الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
التالي صفحة
السابق

تقديم بقلم عمر عبيد حسنة

الحمد لله الذي أنشأ الإنسان خلقا آخر، متميزا عن سائر الخلق، كرمه بالعقل، ومنحه حرية الاختيار، التي جعلته محلا لسجود الملائكة المكرمين، وناط به حمل الأمانة، التي عجزت عنها السماوات والأرض والجبال، فأبت حملها، وأشفقت منها، لأنها لا تمتلك المؤهلات، من الحرية والاختيار، وحملها الإنسان المخلوق الحر المختار، فكانت بالنسبة له، تكليفا ومسئولية، وكان هـذا التكليف، تشريفا، ومكانة، وأهلية لامتلاكه القدرة على اكتشاف السنن، والقوانين، والأسباب، سواء في ذلك السنن والقوانين التي تحكم الأنفس، وتسهم بالتشكيل الثقافي في إطار العلوم الاجتماعية والإنسانية، أو تلك التي تحكم الآفاق، في إطار العلوم المادية والتجريبية، حتى يتمكن من السيادة على الكون، وتستخيره وفق منهج الله، وبذلك يتبين له الحق، فيحمل الرسالة، ويؤدي الأمانة، ويحسن القيام بمهمة الاستخلاف الإنساني، ويحقق بذلك العبودية التي تمثل الغاية النهائية للحياة، وعلة الخلق والتكليف، قال تعالى: ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) ( الذاريات:56 ) .

والصلاة والسلام على النبي الخاتم، المؤيد بالوحي، المسدد، الذي جعل وحده محل القدوة والأسوة بقوله تعالى: ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ) (الأحزاب: 21 ) ، لأنه معصوم بالنبوة، فلا قدوة بسواه، ولا مرجعية لغير هـديه، الذي جعل العقل دليل الوحي، ومحل استجابته، وحرره من قيد الآبائية، التي تشكل مرحلة التفكير الخرافي، كما حرره من التفكير الخوارقي، الذي يعفي الإنسان من مسئوليته عن العمل، ويسلبه القدرة على التغيير، وتحقيق ما يهدف إليه، بانتظار حدوث الخوارق، والمعجزات المادية، التي يمكن أن يكون لها محل من التفكير، في أطوار البشرية الأولى، في مرحلة الطفولة العقلية، البعيدة عن عطاء النبوة، أما في طور الرشد البشري، ومرحلة ختم النبوة، فكان لا بد من اعتماد العقل، لتجريد الوحي من إطار الزمان والمكان، والاجتهاد في توليد الأحكام، لتحقيق صفة الخلود والامتداد، فإذا كانت صفة الخاتمية تعني التوقف، والانقطاع للوحي، وكانت صفة الخلود تعني، وتقتضي الامتداد، المجرد عن حدود الزمان والمكان، فإن العقل الذي هـو محل الوحي والتكليف، هـو وسيلة الامتداد، وتحقيق صفة الخلود، في ضوء معطيات الوحي، الذي يشكل للعقل مركز الرؤية، ودليل العمل.. وبعد :

فهذا كتاب الأمة الخامس والثلاثون: (العقل العربي وإعادة التشـكيل ) ، للدكتور عبد الرحمن بن سليمان الطريري ، أستاذ علم النفس بكلية التربية، جامعة الملك سعود، بالمملكة العربية السعودية ، في سلسلة (كتاب الأمة ) التي يصدرها مركز البحوث والمعلومات، بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في قطر مساهمة في تحقيق الوعي الحضاري، والتحصين الثقافي، وتجديد أمر الدين، وإعادة تشكيل مركز الرؤية، وبناء العقل المسلم المعاصر، في ضوء معطيات الوحي، وإخراج الأمة المعيار، وتبصيرها برسالتها ووظيفتها، فـي تحقيق الشـهادة على الناس، والقيادة لهم إلى الخير، من موقع الوسطية والاعتدال: ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ) (البقرة: 143) ، وفك التحكم، والارتهان الثقافي، والاستلاب الحضاري، ومعالجة أسباب التقليد، والتخاذل الفكري، وفتح مجالات التفاكر، والتشاور، والحوار، والاجتهاد الفكري، في محاولـة الفاعلية، واسترداد الإرادة، وامتلاك القدرة على تحـريك العقل المسـلم، واستعادة عافيته، ليكتشف السنن الفاعلة في الأنفس والآفاق، التي تمثل أقدار الله، ويتمكن من تسخيرها، وذلك بتحقيق المداخلة في مقدماتها للتحكم بنتائجها، وامتلاك القدرة والبصارة للفرار من قدر إلى قدر، ومغالبة قدر بقدر، والتعامل مع تلك السنن الجارية، بعيدا عن التفكير الخوارقي والخرافي، ذلك أن التعامل مع السنن الخارقة، يجعل من خلق الكون والحياة عبثا من العبث، ويلحق بالعقل الإنساني الزراية، وتشيع روح العطالة، وانطفاء الفاعلية، والهروب من المسئولية، كما يشيع الكسل العقلي، والإلقاء بالتبعة على الخارج، ويعطل مهمة التكليف، ومشروعية وعدالة الثواب والعقاب.

إن إعادة بناء الحاضر، والاستشراف الصحيح لصناعة المستقبل، وتقويم واقع الأمة بتعاليم الكتاب والسنة، وتحديد مواطن الخلل والإصابة، التي تعيق النهوض، منوط إلى حد بعيد بقدرتنا على إعادة تشكيل مركز الرؤية، للعقل المسلم، ودراسة أسباب الإصابات التي لحقت به، ورسم سبيل الخروج به من الأزمة وتحقيق الانعتاق العقلي، والتحرر من أسر البيئة، والمناخ الثقافي، الذي يحيط به، وإخراجه من تحكم الأبنية الفكرية المسبقة، والعودة به إلى التزام القيم المعصومة في الكتاب والسنة، في معايرته للواقع، وتنقيته للموارد الفكرية، التي تساهم في تشكيله، ذلك: أن العقل في نهاية المطاف، هـو الذي ينتج ويولد عالم الأفكار، وهو الذي يتشكل بها، ومن ثم ينظر، ويبدع، ويحكم على الأشياء، من خلالها.

ولعل من أهم ما يتميز به العقل المسلم دون غيره، هـو امتلاكه المعايير والثوابت المعصومة، التي تحققت من خلال معرفة الوحي، والتي تشكل له مركز الرؤية والمرجعية، وتمنحه إمكانية القدرة على التصويب، والتقويم، والمراجعة المستمرة، وتحصنه من كل محاولات الإلغاء، والاحتواء الثقافي.. تلك المعايير النبوية، القادرة على حمايته وانتشاله، لأنها ليست من وضعه، ولم تأت ابتداءا ثمرة لبيئتة الثقافية.

وقضية إعادة التشكيل الثقافي، أو بناء الشاكلة الثقافية، التي يعمل عليها الإنسان

ويصدرعنها، في دراساته وعلاقاته وأهدافه، وحتى وسائله في كثير من الأحيان، يمكن أن تعتبر القضية الملحة، والأهم في جدول الأولويات، لأنها تمثل بنية عالم الأفكار، وهي من أخص خصائص الإنسان، وهي القضية المستمرة استمرار الحياة، والمحتاجة دائما للتعديل والتبديل، والإلغاء والإضافة، بما يمكن أن نطلق عليه مصطلح (الاجتهاد الفكري ) لتنزيل القيم على الواقع، وتقويم حياة الإنسان بها في ضوء الظروف المحيطة، والمشكلات الطارئة، والإمكانات المتاحة.

إن وضوح المنهج، أو إعادة تشكيل مركز الرؤية، هـو المنطلق الصحيح لتقويم الواقع، وإبصار كيفيات صناعة المستقبل، ذلك أن الأزمة الحقيقية، أو الأزمة الأم التي يعاني منها العقل المعاصر، هـي أزمة فكـر، أو أزمة شاكلة ثقافية -إن صح التعبير- وذلك بسبب انسلاخه عن مرجعيته، وإن ما وراءها من الأزمات، يمكن أن تعتبر إلى حد بعيد من أعراض، ومظاهر الأزمة الثقافية.. وعلى الرغم من اعترافنا أن الكثير من الأزمات، تعتبر عامل مؤثر وفعال في التشكيل الثقافي، لكن يبقى الإنسان هـو المخلوق الحر المختار، القادر على التقويم، والمراجعة، والتصويب، والتجاوز، والتجدد، والانفلات من المناخ الثقافي، وخاصة إذا كان يمتلك -كعقل مسلم- القيم الثابتة، الخارجة عن وضعه، القادر على انتشاله، غير الخاضعة لأسر البيئة الثقافية، كما أسلفنا. ذلك أن التغيير لا يتحقق، والحضارة لا تبعث -كما هـو ملاحظ تاريخيا- إلا بالعقيدة الدينية، والتعاليم النبوية (معارف الوحي ) .. فالحضارة كما يقول الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله: لا تظهر في أمة من الأمم إلا في صورة وحي، يهبط من السماء يكون للناس شرعة ومنهاجا .. أو هـي على الأقل - تقوم أسسها: في توجيه الناس نحو معبود غيبي، بالمعنى العام.. فكأنما قدر للإنسان ألا تشرق عليه شمس الحضارة، إلا حيث يمتد نظره إلى ما وراء حياته الأرضية، أو بعيدا عن حقيقته، إذ حينما يكتشف حقيقـة حياته كاملة

- وهذا لا يتحقق دون معارف الوحي - يكتشف معها أسمى معاني الأشياء، التي تشكل له مركز الرؤية، وتتفاعل مع عبقريته.

والقضية التي لا بد من إعادة طرحها: أن التوجه صوب عالم الأفكار، والبحث في مكونات العقل المسلم المعاصر، وموارده الثقافية، ومواريثه الفكرية، وكيفية التعامل معها، وواقع الإنتاج العقلي والمعرفي، وطرح إشكالية هـذا العقل، والبحث في إعادة التشكيل، لإعادة الإنتاج المعرفي المأمول، في ضوء قيم الكتاب والسنة، لم يأخذ بعد البعد المطلوب، والاهتمام الكافي، والتقدير الدقيق، لدوره في عملية النهوض، والبناء الحضاري، وإنما هـي ملحوظات، وإشارات، وإثارات، لم ترق إلى المستوى المأمول.

وذلك يعود إلى عدة أسباب، لعل من أهمها: الخلط بين وظيفة القيم الإسلامية، المعصومة في الكتاب والسنة، ودورها في تحديد المنطلقات، والأهداف، والأطر المرجعية، وتشكيل مركز الرؤية، وبين وظيفة العقل، وما ينتجه من أفكار تجسر العلاقة، وتحدث التفاعل، بين الإنسان والإسلام، وتجتهد في تنزيل القيم الإسلامية، على الواقع المعاش، من خلال إبداع البرنامج، والوسائل، الذي يجيء ثمرة الجمع بين فقه القيم، وفقه الواقع، ومن ثم تنزيل الإسلام على الواقع، وتقويم سلوك الناس به، والارتقاء بهذا الواقع في ضوء إستطاعاته ومشكلاته الحقيقية، ليتحقق بمنهج الله.

إن الخلط بين القيم الإسلامية، التي تشكل المنطلق، والهدف، ومركز الرؤية، وبين وظيفة العقل، والظن أن القيم التي تعتبر الموجهات الأساسية، تغني عن وظيفة العقل، ودوره في إبداع البرامج، والأوعية الشرعية لحركة الأمة، انتهى بالكثير في العالم الإسلامي إلى الاسترخاء والكسل العقلي، والترهل الحضاري، وعدم الإدراك الكامل لدور العقل، وأهمية بنائه السليم، ووسائله في تنزيل الإسلام على الواقع، وتحقيق الانفعال به! فاقتصر نشاطهم الذهني - في أحسن الأحوال - على الشحن من التراث، والتفريغ على الواقع، دون القدرة على وضع الواقع وحاجاته الأساسية في موقعه الصحيح من مسيرة التراث التاريخية، ومدى قدرة التراث على الإجابة عن أسئلة الحاضر، والمساهمة بحل مشكلاته. أو مخاطبة الناس بعموميات القيم في الكتاب والسنة، دون إدراك دورهم في الكيفيات والآليات، والأوعية المطلوبة، التي لا بد من إبداعها للوصول إلى تحقيق مقاصد الدين التي ندعو إليها.

وقد تكون المشكلة: أننا في مشاريعنا للنهوض، ودعوتنا للتغيير والتجديد، ونقدنا للواقع نقتصر دائما على طرح ما يجب أن يكون عليه الناس، ويرتقوا إليه بما يمكن أن نسميه ( علم الأخلاق والأيديولوجيا ) ، بعيدا عن بحث وتحليل الواقع، ودراسة الأسباب والسنن المطردة، والمؤثرات والخصائص، التي صارت به، إلى ما هـو عليه، فيما يمكن أن نسميه (علم المجتمع، أو العلوم الاجتماعية) ، ومن ثم دراسة الكيفيات والأوعية والآليات، والمناهج التي لا بد منها، للارتقاء به، لما يجب أن يكون عليه، بما يمكن أن نسميه ( علم التربية ، علم التنشئة ) ، الذي هـو ميدان التشكيل وإعادة التشكيل دائما.

إن خطاب الناس بما يجب أن يكون، في ضوء القيم في الكتاب والسنة، بعيدا عن امتلاك القدرة على معرفة واقعهم تماما، ومن ثم وضع الأوعية والوسائل، وتحديد المراحل بدقة، في ضوء الإمكانات المتاحة، والمتوفرة، والظروف المحيطة، هـو تعطيل لدور العقل، ووظيفته، وتبسيط للأمور، وعجز عن إدراك وسائل وآليات التغيير، ومراوحة بالموقع نفسه، وامتداد بالحاضر ليكون هـو المستقبل، دون أي تغيير، أو ارتقاء بالموقع، ذلك أن الاقتصار على طرح شعارات لما يجب أن يكون، من الأمور السهلة، والمثيرة جماهيريا، لكن الاجتهاد في وضع الخطط، وتحديد المراحل، ورسم مناهج وآليات، وسبل الخروج، تعتبر من المراكب الصعبة، والمهمات الشاقة، التي قد تقصر دونها الهمم، إضافة إلى ما يمكن أن يترتب عليها، من احتمالات الخطأ في الاجتهاد، والفشل في تحقيق الهدف، الذي يتعارض مع عقلية إيثار السلامة، التي تقتضي الاستمرار في عملية الشحن، والتفريغ التراثي، دون القدرة على الإفادة من التراث، وتوظيفه للإجابة عن مشكلات الحاضر، حيث نقتصر على نقل أقوال الماضين، بحيث نضمن البراءة لأنفسنا في كل حال.

ولعل ذلك بسبب من شيوع التعصب، والإرهاب الفكري، والاستبداد السياسي، في عصور التخلف، والتقليد، والمحاكاة، وتحول عمليات التفكير والاجتهاد - حتى المخطئ منها - من مجال الأجر والثواب - حيث لم يثب الله على خطأ إلا في مجال الفكر والاجتهاد - إلى ساحة التأثم والذنب..

هذا المناخ المشحون بالتوتر، والتخوف، والاستبداد الفكري والسياسي، عطل الكثير من العقول عن وظيفتها، وشل حركتها ونشاطها، وانتهى بها إلى مجالات التقليد، والتمذهب، والمحاكاة للنماذج السابقة، حتى ولو لم تستطع الإجابة عن مشكلات مستجدة في الواقع المعاصر، ولم يبق لها إلا القيم التاريخية.

صحيح أن ترك الحبل على الغارب، وفتح الباب على مصراعيه، في مجال الاجتهاد، مدعاة لأن يدخل ساحة الاجتهاد الفكري والفقهي، كل من هـب ودب، مما يمكن أن يلحق آثارا سلبية بنسيج الأمة الاجتماعي، وبنائها العقلي؛ لكن صحيح أيضا أنه إذا توفرت أقدار من الحرية المطلوبة، فإن الكثير من الاجتهادات الفكرية والفقهية، سوف تسقط، لعدم صلاحيتها وصوابها، بحيث يتحصحص الحق، ولا يصح إلا الصحيح؛ وتبقى عصمة عموم الأمة، هـي الضمانة الكفيلة بعدم التواطؤ على الخطأ والقبول به.

ولعل الكثير من فتاوى الأهواء، وفتاوى السلطة الظالمة، وفتاوى التسويغ للمواقف السياسية، التي تسقط يوميا، ولا يعتد بها في الساحة الفكرية الإسلامية اليوم، يشكل دليلا على مناعة الأمة الثقافية والفقهية، وعدم تواطئها على الخطأ، على الرغم مما تعاني، الأمر الذي يقتضي إتاحة المجالات الكاملة للعقل المسلم، للنظر والاجتهاد، ومنحه الحس بالأمن النفسي والفكري، والثواب على الخطأ الفكري والفقهي، لينطلق من عقاله، ويمارس وظيفته، ويتمزق على التفكير، والحوار، والمناقشة، والتحليل، والتركيب، والاستدلال، والاستقراء، والمقايسة، والمقارنة، والاستنتاج، ويمارس سائر العمليات العقلية التي بسطها القرآن، في الظروف كلها، ووفر لها المناخ المناسب، بطروحاته المتعددة، ليحكم تنشئة العقل من خلال ذلك.

وحسبنا أن نؤكد أن العقل في الإسلام دليل الوحي، ووسيلة فهمه ونقله، ومحل تكليفه، وأن الوحي من بعض الوجوه، يمكن أن يعتبر أحد مدارك العقل ومعارفه.

والحقيقة التي لا بد من الإشارة إليها، والتوقف عندها قليلا، بما يسمح المجال، هـي: أن الغزو الفكري لعالم المسلمين، لم يقتصر على الجانب الثقافي، وإنما تجاوزه إلى شيء من الغزو الديني - إن صح التعبير - وانتقال علل التدين، التي ابتليت بها الأمم السابقة إلى المسلمين، الأمر الذي حذر منه القرآن بأكثر من مناسبة، وأكثر من أسلوب، وجعل السير في الأرض، والتوغل في تاريخ الأمم والشعوب السابقة، وما ذكر في القصص القرآني عن مجتمع الأنبياء، كنماذج، إنما كان ذلك للتبين والاهتداء إلى الطريق السليم، ولتحقيق الوقاية الحضارية، والثقافية، من علل التدين التي كانت سببا في السقوط الحضاري للأمم السابقة.

ولا شك أن الأمة المسلمة التي لا تجتمع على الخطأ بعمومها، استعصت على الغزو الديني، وانتقال علل التدين من الأمم السابقة، إليها بشكل عام - وهذا من لوازم حملها الرسالة الخاتمة، إذ كيف يمكن أن يصح التكليف، ويترتب الثواب والعقاب بنصوص محرفة؟ - إلا أن ذلك لم يمنع من بعض الإصابات التي لحقت بالتدين، وليس بالدين المعصوم، على أكثر من مستوى، فساهمت بمحاصرة العقل، وتشكيل عقلية التقليد الجماعي، كما شكلت عقبات كبرى في طريق الانطلاق الإسلامي، فوقعت الأمة بالتقليد والمحاكاة للأمم السابقة، الأمر الذي حذر منه الرسول صلى الله عليه وسلم : ( لتتبعن سنن الذين من قبلكم، شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا في جحر ضب لا تبعتموهم قلنا يا رسول الله: آليهود والنصارى ؟ قال : فمن ؟ ) ( رواه مسلم ) . ولعل من أخطر علل التدين، التي تسربت إلى المسلمين، ذلك الصراع المفتعل بين الوحي، وبين العقل، أو بين الدين، وبين العقل، حيث تشكلت الكهانة الدينية الكنسية التي مارست الإرهاب الديني ، واحتكرت الفهم والتفسير، والاجتهاد والتعليم، وجعلت الدين نقيض العلم، والعقل، وجعلت من مقتضيات التدين الصحيح، إلغاء العقل وإغلاقه، ( فمن تفلسف فقد تزندق ) ، وكان شعارها: (أطفىء سراج عقلك واتبعني) ، وحالت دون العقل ووظيفته في النظر والتفكير، واكتشاف السنن والأسباب، وإدراك علة الخلق، ونسبت ذلك لإرادة الله، وكأن في الأمر تعارضا، بين الأسباب التي أرادها الله، موصلة إلى النتائج، وبين إرادة الله! وتسرب هـذا البلاء، وهذه الثنائية، بين الوحي والعقل، إلى الفكر الإسلامي، واستنزفت منه هـذه الجدليات، البعيدة عن طبيعة الإسلام وقيمه، ردحا طويلا، مزق نسيج الأمة الثقافي، وبعثر وحدتها الفكرية، وملأ حياتها بالفرق والاختلافات، بعيدا عن المواقع الفكرية المجدية، وبدل أن تترجم قيم ومبادىء الإسلام إلى الأمم الأخرى؛ لتخليصها من شقوتها، وما يمارس عليها من الإرهاب الديني، ومن ثم إلحاق الرحمة بها، ترجمت تلك الجدليات إلى الإسلام، وفصلت عليه، فأوى ذلك إلى لون من الانشطار الثقافي الرهيب، الذي لا يزال يفعل فعله في مناهجنا التعليمية إلى اليوم.

فالذين توجهوا صوب الوحي الإلهي، توجسوا في كل دعوة، لإحياء وظيفة العقل، واستعادة دوره في الاجتهاد، وتطبيق الإسلام على الواقع، من خلال الخلفيات الفكرية التاريخية التي دخلت على الإسلام باسم العقل لإلغاء الشرع، وتخوفوا من أن الدعوة العقلية في حقيقتها يمكن أن تكون بديلا عن الوحي، ونقيضا له، خاصة وأن كثيرا من دعاة إحياء وظيفة العقل، نشأوا في مناخ الفصام الثقافي النصراني، بين العقل، والوحي، ولم يكن للدين نصيب من فكرهم وسلوكهم.. وساهمت بهذا التشوه الثقافي، مناهج التعليم المزدوجة، إلى حد بعيد.

ولا يزال هـذا الانشطار الثقافي، يستنزف الكثير من الطاقات الفكرية والعقلية في العالم الإسلامي، في معارك مفتعلة بين الوحي، والعقل، على الرغم من أن العقل في الإسلام سند الحقيقة الدينية، ومحل الوحي - كما أسلفنا - وإذا أسقط العقل، سقط الوحي والتكليف، وأن الوحي هـو الإطار المرجعي الذي يمنح العقل القيم المعصومة، ولا تعارض - كما يقول الإمام ابن تيمية وغيره - في الإسلام: بين صحيح المقول، وصريح المنقول، ذلك أن مصدر العقل والوحي هـو الله، فلا يمكن أن يقع التناقض والتعارض، وأن أي تعارض معناه ضعف في سند المنقول، أو عجز وخطأ في كيفية الاستدلال. وعند احتمال التعارض، فإن حكم الوحي المعصوم مقدم على حكم العقل المظنون. ومع ذلك يأبى دعاة التغريب والعلمنة في العالم الإسلامي، إلا أن يجعلوا الوحي والغيب والدين، نقيض العقل، والعلم اليقيني.

ولعل من أخطر القضايا في تشكيل العقل المسلم المعاصر أيضا: هـو الخلط بين معارف الوحي المعصومة، ومدارك العقل المظنونة، خاصة في إطار التعامل مع التراث، أو المواريث الثقافية بشكل عام، التي تعتبر ذاكرة الأمة، ومخزونها الثقافي، والمصدر والأساس في عملية التشكيل، وذلك بمحاولة نقل القدسية والعصمة، من قيم الكتاب والسنة، إلى الاجتهادات البشرية، التي لا تخرج في حقيقتها عن محاولات بشرية، لتنزيل القيم على الواقع المعاش، والاستجابة لمعالجة مشكلاته، في ضوء قيم الكتاب والسنة.. تلك الاجتهادات، التي يجري عليها الخطأ والصواب، والتي جاءت ثمرة لواقع معين بمشكلاته ومعاناته، ليس بالضرورة أن تكون قادرة على حل مشكلات جميع العصور، مع اختلاف الزمان والمكان.. وبدل أن يكون التراث والفهوم السابقة من الموارد الخصبة، التي تغني العقل المسلم، وتمنحه قدرات إضافية، وتجارب فكرية، مختبرة ميدانيا، على التعامل مع قيم الكتاب والسنة، وتمكن من توليد الأحكام، والنظر الشامل، انقلبت عند بعضهم إلى آبائية، وقيد مسبق يحول دون العقل وطلاقته، وحريته في النظر والاجتهاد، والعودة إلى الينابيع الأصلية في الكتاب والسنة.

وعلى الرغم من تعداد الاجتهادات، وتنوعها في العصر الواحد، حتى في اجتهاد خير القرون، فإن صوابية الاجتهاد، وإبداع الحلول لمشكلات عصر معين، لا يعني أبدا امتداد صوابية، وصلاحية ذلك الاجتهاد لكل العصور، وإلا لكان اجتهاد العصر الأول، اجتهاد خير القرون، المشهود له، يكفي لكل العصو، ولا حاجة لاجتهاد المجتهدين على مر العصور..

ونحن هـنا لا ندعو لطرح الاجتهادات السابقة، والقفز من فوقها، والاغتراف المباشر من الكتاب والسنة، بمؤهل وبدون مؤهل، أثناء عملية إعادة تشكيل العقل المسلم، وإنما نقول: إنه لا بد من العودة من خلال التراث، بكل جوانبه، السلبية والإيجابية، لأنها اجتهادات اختبرت ميدانيا في مجال الخطأ والصواب، ونظرات في تنزيل قيم الإسلام على الواقع، وتقويم سلوكه بها، في العصور المختلفة، ذلك أن تجاوزها، والقفز من فوقها، ليس من المنهج، ولا العقل، ولا العلم، ولا الدين.

وقد تكون المشكلة في: عمليات الانتقاء من التراث والنظرة الأحادية، من جانب، ونقل القدسية وصفة الخلود من القيم المعصومة، إلى فهوم البشر واجتهاداتهم.. من جانب آخر، حيث يخشى والحالة هـذه، أن تصبح الفهوم والاجتهادات البشرية، هـي الحاكمة على القيم، والمفسرة لها، وبذلك نفتقد عواصم الفكر، والضابط المنهجي لمعارف العقل.

وقد وقع في هـذه الإصابة الفكرية، بعض المفكرين، والفقهاء، حيث اعتبروا كل حديث، أو آية، ليست على ما عليه مذهبهم هـي مؤولة، أو منسوخة، وهنا تقع الكارثة العقلية، وتنتكس عمليات العقل، وينمو العجز عن التجديد والتغيير، حيث تصبح البيئة الثقافية هـي الحاكم والمقوم، ويبدأ التغيير والتنزيل للقيم على الواقع، والتفسير في ضوء معطيات التخلف والعجز، ويغلب فقه المخارج، وتسويغ الواقع، على فقه المقاصد، والارتقاء به..

وبدل أن تكون قيم الكتاب والسنة هـي المعايير الحاكمة على الواقع، تصير محكومة به، فيصبح لكل إنسان كتاب وسنة، بحسب تشكيله العقلي، ويشيع اتباع المتشابه، والاختلاف حوله، ويغيب فهم المحكم، والارتكاز إليه وتقع الكارثة الثقافية، ويستحيل بعد ذلك الانعتاق، أو الانفلات، من البيئة الثقافية المتحكمة، وتنشأ تفسيرات وقراءات لعقل التخلف، وعصر التخلف، لتكريس التخلف. وهذا لم يقتصر على القيم المعصومة، وإنما يتجاوزها إلى قراءة التراث، والانتقاء منه لإضفاء المشروعية التراثية على الواقع، أو على خيرات معينة مسبقة.

ولعل من المشكلات، التي يعاني منها العقل المسلم المعاصر، أثناء محاولات إعادة التشكيل، في كيفية التعامل مع التراث التي أشرنا إلى جوانب منها، وفي كيفية التعامل مع الوافد الأجنبي، أيضا، هـي: ما يعانيه من الانشطار الثقافي ، حيث لا بد من الاعتراف بأن واقع العقل في بلاد المسلمين، جعله يفتقد مركز الرؤية، والإطار المرجعي، ويفتقد المعيار.

فهل يعرض الوافد على القيم في الكتاب والسنة، وما تولد عنها من التراث الإسلامي، وبذلك يتمكن من توظيف منتجات الحضارة، والتعامل معها في ضوء رؤية إسلامية، تفقه الشرع، وتفهم العصر؟

أم تعرض القيم والمواريث الثقافية على قيم الوافد الأجنبي الغالب وينتقى منها ما يوافقه، ليضفي على وجوده مشروعية تراثية، ويلغي أو يسقط ما عداه، وبذلك توظفه الحضارة الوافدة تماما!

ولعل من الأمور الخطيرة أيضا، ونحن بصدد إعادة التشكيل: التوهم بأن الإنتاج المادي، والعلوم التجريبية، وهي منتجات وعلوم بريئة ومجردة عن ثقافة أهلها ومنتجيها، وبالتالي فهي لا تشكل خطورة على المتعاملين معها، مع أن الحقيقة: أن الإنتاج المادي هـو ثمرة للمكون الثقافي، وسبيل إليه، ذلك أن أي إنتاج مادي لا ينشأ في فراغ، وبدون خلفيات فكرية، لذلك يمكننا القول: بأن أي إنتاج مادي لا بد أن يكون متشبعا بثقافة المنتج، وهو بالتالي يشيع قيمها، بطبيعة استعماله في المجالات المتعددة، لأن الإنتاج المادي، وآفاق الارتقاء به، والتعامل معه، تغرس قيما، وعلاقات اجتماعية، ومكونات نفسية، تتسق معه، وتتشكل به.. صحيح أن المخاطر المترتبة على العلوم والدراسات الإنسانية، هـي الأخطر، لكن صحيح أيضا أنه من الصعب وضع الحدود الفاصلة، بين الثقافة التي تمنحها العلوم الإنسانية، ودورها في التشكيل، وبين ما تحمله العلوم والمنتجات التجريبية، من ثقافة منتجيها؛ ذلك أن الثقافة هـي التي تنتج العلم، وتحدد أهدافه، وتبين وظيفته، وتضع فلسفته، التي لا تغيب، ولا تتخلف عنه.

ومن الأمور التي لا بد أن نعرض لها، ونحن بسبيل طرح قضية إعادة التشكيل الثقافي، للعقل المسلم المعاصر، قضية مصطلح الثوابت والمتغيرات، التي كثر الحديث عنها في الساحة الثقافية، ومشاريع النهوض وحركات التجديد.. تلك المصطلحات التي قد تكون فكرتها مقبولة، ومرضية للجميع ابتداءا، لأنها تمنح الأمة نوعا من الارتياح، وعدم الارتياب بالمشاريع المطروحة، ولأنها بهذا الطرح تطمئن وتحافظ على ثوابتها، ومقوماتها، وجذورها، وكيانها الذاتي، لكن بمجرد أن نتجاوز طرح هـذه التعميمات والمصطلحات كشعارات، إلى البحث في تحديد مضموناتها، ومفهوماتها، ومعاييرها، فعند ذلك كثيرا ما تختلف الفهوم، وتتباين الرؤى؛ وبدل أن تكون تلك الطروحات وسيلة تجمع واتفاق، تصبح أداة تفريق واختلاف.

والحقيقة التي نعتقد أنه لا يتنكر لها أحد، هـي أهمية وجود ثوابت ومرتكزات ثقافية للأمة، تمثل القسمات المشتركة لعقول أبنائها، أو هـي - إن صح التعبير - جذور الشاكلة الثقافية، وأن تلك الثوابت هـي عقل الأمة الجماعي، ونسيجها الثقافي.. وقد تنشأ المشكلة السياسية في ذلك، عندما تكون تلك القيم، أو الثوابت، من وضع الإنسان نفسه، المحكوم بمجموعة مؤثرات ذاتية، وزمانية، ومكتسبات علمية، نسبية، وبذلك تفتقد الصفة الأساسية للثبات والخلود، إضافة إلى افتقارها إلى عنصر الارتكاز النفسي والعقلي، الذي يضمن لها الاحترام، والقبول، ويحقق الالتزام بها.. فهي مرفوضة، لأنها من وضع البشر الذي يريد أن يتفضل ويمتاز عن الآخرين.. تلك المشكلة الأساسية التي نراها كثيرا ما حالت دون إيمان كثير من الناس بالأنبياء، تحت دعوى أنهم بشر، يريدون أن يتفضلوا على الناس، ويمتازوا عليهم.

لذلك نرى أن هـذه المسألة بحاجة إلى كثير من النظر، وتحرير القول فيها، لأن عملية الحسم فيها مطلوبة ابتداءا، وقبل أن نمارس أي تشكيل ثقافي، أو إعادة التشكيل. ذلك أن الثوابت، إضافة إلى أنها تشكل القسمات المشتركة، والعقل الجماعي للأمة، فإنها تكون الإطار المرجعي، ومركز الرؤية، ومؤشر الهداية للعقل، وتحقق له الإجابات الأساسية التي يعجز بطبيعة تكوينه عن الوصول إليها، والاطمئنان إلى نتائجها، إضافة إلى ما يمكن أن ينشأ من اختلاف العقول حولها.

وهذه الثوابت، بالصورة التي أتينا على ذكرها، لا تشكل قيدا، أو أنموذجا مسبقا، يحاصر العقل، ويحول دون الحرية والطلاقة الفكرية، بقدر ما تشكل مركز رؤية، وعواصم تفكير معصومة، ذلك أنه لا يمكن لنا أن نتصور عقلا، أو أية عمليات فكرية من مثل: الاستقراء، أو الاستنتاج، أو المقايسة، أو التحليل، أو التركيب، تنشأ في فراغ، بعيدا عن الأسس، والمقومات والمعايير، الفكرية، التي تشكل مقومات النظر إلى الأمور، وتمكن - كعناصر لا بد منها - للعملية العقلية.

والثوابت في العقل الإسلامي، هـي معارف الوحي الثابتة بنصوص محكمة قطعية الثبوت، وقطعية الدلالة، ويبقى دور العقل: الاجتهاد في محل تنزيلها، وفهمها أما ما وراءها من الظنيات، فيمكن أن تختلف فيها وجهات النظر الفكري، والفقهي، ولا ضير..

فالقاعدة الثقافية المشتركة للتشكيل العقلي في الإسلام، هـي: محكمات، وقطعيات العقيدة، والشريعة، والأخلاق، وهذا يمنح الثوابت في الإسلام الاستقرار الذي يعتبر من أهم الخصائص التي لا تتوفر لغيره، فهي ليست من وضع العقل، حتى تكون عرضة للاهتزاز، والإلغاء، والتعديل والتنكر لها، لأنها تمكن لتسلط الآخر، وإنما هـي مستمدة من خالق الحياة والإنسان، العالم بكينونة خلقه، وما يصلحهم. إضافة إلى أنها تمنح المؤمن بها، الارتكاز إلى العقيدة والإيمان، الارتكاز إلى المقدس، الذي يضمن لها الاحترام والالتزام.

وقد يكون من نعم الله سبحانه على هـذه الأمة، صاحبة الرسالة الخاتمة، ومن لوازم ختم النبوة، واستمرار وخلود ثوابتها، أنه لم يسلط عليها عدوها تسليط استئصال وإلغاء، وهي التي حملت الرسالة الخاتمة، ونيطت بها القيادة الدينية للعالم، وإنما هـي عقوبات ومؤدبات على المعاصي الفكرية والسلوكية، ومنبهات حضارية، لاستعادة العافية والنهوض من جديد، لاستئناف المهمة الرسالية، لأن القيم المحفوظة لديها في الكتاب والسنة الصحيحة هـي التي تشكل خميرة النهوض، والإمكان الحضاري والتشكيل الثقافي، والقدرة على إعادة التشكيل.

لذلك فقد يكون المطلوب، من الذين يستشعرون التحدي، ويدركون الواقع، الذي صارت إليه الأمور، من الانهدام الحضاري، الذي لحق بالأمة، ويبصرون مسافة التخلف، التي تتسع كل يوم، وحالة الاستنقاع، والركود الاجتماعي، وتكريس ذلك بنوع من التبعية الثقافية، وحمايته بضروب من الاستبداد السياسي، أن يدركوا أن تجديد أمر هـذا الدين مرتبط أولا، وقبل كل شيء، بإصلاح عالم الأفكار، وإعادة تشكيل العقل المسلم المعاصر، وتجديد مناهج التفكير، وتنقية الموارد الثقافية.

ولا شك أن التربية والتعليم، والتخصص، هـو محور الارتكاز الأساس في الانطلاق، وعملية إعادة البناء، وصنع الشاكلة للمسلم المعاصر، الذي يفقه الدين، ويفهم العصر.. وعلى الرغم من موارد التشكيل الثقافي الكثيرة، يبقى التعليم والتربية هـو المحضن والرحم، الذي تزرع فيه بذور ومستقبل الشخصية المطلوب تشكيلها، والذي تتخلق وتنمو فيه قابليات الإنسان، وتتكون شخصيته، وتنمى مهارته، وتتشكل ثقافته..

وتبقى المعاهد والمدارس والجامعات، هـي مجتمعات المستقبل، فأي تخطيط، أو استشراف للمستقبل، أو تصور لإنسانه، ومجتمعه، أو رؤية لإنسان الغد، بعيدا عن بناء نماذجه، وأمثلته في المدارس، والمعاهد هـو رسم بالفراغ، واستنبات البذور في الهواء، على الرغم من وجود المئسسات الكثيرة التي تمارس عملية الضخ الثقافي، وتساهم بالتشكيل.. لذلك فليس عبثا في تاريخ هـداية الوحي، أن ينقل إلينا أنه في البدء كانت الكلمة، وليس عبثا أيضا أن تبدأ الرسالة الخاتمة بكلمة ( أقرأ ) ، كمنطلق لعملية التشكيل للإنسان، والمجتمع الجديد.

والحقيقة التي لا بد من التوقف عندها قليلا: أن الضخ الإعلامي والثقافي العالمي، والقنوات الضخمة التي حققتها التكنولوجيا له، والذي تجاوز بها الحدود والسدود، والرقابات الرسمية، وبدأ يصب على رءوس المسلمين، ويعيد تشكيلهم؛ إن هـذا الواقع، بمقدار ما يشكل للمسلم من إشكالية وعقبة، بمقدار ما يحقق له حلا، ويمنحه قدرة تمكنه من إيصال " الخطاب الإسلامي والقيام بمهمة البلاغ المبين، على المستوى العالمي.

وعلى الرغم من أن التوجه صوب دراسة واقع العقل المسلم، والتعرف على الصورة التي انتهى إليها على مختلف الأصعدة، ومحاولة إعادة التشكيل، وبناء مركز الرؤية في ضوء قيم الكتاب والسنة، وتحقيق الوعي الحضاري، والتحصين الثقافي، أو صناعة الشاكلة الثقافية، كان ولا يزال، هـو القضية الأساسية والمركزية، والتي تمحورت حولها الكتب التي صدرت في سلسلة " كتاب الأمة "، ووجهتها بشكل عام.. وعلى الرغم من التنبه المبكر

- نسبيا - للموضوع، الذي كنا وما زلنا نعتبره من الأهمية بمكان، والكتابة إلى الأخ الدكتور عماد الدين خليل ، ليكون من أوائل المساهمين معنا في الموضوع لما نعلم من اهتماماته الفكرية المتنوعة، وتخصصه في التاريخ الذي يمنحه الرؤية والقدرة على اكتشاف المسار العام للعقل المسلم، وما لحق به من إصابات، وأسباب ذلك، خلال مراحل المد والجزر، والسقوط والنهوض، وكان أن جاء " كتاب الأمة " الرابع: ( نحو إعادة تشكيل العقل المسلم ) ، إسهامة بارزة في هـذا الإطار، إلا أننا ما زلنا نعتقد أن إعادة التشكيل، والاستمرار في عملية المراجعة، والتقويم، والتسديد، والتصويب، يجب أن تبقى الهاجس الدائم، الذي ينمي الإحساس بالأزمة، ويوجه الجهد،ويصنع القلق السوي ( المحرض الحضاري ) ، الذي يحمل الإنسان على الارتقاء والتسامي المستمر.

وإن ما حققناه إلى الآن، يمكن أن يكون خطوة على الطريق، وإشارة لأهمية القضية، واستدعاء لها إلى ساحة الاهتمام وسم ملامحها العامة، ومحاولة لتحديد موضوعها الأساس.. أما وسائلها، وآلياتها، وإعادة بناء مناهجها، فلا يزال بحاجة إلى الكثير من الكتابات، والحوارات، والمناظرات، والندوات، والمفاكرات، حتى يتحدد إطار الموضوع، وتتبلور وسائل ومناهج البحث فيه والنظر فيه لأنه حتى الآن، ورغم الدخول في هـذا الهم، والاهتمام، ما نزال في مرحلة التمهيد، وبناء المداخل، والمفاتيح الأساسية، ووضع اللبنات الفكرية، التي لا بد من استكمالها لبناء المنهج، على مستوى الداخل الإسلامي.

أما الآخرون المسكونون بالمناهج والأدوات الغربية، الذين يعيشون على الأرض الإسلامية، من تغريبيين وعلمانيين، الذين يمتلكون القدرة على الترجمة، والشحن من هـناك، والتفريغ هـنا، ممن نفتتن أحيانا بطروحاتهم، فلا تخرج طروحاتهم في الحقيقة عن أن تكون محاكاة للفكر الغربي المهيمن، في التوجه صوب نقد العقل الإسلامي، ليس فقط في الآلية والمنهج، وإنما في الأسلوب، والهدف، وحتى في اختيار العناوين للأعمال الفكرية.

ولعل الكتاب الذي نقدمه: ( العقل العربي وإعادة التشكيل ) ، للأخ الدكتور عبد الرحمن سليمان الطريري ، يعتبر من المعالم على الطريق، وإسهاما نوعيا في إخراج هـذا الهم والإشكال الثقافي، من إطار التعميمات، والشعارات، إلى ميدان الاختصاص، واعتماد الوسائل العلمية، والأكاديمية، في التعريف والتحديد، والمقارنة، والاستقراء، والاستنتاج، والاستدلال من الواقع، كمختبر بشري، وميدان تجريبي، وبذلك يتقدم الموضوع خطوات، ويخرج من إطار التجريد، البعيد عن تناول بعض العقول، إلى التجسيد، والتدليل بالشواهد والوقائع. والله المستعان من قبل ومن بعد.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث