسلام، وإخراجه عن طريق النبوة، وفصل الدين عن الحياة، بأقدار متفاوتة بين بلد وآخر، ذلك أنه لا سبيل إلى استعباد إنسان العالم الإسلامي، الذي يتمتع بهذا الميراث الحضاري، في حقوق الإنسان، إلا بإخراجه ورده عن دينه ( ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ) [البقرة:217].

فحقوق الإنسان في الإسلام هـي دين من الدين، شرعها الله وبينها الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولم يأت إقرارها نتيجة لمطالبات ومظاهرات وعذابات وتضحيات. هـي دين - كما أسلفنا - الذي يتجاوزه أو يساعد على انتهاكه يكون ظهيرا للمجرمين، يعاقب في الدنيا، ويحاسب في الآخرة، وهذا لا يعني أن المسلمين لم يدفعوا الثمن الباهظ لإقرارها وتحقيقها، فلقد كانت الفتوحات والتضحيات، وشرعية الجهاد من أجلها.

إن حماية إنسانية الإنسان هـو مقصد الشريعة وغايتها، ذلك أن الشريعة، إنما جاءت لتحقيق مصالح العباد، في معاشهم ومعادهم، وأن مصالحهم لا تتحقق إلا بحماية الكليات الخمس (الضروريات الخمس) ، وهذه الضروريات هـي: (العقل، والدين، والنفس، والعرض، والمال) . وهي في الحقيقة حقوق الإنسان الأساسية، التي لا تتحقق إنسانيته، وتحفظ كرامته إلا بتوفيرها وحمايتها، كحق الحياة، وحق حرية التدين والاختيار، وحق التملك والتصرف، وحق بناء الحياة الاجتماعية والنسل، وحق التفكير والتعبير.

والإسلام لم يكتف بتقرير هـذه الحقوق، وإغراء الناس بها، والتدليل على فائدتها وأهميتها، بل اعتبر انتهاكها والاعتداء عليها جريمة، وجعل عقوبتها نصية غير قابلة للاجتهاد وتقدير القضاة والحكام. وما شرعية الحدود -وهي العقوبات المحددة المنصوص عليها من الله سبحانه وتعالى ، والتي يعتبر تنفيذها عبادة- إذا تأملنا فيها إلا حماية لهذه الحقوق أو هـذه الكليات.

فحد القصاص شرع لحماية حق الحياة.

وحد الحرابة لحماية حق الأمن الاجتماعي. وحد السرقة لحماية حق التملك.

وحد الزنى لحماية حق النسل وبناء الحياة الاجتماعية.

وحد القذف لحماية حق الإنسان بسلامة السمعة والعرض.

وحد الشرب لحماية حق الفكر والإرادة، وحماية العقل مما يغتاله من الخمر والمخدرات.

فالحقوق دين، والاعتداء عليها جريمة، وعقوبة المعتدي حدية لا مجال فيها للاجتهاد.

وأكثر من ذلك، حيث يعتبر كثير من الفقهاء أن هـذه الحقوق هـي في حقيقتها حقوق لله - سبحانه وتعالى - تشريفا لها وتعظيما، وحدود شرعية لا يجوز تعديها أو انتهاكها؛ لأن انتهاكها عدوان على دين الله.

ذلك أن بعض الحقوق - وإن تنازل أصحابها عن حقهم في العقوبة - في حالة الاعتداء عليها، فإن هـذا التنازل لا يسقط العقوبة، فكل تكليف حكم لله، وكل حكم شرعي مصلحة وحق للعبد. وقولنا: إن حقوق الإنسان في الإسلام دين، فمعنى ذلك أنه لا يغني فيها التظاهر، والشعار عن الحقيقة؛ لأن الله يعلم السر وأخفى، وقد نهي المسلمون أن يقولوا ما لا يفعلون. قال تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ) * ( كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ) [الصف:2، 3].

حيث رفض الإسلام فكرة الشعارات التي لا نصيب لها من الواقع، واعتبرها من التضليل الثقافي والزيف الاجتماعي، الذي لا يغني عن صاحبه شيئا، بل يؤثم صاحبه. فمن خالف قوله فعله، فكأنما يوبخ نفسه، فلا بد إذن من اقتران الإيمان بالعمل، والعلم بالحكمة والهدف.

وطالما قررنا أن هـذه الحقوق دين وعقيدة بالنسبة للمسلم، يحرم انتهاكها، وأنها حقوق الله وحدوده الشرعية، لها ما لها في حياة الإنسان، لذلك لم يدع الإسلام أمر تحديدها وتقريرها للإنسان؛ لأن الإنسان مدفوع غالبا بتحقيق مصالحه، ومصالح قومه، وقبيلته، وحزبه، وطبقته، وجنسه، وطائفته، وأحيانا لونه؛ لذلك لا بد أن تأتي تشريعاته متأثرة بذلك كله، وقد يتقلب رأيه من زمن لآخر بحسب ظروفه. وقد يرى من الحقوق وهو في مقاعد المعارضة، ما لا يراه وهو في مواقع الحكم، وكثير من الذين يعملون في مواقع السياسة والحكم اليوم، كانوا ينتصرون للحرية والديمقراطية ، قبل الوصول إلى السلطة، ومن ثم أصبحوا بعد الحكم من سدنة الاستبداد السياسي وطواغيته، مارسوا ألوانا من التعسف والقمع الديموقراطي، ما لا يعلم مداه إلا الله. إضافة إلى أن الإنسان علمه محدود برؤيته ومواهبه وكسبه، وعمره محدود، يمنعه من الإحاطة بالماضي والحاضر والمستقبل، حتى لو افترضنا فيه الموضوعية. لذلك نقول هـنا: بأن الله الذي خلق الإنسان هـو أعلم بالحقوق والتشريعات التي تحقق له السعادة والمصلحة. قال تعالى: ( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ) [الملك:14].

إضافة إلى أن موضوع تشريع الحقوق، لو أوكل للإنسان لشرع من الحقوق ما يناسبه، وقد يأتي تشريعه تسلطا على الآخرين، هـذا من جانب، ومن جانب آخر لا توجد الضمانات، التي تحمل الآخرين على قبول رأيه وتشريعه للحقوق، وهو إنسان مثلهم، علاوة عن أن مثل هـذه التشريعات تأتي عادة وسيلة للتحكم بالآخرين. أما عندما تكون من عند الله، يتساوى أمامها الجميع، وتبرأ من الغرض والهوى، وتحقق الاستقرار، وتنسخ فكرة أن يتخذ الناس بعضهم أربابا من دون الله، إلى جانب ما يمتاز به الحق الذي شرعه الله ومنحه من القدسية، الأمر الذي يجعل الإنسان متحمسا للالتزام به في السر والعلن، لما يترتب على ذلك من ثواب وعقاب، وبهذا نقول: إن الإسلام اعتبر الحقوق الإنسانية حقوقا وواجبات معا، فهو لم يكتف بإقرار الحق، وإنما أوجب الحفاظ عليه، ولم يكتف بإقرار حق التعبير والتفكير، وحرية القول، وإنما أوجب على المسلم الصدع بقول الحق والتضحية في سبيله، واعتبره في بعض المراحل من أعلى أنواع الجهاد ( إن من أعظم الجهاد قولة حق عند سلطان جائر ) . كما أن الإسلام منح حق الحياة وأوجب الحفاظ عليه، واعتبر الاعتداء عليه اعتداء على الناس جميعا: قال تعالى ( من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ) [المائدة: 32]. ورتب عقوبة القصاص حماية للحق، فقال تعالى: ( ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون ) [البقرة:179]، وحرم على الإنسان التصرف غير الشرعي بهذه الحقوق، فحرم عليه: الانتحار، وتناول السم، وعدم استعمال الدواء. ورخص العبادة التي قد تصل إلى مرحلة تهديد الحياة.

ويحسن أن نشير هـنا إلى أن الإسلام ربى الإنسان على الحس بالواجب؛ لأن الإنسان بطبعه يخف للمطالبة بحقه، ويتثاقل عن القيام بواجبه، لذلك كان لا بد من علاج للبناء الإنساني في هـذه النقطة. فلعلنا نقول: إن إنسان الحق هـو أقرب بطبعه للأخذ والاستهلاك، أما إنسان الواجب الذي رباه الإسلام فهو إنسان العطاء والإنتاج، هـو الإنسان الذي يبني ويعمر الأرض ويحمي البناء، ويستشعر مسئوليته تجاه الآخرين. أما الإكثار من الكلام عن الحق دون التنبه إلى قضية الواجب، فيمكن أن يبني الإنسان، الذي لا يستشعر إلا ذاته ومصلحته، ولا يبحر إلا باتجاه نفسه، وكأن المطلوب للعالم اليوم: وجود رواد ونماذج يحسون بواجباتهم أكثر من إحساسهم بحقوقهم؛ لأن معظم الناس في الساحة الإسلامية - مع الأسف - وغيرها من الذين يعملون - بحسب الظاهر - لمبادئهم ودعواتهم إنما يعملون في الحقيقة لأنفسهم، يحسون بحقوقهم وينسون واجباتهم.

ولا بد أن نعترف أن الإنسان في معظم أنحاء العالم الإسلامي اليوم، يعيش وضعا مأساويا يفتقد معه إنسانيته، ويطارد في طعامه، وشرابه، وحياته، وعرضه، وأمنه، والمؤسف أن تتم هـذه المآسي تحت شعارات الحرية، و الديمقراطية ، و العدل الاجتماعي ، ولعل ذلك من أشد الفتن التي يعيشها المسلم اليوم، صاحب ذلك الميراث الثقافي، في الحضارة وحقوق الإنسان، ولولا أن المبادئ الإسلامية في الإطار العام وإطار حقوق الإنسان خاصة، أثبتت نجاحها وصوابها التاريخي، لقادت كثيرا من الناس إلى التشكك فيها؛ لأن الممارسات التي يعيشها العالم الإسلامي تزلزل كل عقل، وتقضي على كل أمل، خاصة وأن حقوق الإنسان العامة، مكفولة بالغرب بأقدار لا تقاس بواقع العالم الإسلامي اليوم، إلا من رحم الله.

لقد أقيمت لها المؤسسات، ووضعت لها التشريعات، وشكلت لها اللجان والمنظمات، إلى درجة - وهذا مزيد فتنة - قد يجد معها المسلم أن كرامته وحقوقه محفوظة في الغرب غير المسلم أكثر منها في بلده! ولا ندري، فلعل إشاعة أنظمة الاستبداد السياسي والظلم الاجتماعي في معظم أنحاء العالم الإسلامي، ومحاولة إخراجه عن الإسلام، وإسقاط الإسلام من نفوس أبنائه - بوسيلة أو بأخرى - هـو المخطط الذي بدأ يؤتى أكله اليوم، لتسهل عملية السيطرة عليه والتحكم به. فقد تجد بعض لجان حقوق الإنسان، ومنظمات العفو الدولية، تتقدم لتدافع عن الحقوق المهدورة، والإنسان المطارد في العالم الإسلامي، فكيف - والحالة هـذه اليوم - نستطيع أن نرتقي بالفرد المسلم، ليتجاوز الصورة إلى الحقيقة، ويفرق بين المبادئ التي درسها، والتطبيقات التي يراها؟ لذلك قد لا يكون غريبا ما نراه من الهروب إلى التاريخ، والالتجاء والاعتصام به؛ لأن واقعنا تصدق فيه قولة: "اقرأ تفرح، جرب تحزن".

ولا شك أن التجربة الحضارية الإسلامية - في إطار الحقوق الإنسانية - كتبت في التاريخ وحفرت في الواقع صفحات لا تنسى، مما يؤكد أن الإدانة اليوم لا بد أن تنصرف إلى الممارسة السيئة التي لا يمكن أن تنال من المبدأ الذي أثبت جدارته عندما كانت الممارسة صحيحة في مرحلة النبوة والخلافة الراشدة، وفي فترات التاريخ المتعددة كلما صوب المسار.

وبذلك يختلف الإسلام عن جميع المبادئ والنظريات المطروحة، والتي يحاول أصحابها الإلقاء بتبعة فشلها على التطبيق، وليس على النظرية، ذلك أن تلك النظريات لم تؤكد صلاحيتها، إطلاقا في أية مرحلة تطبيقية من مراحل التاريخ، بل جاء الفساد من النظرية والتطبيق معا.

لقد كان شعار الإسلام العالمي في إطار حقوق الإنسان قوله تعالى: ( لا إكراه في الدين ) [البقرة:256]، و ( لست عليهم بمصيطر ) [الغاشية:22]، و ( أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ) [يونس:99]. وجاء الواقع العملي ليؤكد الالتزام بهذا الشعار والانضباط به، فلقد وصلت الدولة الإسلامية إلى مرحلة لا يمكن لأحد إلا الله أن يحاسبها على مسالكها، ومع ذلك احتفظت بمواطنين لا يؤمنون بعقيدتها، لهم ما للمؤمنين وعليهم ما على المؤمنين، لهم حق الأمن والحرية والاستجارة ( وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ) [التوبة:6].

بهذا خلد الإسلام؛ لأنه احتفظ بإنسانية الإنسان وكرامته، عندما اعترف باختياره، فالإنسان في خلاصة القول: هـو المخلوق المختار، ذلك أن عمليات القسر والإكراه على عقيدة ما لا تصنع قناعة، وإنما تضع أقنعة يعيش الإنسان معها معذبا، مزدوج الشخصية، بين قناعاته وما يفرض عليه، وعندها إما أن يسقط الإنسان، وإما أن يسقط النظام الذي يمارس الإكراه، وإما أن تستمر رحلة العذاب والشقاء البشري. ومن خلال استقراء التاريخ وقراءة الواقع، يصل الإنسان إلى حقيقة لا بد من التأكيد عليها، وهي: أن قناعة الإنسان وإيمانه، أقوى من كل وسائل الإكراه. ولعل ما حدث في دول المعسكر الشرقي، حيث نشهد اليوم سقوط الدكتاتوريات العسكرية والدكتاتوريات الحزبية التي حاولت على مدى سبعين سنة حراسة المبادئ بالحراب، وحمايتها بالأسوار، وإلغاء الإنسان بعقيدته وعبادته، وتربى جيلان على فلسفاتها خير دليل على أن الإيمان أقوى وأمضى، فالأمم أقوى من الحكومات، والعقائد أبقى من الفلسفات، وأن الأرباب المزيفة لا تلبث أن تنكشف حقيقتها ويفتضح مخبوءها. وهنا ندرك قيمة الإيمان بالله، وما يمنحه للإنسان من وقاية من اليأس، وصمود أمام الظلم، وصبر على تقلب الابتلاءات.

والحقيقة التي لا بد من ذكرها هـنا أيضا هـي: أن العقد الأخير من القرن العشرين يمكن أن يسمى بحق: عقد حقوق الإنسان، إلى درجة أصبح معها الدفاع عن حقوق الإنسان هـو الصوت المسموع عالميا، ويحق لنا أن نتساءل هـنا: أين موقع الخطاب الإسلامي الذي يستطيع تجاوز الواقع البئيس في العالم الإسلامي ليطرح فلسفة حقوق الإنسان في الإسلام، ويقدم الصور النقية للمجتمع الفاضل، من خير القرون التي تغري الناس، بعد أن أفلست الفلسفات وسقطت التجارب والممارسات؟ وقد يكون المطروح اليوم: كيف يمكن أن نعيد للخطاب الإسلامي بعده العالمي والإنساني، ونرتفع به عن مستوى الاهتمامات الصغيرة والمحلية، التي نشغل بها، لنهتم بقضايا الإنسان أينما كان في العدل والحرية والسلام والمساواة والتنمية والأمن الغذائي، ونعيد الإسلام إلى مرحلة الشهود الحضاري، ونرتقي به، لنكون بمستوى الخطاب الإسلامي، ومستوى العصر في وقت واحد.

إننا نشكو اليوم في كتاباتنا ومؤلفاتنا وخطبنا ووعظنا، من هـذا السيل الإعلامي الذي يحاصرنا، والبث المباشر الذي يقترب منا يحمل إلينا ثقافات ومبادئ الأمم الأخرى، ويعبد أمتنا لتلك الثقافات، وذلك بسبب من تقدم وسائل الاتصال، وإلغاء المسافات وتطور وسائل النقل، وإلغاء الحدود والسدود، ودخول العالم في مرحلة الدولة الإعلامية الواحدة، وما ذلك إلا لأننا لا نرى إلا الوجه السلبي للموضوع، وذلك لعدم قدرتنا وعجزنا عن التعامل الإيجابي المطلوب. لماذا لا نعتبر أن هـذه التسهيلات تمنحنا فرصة للوصول بالخطاب الإسلامي إلى العالم، وتمكننا من عملية البلاغ المبين لإبراز صورة حقوق الإنسان في الإسلام، وما يتمتع به المجتمع الذي يلتزم الإسلام من إنسانية سعيدة، وبذلك ننقذ الإنسان من مأساته التي يعيشها؟

وبعد:

فنعتقد أن الكتاب الذي نقدمه في السلسلة اليوم، جاء في الوقت المناسب، وأنه يثير موضوع حقوق الإنسان في الشريعة، ويثري جوانبه في دراسة مقارنة، مدعمة بالنصوص والمراجع والوقائع، ويجتهد مؤلفاه - جزاهم الله خيرا - للإسهام المقدور بهذا الموضوع الهام، الذي يمكن اعتباره القضية المحورية في العقد الأخير من القرن العشرين، والتي سوف تستقبل بداية القرن الحادي والعشرين، حيث تبرز قضية حقوق الإنسان على الساحة من جديد كمقياس للتقدم، ومحور وهدف له، رغم الإنجازات العلمية المادية الباهرة في أكثر من مجال، حيث لا يغني التقدم في وسائل الإنسان مع غياب كرامة الإنسان. ولعل المسلمين بعون من الله، يصبحون قادرين على الارتفاع بالخطاب الإسلامي إلى مستوى إسلامهم وعصرهم، ليستأنفوا دورهم في الشهادة والقيادة، بحيث يقدمون نماذج تثير الاقتداء، وتخلص الإنسان في العالم من معاناته وإسماع العالم من جديد النداء الخالد: ( قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله ) [آل عمران:64].. والحمد لله رب العالمين.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث