الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
التالي صفحة
السابق

تقديم

بقلم عمر عبيد حسنة

الحمد لله، الذي اصطفى الأمة المسلمة، لوراثة الكتاب بقوله: ( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ) (فاطر:32) ، وجعلها خير أمة أخرجت للناس، بما تحمل من رسالة، وما تقوم به من وظيفة، وما تؤديه من أمانة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والإيمان بالله، قال تعالى: ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ) (آل عمران:110) ، وما تقيمه من موازين العدل، والرحمة في حياة الناس، وتقوم سلوكهم بشرع الله، لأنها الأمة الوسط، الأمة المعيار التي وكل إليها، بما تمتلك من قيم الوحي السماوي السليم، الشهادة على الناس، وتصويب مسيرتهم، قال تعالى: ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ) (البقرة: 143) ، وبما تمتلك من رصيد التجربة التاريخية للأنبياء مع أقوامهم، إضافة إلى ما تتمتع به من خصائص، وصفات إنسانية، ما تزال مفقودة عند كثير من الأمم، التي يقوم كيانها على العروق، والأجناس، والألوان، وما يشابهها من الأمور القسرية، التي لا يد للإنسان في كسبها، والتي مهما ادعى صاحبها الرقي والحضارة، لا تنجو من التمييز، والتعصب، والروح العدوانية، تجاه الآخر، والشعور بالتعالي، الذي يقود إلى الحقد، والنزاع غير المشروع، ويكفي تاريخها وواقعها دليلا، على أن هـذه الأمم، بخصائصها، ومقوماتها، التي هـي عليها، لا تمتلك رسالة إنسانية، وعطاءا عالميا، وامتدادا تاريخيا، إلا بفعل السيطرة والاستعمار؛ لأنها ترفض بأصل تكوينها، فلسفة المساواة الإنسانية، وتحقيق تكافؤ الفرص، وحرية الاختيار، التي تعتبر روح الحضارة الممتدة، حيث تتأصل بها كرامة الإنسان.

وقد تكون مشكلة المسلمين، وخاصة في مراحل الكمود، والخمود، والوهن الحضاري، وشيوع التقليد، وغياب الوعي الجماعي، وانطفاء الفاعلية، في محاولة بعضهم التفكير بدخول جحور الضباب -حتى إنهم لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه- التي تعيشها الحضارات الأخرى، واختزال التاريخ الحضاري، بعصر واحد، والانبهار بالطفرات الحضارية، أو الخداع الحضاري، واستبدال الذي هـو أدني، بالذي هـو خير، والعجز عن إدراك الإمكان الحضاري، الذي تمتلكه الأمة المسلمة، لو تمثلت إسلامها، واستشرفت ماضيها، وأبصرت مستقبلها حقيقة.

والصلاة والسلام على الرسول القدوة، الذي جاء للعالمين بشيرا ونذيرا وكانت الغاية من ابتعاثه، إخراج الناس، من الظلمات إلى النور، ووضع الآصار والأغلال التي عليهم، وتزكية البشرية، وإلحاق الرحمـة بها، قال تعالى: ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) (الأنبياء: 107) ، وتقديم الانموذج الحضاري الإنساني، على الأصعدة المتعددة، المتحقق من خلال عزمات البشر، وهدايات الوحي، المرشد إلى سنن البناء، ليكون محلا للاقتداء والتأسي، بعيدا عن عبث الإنسان، وأهواء الإنسان، وتسلط الإنسان على الإنسان، حيث لا أسوة بغيره، ولا اقتداء بسواه؛ لأنه مسدد بالوحي، ومؤيد به، وكل إنسان غيره، يؤخذ من كلامه ويرد، ويجري عليه الخطأ والصواب، والانحراف والاستقامة.

لذلك كان من أهم عوامل الإمكان، والارتكاز الحضاري، امتلاك الأمة المسلمة للقيم السماوية السليمة، التي لم يداخلها تحريف، ولا تبديل، إلى جانب امتلاكها أنموذج الاقتداء والتجسيد، والعطاء لهذه القيم، الذي استوعب جميع الأحوال التي تمر بها الأمة، من سقوط ونهوض، واستضعاف وتمكين، ودعوة ودولة، على مستوى الفرد، والمجتمع، والأمة، والدولة.. إنها أمة تمتلك القيم، وتمتلك الأنموذج التطبيقي، ليكون دليلها في كل حالة تمر بها.

وبعد:

فهذا كتاب الأمة الرابع والأربعون: (الإسلام وصراع الحضارات) ، للدكتور أحمد القديدي ، في سلسلة كتاب الأمة، التي يصدرها مركز البحوث والدراسات، بوزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، في دولة قطر ، مساهمة في إعادة بناء فاعلية المسلم المعاصر، الصالح بنفسه، المصلح لغيره، من خلال إحياء وعيه، بموقعه الثقافي، ورسالته الإنسانية، وأمته المعيار، وإمكاناته في النهوض، وقدرته على استئناف السير، وإحياء شخصيته الحضارية التاريخية، وتوضيح ملامح حضارته، وبيان قسماتها، ونقاط ارتكازها ، والدور المنوط به اليوم -على الرغم مما يعانيه- (لإخراج الناس ، من عبادة العباد ، إلى عبادة الله ، ومن ضيق الدنيا ، إلى سعة الدنيا والآخرة ، ومن جور الأديان ، إلى عدل الإسلام) ، واستنقاذه من العبث الثقافي ، والضلال الحضاري ، وتبصيره بالسنن الإلهية ، في الأنفس والآفاق ، التي تحكم الحياة والأحياء ، والتي هي أشبه بقوانين مطردة ، تمثل أقدار الله الغلابة التي لا تتبدل ، ولا تتغير ، ليحسن التعامل معها ، ويمتلك القدرة على تسخيرها ، ومغالبة قدر بقدر ، والفرار من قدر إلى قدر . يقول ابن القيم رحمه الله : ليس الرجل الذي يستسلم للقدر ، بل الذي يحارب القدر بقدر أحب إلى الله (مدارج السالكين ج1) . وقد يكون من المفيد هنا ، أن نشير إلى أن الصراع ، أو التدافع ، أو التداول ، أو الحوار الحضاري ، سنة اجتماعية ، من سنن الله تعالى وقوانينه ، التي لا تتخلف ، ولا تتبدل ، كما أنها سنة فردية أيضا ، فالإنسان كفرد ، ليس خارجا عن دائرة الصراع والتدافع الذاتي ، في الاختيار بين دوافع الخير ، ونوازع الشر ، في نفسه ، لأن في ذلك تتحدد حرية الإنسان في الاختيار ، وتتميز كرامته ، ويبين فضله، والشر من لوازام الخير ، وبضدها تتميز الأشياء. فالصراع والتدافع ، هو سبيل الحيوية ، والنمو ، والازدياد ، وعلامة الحياة والاستمرار ، ابتداء من الخلية ، وانتهاءا بالحياة الحية .. وهو إحدى محركات الحياة الاجتماعية ، وامتداد التاريخ البشري ، وله صوره المتعددة ، وشوكاته المتنوعة ، من الحوار ، والمفاكرة ، والمثاقفة ، والمناظرة ، والقتال، والمواجهة، والمنافسة، والسباق، والمغالبة، كلها صور ومعارك، منها: المشروع المحكوم بضوابط ليست من وضع الإنسان، ومنها ما يستخدم وسائل غير مشروعة، وكل ذلك يقع ضمن دائرة الصراع الحضاري ، الذي يندفع من عقائد وأنساق معرفية، ورؤى قيمية، وأنماط حياتية وسلوكية، تمتاز بخصوصيتها، وتسعى للبرهنة على أحقيتها، وإثبات وجودها، فهي أشبه ما تكون في خصوصيتها ببصمات الأصابع، وسحن الوجوه، وملامح الشخصية، لا يمكن أن تتطابق، ذلك أن التطابق، يعني التوقف والموت.

والصراع بين الخير والشر، والعدل والظلم، والحب والحقد، والعفو والثأر، والإيثار والأثرة، والحق والباطل، وبعبارة أخرى: الصراع بين المعروف والمنكر، لا يتوقف إلا بتوقف الحياة.

قال تعالى: ( وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هـاديا ونصيرا ) (الفرقان:31) وقال: ( وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ) (الأنعام:112) .

إنها ابتلاءات الحيـاة: ( ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم ) (المائدة:48) .

فإبليس أبى السجود والطاعة لأمر الله، وتمرد، منذ بدء الخليقة، وقال: ( أنظرني إلى يوم يبعثون ) (الأعراف: 14) فقال الله تعالى: ( فإنك من المنظرين * إلى يوم الوقت المعلوم ) (الحجر: 37-38) ، واستمرت رحلة الغواية والصراع، وكان لها جولات ممتدة في تاريخ البشرية، أفرادا وجماعات، وأخذت أشكالا متنوعة، وفاعليات متفاوتة، واستراحات، واسترخاءات، هـي غالبا ما تكون استعدادا لجولات جديدة. ( ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ) (هود: 118-119) ، ( ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض ) (محمد: 4) .

ولعل من مظاهر رحمة الله، هـذا التدافع والاختلاف، الذي من خلاله يتحصحص الحق، ويتمحص، وبسببه تنجو الحقيقة، من الدمار، والخير من الجفاف، قال تعالى: ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ) (الحج: 40) ، وقال: ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ) (البقرة:251) ، وقال: ( كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ) (الرعد: 17) .

لذلك رأى بعض العلماء في ضوء ذلك، أنه من المستحيل واقعا وشرعا، أن يسلط الله على البشرية ظالما واحدا، يتحكم في مصيرها، لفترة طويلة، ذلك أن التدافع يكون بين الظلمة أنفسهم، وبينهم، وبين الحق، وهذه سنة جارية، في الحياة، حتى يتوقف التاريخ، ويتغير نظام الكون.

وأعتقد أن من أعظم الخلل الذي لحق بالعقل المسلم المعاصر، ما يكمن في عدم التأصيل، والتأسيس، لعـلم السنن، من خلال نضج الرؤية القرآنية، وتنزيلها على الواقع، في السيرة والسنة، ومن خلال استقراء محركات الصراع، في تاريخ البشرية، وعوامله، وأسبابه، ونتائجه.. إن هـذا الخلل هـو غياب عن الوعي، تطيش معه السهام، وتضل معه العقول، ويقع الإنسان معه فريسة للمفاجآت، والعجز عن التعامل معها؛ لأنه عاجز ابتداءا عن فهم المقدمات، والأسباب الموصلة لها.

والذي يدرك سنة التدافع والصراع، وأطرافه، وميادينه، وأسلحته، ومساراته، يصبح قادرا على حسن تسخيره، والفقه بنتائجه، ويمتلك القدرة على المداخلة، والتحكم، ومغالبة سنة بسنة، أو بقدر بقدر - كما أسلفنا - ويمتلك القدرة على الحركة في كل الظروف وإيجاد مساحات لزرع الحقيقة وتنميتها.

ومن هـنا ندرك بدقة مغزى ( قول الرسول صلى الله عليه وسلم : .. وإن الله ليؤيد هـذا الدين بالرجل الفاجر ) (أخرجه البخاري ) .

وندرك النتائج العظيمة، من نصرة الحق التي ترتبت على قدرة وحكمة الصحابي الجليل نعيم بن مسعود رضي الله عنه في غزوة الأحزاب ، عندما رمت العرب المسلمين عن قوس واحدة حيث تكالبت عليهم، وتحالفت: اليهودية، والوثنية، والقبلية، وابتلى المؤمنون هـنالك، وزلزلوا زلزالا شديدا، حتى لقد بلغت القلوب الحناجر، وبدأت الظنون، تتسرب إلى النفوس الضعيفة، قال تعالى: ( إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا * هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا ) (الأحزاب: 10-11)

في هـذه اللحظات الحاسمة وهذه الشدة الشديدة من المواجهة، أسلم نعيم بن مسعود ، وجاء خفية إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، وقال فيما ترويه كتب السيرة: ( أسلمت، ولم يعلم أحد بإسلامي، فمرني بما ترى، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم : -بما معناه- إنما أنت فينا واحد، وإن الحرب خدعة، فخذل عنا ما استطعت ) فكان ما كان من نعيم، من فهم، واستيعاب، وفقه لسنة التدافع وعوامله، ومداخله، وكان النصر بعد الشدة، وكان بلاء نعيم في الوقت المناسب وفاعليته، أعظم من جيش كامل، بخططه وعدده.

صحيح، بأن المسلم، يعتقد بأن النصر من عند الله، وهي حقيقة، يجب ألا تغادر نفسه، لكن صحيح أيضا، أن هـذا النصر أراده الله أن يتحقق من خلال أقدار وسنن، وعزمات بشر، وأسباب ومسببات، وكم يحتاج المسلمون اليوم - في حالات الحصار التي تفرض عليهم ويعانون منها أشد المعاناة - إلى نماذج ذكية، فقيهة بسنن وأقدار التدافع الحضاري، قادرة على دخول حلبة الصراع، بجدارة واقتدار، إلى درجة قد تمكن من إدارة الصراع، وتحقيق كسب أكبر، للقضية الإسلامية.

كم نحن بحاجة إلى نماذج من أمثال نعيم، قادرة على التحرك في الوقت المناسب، وحسن استخدام المتاح، ذلك أن الإنسان المسلم، بمقدوره أن يحقق الكثير الكثير، إذا أدرك إسلامه وعقيدته، وفقه المعادلة الاجتماعية، التي يعيشها.

ومن هـنا ندرك، كيف يمكن أن يكون الفرد أمة، وخاصة عند غياب الأمة.

يقول الشيخ محمد رشيد رضـا رحمه الله في تفسير المنار، عند قوله سبحانه وتعالى : ( قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ) (آل عمران:137) .

(إن إرشاد الله إيانا، إلى أن له في خلقه سننا، يوجب علينا، أن نجعل هـذه السنن علما، من العلوم، لنستديم ما فيها من الهداية، والموعظة، على أكمل وجه، فيجب على الأمة -في مجموعها- أن يكون فيها قوم يبينون لها سنن الله في خلقه، كما فعلوا في غير هـذا العلم، من العلوم والفنون، التي أرشد إليها القرآن بالإجمال، وبينها العلماء بالتفصيل، عملا بإرشاده، كالتوحيد، والأصول، والفقه.

والعلم بسنن الله تعالى، من أهم العلوم وأنفعها، والقرآن يحيل عليه في مواضع كثيرة، وقد دلنا على مأخذه على أحوال الأمم، إذ أمرنا أن نسير في الأرض، لأجل اجتلائها، ومعرفة حقيقتها) (انظر تفسير المنار، المجلد الأول) .

ويقول الشيخ محمد عبده رحمه الله:

ولا يحتج علينا، بعدم تدوين الصحابة لها، فإن الصحابة، لم يدونوا غير هـذا العلم، من العلوم الشرعية، التي وضعت لها الأصول والقواعد، وفرعت منها الفروع والمسائل، وإنني لا أشك، في كون الصحابة، كانوا مهتدين بهذه السنن، وعالمين بمراد الله من ذكرها، يعني أنهم، بما لهم من معرفة أحوال القبائل العربية، والشعوب القريبة منهم، ومن التجارب، والأخبار، في الحرب وغيرها، وبما منحوا من الذكاء، والحذق، وقوة الاستنباط، كانوا يفهمون المراد من سنن الله تعالى، ويهتدون بها في حروبهم، وفتوحاتهم، وسياساتهم للأمم، التي فتحوها، وما كانوا عليه من العلم، بالتجربة، والعمل، أنفع من العلم النظري البحت، وكذلك كانت علومهم كلها.

ولما اختلفت حالة العصر اختلافا، احتاجت معه الأمة، إلى تدوين علم الأحكام، وعلم العقائد، وغيرهما، كانت محتاجة أيضا، إلى تدوين هـذا العلم، ولك أن تسميه علم السنن الإلهية، أو علم السياسة الدينية، سم بما شئت، فلا حرج في التسمية.

والسنة كما هـو معلوم: الطريقة المعتبرة، والسيرة الحميدة المتبعة، والقانون المطرد، الذي يتبدل، ولا يتحول، قال تعالى: ( ولن تجد لسنة الله تبديلا ) (الأحزاب:62) ، فالحياة لم تخلق عبثا، وإنما خضعت لسنن وقوانين، وأمر البشر في اجتماعهم، وما يعرض فيه من الصراع، والتدافع الحضاري، بين الحق والباطل، وما يتبع ذلك، من الحرب، والنزال، والملك، والسيادة، والتداول الحضاري، يجري على طرق قويمة، وقواعد ثابتة، فمن سار على سنن الله ظفر بالفوز، وإن كان ملحدا، أو وثنيا، ومن تنكبها، خسر، وإن كان صديقا، أو نبيا.

وعلى هـذا يتخرج انهزام المسلمين في أحد ، وكذلك في أول المعركة في حنين ، ويتخرج انتصارهم على الأصعدة المتعددة، (انظر تفسير المنار) .

لذلك قد يكون من الأولويات المطلوبة في الفهم والتفكير الإسلامي اليوم، إدراك أمر السنن والأسباب، والأقدار، وامتلاك القدرة على التعامل معها، وتسخيرها، ودخول حلبة الصراع الحضاري، بميادينه المتعددة، بأدواته ووسائله النوعية المطلوبة، ذلك أن دخول أية معركة، بدون أسلحتها الفاعلة، سوف يؤدي إلى الخسارة الفادحة، فالتعامل مع أي ظاهرة دون تحليلها ومعرفة أسباب نشوئها واستيعابها، والإحاطة بها، سوف يوقع بإحباطات كبيرة، ومفاجآت غير متوقعة أو محسوبة.

وهذا لن يتأتى بالأماني والرغبات، ولن يتأتى بالصراخ والعويل، ولن يتأتى من زيادة الحماس، وزيادة التوثب الروحي، ولن يتحقق لعامة الناس، وإنما لابد له من وعي كامل بمعرفة الوحي، في الكتاب والسنة، كأمر لابد منه لبناء المرجعية، وتشكيل مركز الرؤية، ومن ثم التحقق بالتخصص في فروع المعرفة والعلوم المتعددة، وبخاصة العلوم الاجتماعية، وتأسيس مراكز بحوث ومعلومات ودراسات يقوم عليها متخصصون، يمثلون أهل الحل والعقد فيما اختصوا فيه، وإحلال العقل الجماعي المؤسس، محل العقل الفردي.

وأستطيع أن أقول: بأن أية مفاجأة بالنتائج، تعني من بعض الوجوه، نوعا من البلاهة، كما تعني عدم إدراك المقدمات، فلكل قضية علمها المطلوب، لإدراكها، وفهمها، والقدرة على التعامل معها، ومن هـنا يمكن أن ندرك بعض أبعاد قوله تعالى: ( بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ) (يونس: 39) .

وفي ضوء ذلك يمكن أن نفسر الإصابات والارتكاسات، وتوالي الهزائم، واستمرار السقوط، والانحدار، والانكسار، والتراجع، الذي يمنى به العالم الإسلامي والمسلمون بشكل عام.

ولا سبيل أمامنا للإحاطة بعلم الأشياء، على الأصعدة المتعددة وعلى الأخص في مجال التدافع الحضاري الذي لا يتوقف، ما لم ندرك السنن، التي شرعها الله، لتحكم حركة الحياة، وسلوك الأحياء، ذلك أن الفقه بالسنن، هـو الذي يحقق لنا الفرقان، من إدراك المقاصد، وإبصار المخارج، وامتلاك الوسائل، ودخول حلبة الصراع، بالمؤهلات المطلوبة.

وقد يكون من المفارقات العجيبة، والمؤرقة حقا، في الحالة الإسلامية اليوم، أن المسلمين ما يزالون يمتلكون الخطاب الإلهي السليم، دون سائر الأمم، يمتلكون معرفة الوحي، التي توقفهم على تاريخ الحضارات، نهوضا وسقوطا، وخلاصة التجربة البشرية، والسنن التي حكمتها في التدافع، والسقوط والنهوض، لكنهم يعجزون عن الإفادة منها.

لقد قدمت معرفة الوحي، في الكتاب والسنة: الخلاصات، والنماذج المطلوبة، من قصص الأنبياء، التي تعتبر منجما زاخرا بالعبر والدروس، وعطاءا لا ينفد للتدافع، والصراع بين الخير والشر، والنتائج والمآلات التي تحققت وفق هـذه السنن الإلهية في التاريخ، الذي يعتبر المختبر البشري الدقيق لفاعلية هـذه السنن، حتى لقد جعلت معرفة الوحي السير في الأرض والنظر في أحوال الأمم السابقة، وإدراك السنن والقوانين، التي حركت مسار التاريخ، أو تحرك التاريخ في مسارها، من العلوم المطلوبة للمسلمين، والتي بدون العلم بها سوف يخرجون من التاريخ، وينقلبون من وسيلة محركة فاعلة، قائدة، مسخرة، إلى أداة معطلة مسخرة.. سوف يتحولون من صناعة التاريخ، إلى أن يكونوا محلا لحركة التاريخ، وتجاربه.

وبالإمكان القول: إن علم السنن التي شرعها الله للأنفس والآفاق، تعتبر من الفروض الكفائية، أو من الفروض الحضارية، التي غفل عنها المسلمون جماعات، وجمعيات، ودولا، وأفرادا، اللهم إلا من بعض الملحوظات والاضاءات، والإشارات، والبدايات، التي لم ترق إلى مستوى العلم.

قال تعالى: ( قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين * هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين ) (آل عمران: 137-138) ، فأين السير في الأرض المأمور به شرعا، والتوغل في التاريخ، واكتشاف السنن التي طلب القرآن تحصيلها، والاهتداء بها إلى فعل الصواب، والاتعاظ بما تحقق منها، في إطار الأمم السابقة، والقيام بعملية المغالبة بين سنة وسنة، وبين قدر وقدر؟

إن قسما كبيرا من المسلمين اليوم، يسيرون في الأرض, ويذهبون إلى بلاد الحضارات الأخرى، سير البلهاء، والمغفلين اللاهين، الذين ينتهي بهم قصدهم ويتحقق على مزابل الحضارة الغربية وإباحيتها، أو على أحسن الأحوال يقرأون الحضارة قراءة خاطئة لا تسمن ولا تغني من جوع، وقد تسخرهم وتسحرهم، بدل أن يسخروها، ويعتبروا بإصاباتها.

إن السنن هـي أمر الله، وقدره الثابت، الذي لا يتبدل، قال تعالى: ( سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا ) (الأحزاب: 38) .

ونعترف أن علم السنن، تأصيلا وتأسيسا، لما يأخذ بعد طريقه إلى المسلمين، وأكثر من ذلك، إلى المؤسسات الإسلامية الرائدة، المنوط بها إخراج الأمة والعالم الإسلامي، من حفر التخلف، التي يعيش فيها، في الوقت، الذي أصبحت فيه مراكز البحوث والدراسات، والمعلومات المتخصصة في نطاق الحضارة الغربية، التي تسعى إلى الغلبة والتفوق، والسبق، تتجاوز التصور.

لقد أصبحت مراكز البحوث والمعلومات، جزءا لا يتجزأ من نواتج الحضارة، ولوازمها، وأصبحت وسيلتها الفاعلة، في إدارة الصراع والحوار الحضاري.. أصبحت جزءا من البيئة العقلية، للنظام الحضاري الغربي، ومرتكزا من مرتكزات النظام المعرفي، وحاسة متقدمة من حواس صاحب القرار السياسي، وجانبا هـاما من مباني الجامعات، والمعاهد، والمدارس.. إنها مخبرات الفحص، والتحليل، والاختبار، لكل الظواهر الاجتماعية، والنواتج الفكرية التي تمكن من التخطيط المستقبلي، وصناعة القرار.

في الوقت الذي نرى فيه عالم المسلمين - إلا من رحم الله - لا يزال يمارس حالة الانتظار، أو يعيش في غرفة الانتظار، حتى تسقط الحضارة الغربية لصالحه، دون أن يكون صالحا مصلحا، والله سبحانه وتعالى يقول: ( ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ) (الأنبياء: 105)

إن الكثير من المسلمين اليوم، يعاني من إصابة الأمية، التي أخبر الله عنها في أهل الكتاب، حيث قال تعالى: ( ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني ) (البقرة:78) .. إنهم مسلمو اليوم.

قـال ابن تيمية رحمـه الله: عن ابن عباس وقتادة رضي الله عنهما ، في قوله تعالى: (ومنهم أميون) ، أي غير عارفين بمعاني الكتاب، يعلمونها حفظا، وقراءة، بلا فهم، لا يدرون ما فيها..

وقوله: (إلا أماني) ، أي تلاوة، لا يعلمون فقه الكتاب، إنما يقتصرون على ما يتلى عليهم.

وعن الإمام أحمد رحمه الله قال:

ذكر النبي صلى الله عليه وسلم شيئا، ( فقال: .. وذلك عند ذهاب العلم. قلنا: يا رسول الله: كيف يذهب العلم، ونحن قـرأنا القرآن، ونقرئه أبناءنـا، وأبناؤنا يقرئونه أبناءهم؟ فقـال: ثكلتك أمك يا ابن لبيد ، إن كنت لأراك، من أفقه رجل في المدينة ، أوليس هـذه اليهود والنصارى ، بأيديهم التوراة، والإنجيل، ولا ينتفعون مما فيهما بشيء ) ! ( الحديث رواه أحمد في مسنده، ورواه ابن ماجه في سننه، عن زياد بن لبيد الأنصاري، رضي الله عنه ، في كتاب الفتن، ورواه الترمذي في سننه في باب: ما جاء في ذهاب العلم، وقال: وهذا حديث حسن غريب ) .

إن الحالة السلبية، الانسحابية، الإرجائية، التي يعيشها معظم المسلمين اليوم انعكست على فهمهم للدين، لإيجاد مسوغات، ومشروعيات لحالهم.

إنهم ينتظرون السنن الخارقة، ويعدلون عن السنن الجارية، ولا يحسنون فقه الكتاب، ومع ذلك يندبون حظهم العاثر، والله تعالى يقول: ( من يعمل سوءا يجز به ) (النساء: 123) .

ولعل من أخطر ميادين التدافع الحضاري، أو إن شئت فقل: الحوار الحضاري -وما الحوار إلا صورة من صور التدافع- مشكلة تحديد المفاهيم والمصطلحات، والمفردات المعرفية، التي تعبر عن الثوابت الحضارية والمرجعية الثقافية، ذلك أن المفاهيم، والمصطلحات، أو ما يمكن أن نعبر عنه بعالم الأفكار، والعقائد، هـي وسائل التحصين، وأسلحة التدافع، وأدوات الحوار الحضاري.

لذلك أعتقد أن الغفلة عن مدلول المفاهيم الشائعة، أو التي يراد إشاعتها في عالم المسلمين، والسماح بالاستقرار لدلالاتها بالذهنية الإسلامية، وتأنيسها أو الأنس بها، يعتبر من الغفلة عن الأسلحة، وأول مراحل الوهن، والاغتراب، قال تعالى: ( ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ) (النساء:102) .

من هـنا نقول: إن وضوح المفهومات والمصطلحات الإسلامية، ومحاولة إشاعتها، وإحيائها، وإدراك دلالاتها، يعتبر من الأمور المهمة في بناء المرجعية، والتحصين الثقافي، والانطلاق إلى ميادين التدافع والحوار، بالزاد الكافي، لأن المفهومات والمصطلحات الإسلامية تشكل أوعية التفكير، وجذوع النسغ الحضاري، الممتد، من الماضي، إلى الحاضر، والمستقبل، وتمثل خلاصات لمعطيات الوحي والعقل معا، إضافة لما لها من رصيد نفسي وثقافي، واختبار تطبيقي تاريخي، يجعلها محل ثقة واستمساك.. إنها باختصار تشكل ملامح حضارة الأمة، وقسمات شخصيتها، ومحصلات الفكر، وأبجديات قراءة الهوية، ومعالم الطريق.

لذلك فأي تنازل عنها، بإسم الحداثة، أو العصرية، أو حتى مقاربتها بمصطلحات أو مفهومات الآخر، هـو تخل عن الذات، وتوهين لقيم الأمة، في معركة الصراع الحضاري، وعدول عن الانتماء، إلى الارتماء، والسقوط لصالح الآخر.

من هـنا نقول: لا بد من البصارة، والفقه، والدقة الكاملة، في فحص واختبار المفاهيم، والمصطلحات السائدة، والتعرف على منطلقاتها، وأهدافها، ودلالاتها، وخلفياتها الثقافية.

ذلك أن المعركة الثقافية، التي بدأت تتبلور لصالح الحضارة الغربية ومصطلحاتها على الساحة العالمية اليوم، هـي الأخطر، ولئن كنا نعاني سابقا، من السقوط والانهزام، والتخلف، في عالم الأشياء، فهذا يعني، أننا ما زلنا نحتفظ بالإمكان الحضاري، أو نحتفظ بعالم الأفكار والقيم، وخميرة النهوض، لكن الخطر اليوم يكمن في التضليل أو التطبيع الثقافي ، المراد لهذه الأمة، ومحاولة توهين قيم الحضارة الإسلامية، ومقاربتها بالقيم الحضارية الغربية، لضمان قبولها ومرورها إلى الداخل الإسلامي، وذلك باستنبات كتاب، ومفكرين، وباحثين، وإعلاميين، وسياسيين، ومراكز للبحوث والدراسات في التربة الإسلامية، مسكونين بقيم الحضارة الغربية، ومفتونين بأشيائها، وإنجازها المادي، لتمكين مرورها إلى عالم المسلمين، باسم الانفتاح والحداثة، وتحقيق المشترك الإنساني، والعلمية، والموضوعية، والتجديد، والعقلانية، والوسطانية.. إلخ.

فالشورى الإسلامية المأنوسة، بما لها من دلالات، وتطبيقات، وارتكاز عقيدي، والتي هـي في نهاية المطاف، دين من الدين، تصبح الديمقراطية الغربية نفسها، مع التجاهل، أو التجاوز الكامل، لكل الخلفيات الفكرية لكل من الحضارتين والمصطلحين.

وأهل الذمة بكل دلالة المصطلح في السيرة النبوية والفكر والقيم، والتاريخ، يصبحون: مواطنين، لا ذميين، وكأن الذمي ليس مواطنا، يتمتع بحقوق وحماية إسلامية، قد تتجاوز حقوق المسلم!

وفصل الدين عن الدولة، وعزل الإسلام عن حكم الحياة، وحصره في المساجد، والعبادات التقليدية، والعلاقات الفردية بين الإنسان وربه، بعيدا عن حكم الحياة، تفصل له عملية التفريق بين الرسول النبي، الواجب الاتباع، في الأمور العبادية البحتة، والرسول الحاكم، الذي تعني سنته هـنا اجتهادا يمكن تجاوزه!

والضرورة الشرعية بكل ضوابطها ودلالاتها، التي يجوز معها، وقف الاحكام لمرحلة، أو لحالة طارئة، تصبح هـي المصلحة، الموهومة الموقوته، التي تبيح تعطيل النصوص ومحاصرتها، ورفعها من التطبيق.

والجهاد في الإسلام إنما شرع لمحاربة الظلم، وليس لمقارعة الكفر، مع أن الله سبحانه وتعالى يقول: ( والكافرون هـم الظالمون ) (البقرة: 254) .

والجهاد الذي هـو أعلى أنواع العبادة والتضحية، هـو من الفعل الاجتهادي والسياسات الشرعية، وليس من شئون العقيدة، ومقتضيات الدعوة.

لقد غابت، أو غيبت من حياتنا الثقافية اليوم، مفاهيم ومصطلحات الكفر، والنفاق، والإيمان، والإسلام، والشرك، والتوحيد، ومصطلحات أهل الكتاب، وأهل الذمة، والمعاهدين، والنصارى، واليهود، والوثنيون، والباطنيون، والملحدون، والمشركون، تماما، لتحتل عقولنا مصطلحات، ومعايير، ومفاهيم، ومقاييس، تطبع الهزيمة، وتقرأ الحضارة المعاصرة، بأبجديات خاطئة، غير إسلامية، وتتحول حياتنا الفكرية إلى استخدام مصطلحات ومدلولات حضارة الآخر.

وقد تكون المشكلة أيضا - إلى جانب من استنبتوا في التربة الاسلامية، ليعملوا لصالح حضارة الآخر في المجالات المتعددة - فيما يسمى: النخب العربية الاسلامية، التي مكن لها، لتحتل مواقع القدوة والقيادة، والتأثير، والتي ارتهن معظمها لتلك المفاهيم والمصطلحات الفكرية، بسبب دراستها وتخصصاتها، في معاهد ومدارس وجامعات الغرب، فهي رهينة المدرس، والمنهج، والكتاب، والمرجع، والتطبيق الحضاري، مع التوهم بأن ما تعلمته، هـو معيار عام، لكل تقدم وإنجاز، حضاري، يصلح لكل أمة، مهما كانت عقيدتها ومعادلتها الاجتماعية.. لذلك والحالة هـذه، فإن عملية الصراع أو الحوار الحضاري، سوف تكون محسومة لصالح الآخر.

فما يسمى اليوم ندوات للحوار الحضاري بين الإسلام والغرب، أو ندوات، لدراسة التيارات الفكرية في العالم الإسلامي، كالصحوة، وتياراتها، أو الأصولية وأسبابها، ودوافعها وأهدافها، وما إلى ذلك من العناوين التي باتت تملأ الصحف والمجلات، يدعو للحوار والمشاركة، وتمثيل الإسلام، أو الطرف الذي يحاور عن الإسلام في هـذه الندوات، بعض العلمانيين الذين يسكنون جغرافيا فقط في العالم الإسلامي، يدعي هـؤلاء الذين لا يمثلون الثقافة والحضارة الإسلامية، ولا يعبرون عن ضمير أمتهم؛ لقلة بضاعتهم فيها، من جانب، ولأنهم منحازون بطبيعة دراستهم، وثقافتهم للغرب.

لذلك فالحوار معهم ليس حوارا مع الآخر، وإنما هـو لون من النرجسية الثقافية ، والتخاطب مع الذات، فالمؤسسات الغربية ومراكز البحوث والجامعات، عندما تدعوهم، فهي لا تدعو الآخر المسلم، وإنما تدعو تلامذتها وخريجيها، وحاملي ثقافتها، وتحاور بهم نفسها، وعلى ذلك فهي تزداد جهلا بالإسلام، والعالم الإسلامي، وتعجز عن فهمه من الداخل، وتكرس الصورة المشوهة، والتفسيرات البعيدة، عن الحقيقة، هـذا إذا أحسنا النية بأسباب الحوار وأهدافه.. كل هـذا يتم اليوم باسم الحوار.

أما الحوار الحضاري أو الحوار مع الآخر، وإتاحة الفرصة لتوسيع دائرة التفاهم، وإبلاغ رسالة الإسلام إلى العالم، التي إنما جاءت لاستنقاذه، وإيصال دين الله إليه، بأفضل الوسائل، والمجادلة له بالتي هـي أحسن، مع مراعاة أدب الحوار وشرائطه.. فهو من الفروض الشرعية الكفائية، التي تعتبر من مسئولية الأمة جميعها.

وأحب أن أوضح هـنا: أن الحوار مع الآخر، وإتاحة الفرصة لتبادل الرأي، للوصول إلى قناعات معينة، أو للوصول إلى صيغ مشتركة، للتفاهم والتعاون، هـو مطلب إسلامي، وإحدى وسائل الدعوة والبلاغ المبين، إذا توافر للحوار شروطه، من إتاحة الفرص المتكافئة، وتحرير موضوع الحوار، والالتزام بآدابه، وأخلاقه، بل هـو أكثر من مطلب إسلامي، أو أحد خيـارات المسلم، إنه تكليف شرعي، يقع تحت مدلول قوله تعالى: ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هـي أحسن ) (النحل: 125) ، ذلك أن الدعوة إلى دين الله، وسبيله، محلها ابتداء: الآخر.

ولم يقتصر القرآن على الأمر بالمجادلة، وإنما نص على أسلوبها، واشترط أن يكون بالتي هـي أحسن حتى لا يكون منفرا، وحتى يحقق الاقتناع عن اختيار، ولا يشكل حاجزا نفسيا يحول بين الآخر والإسلام، خاصة أن الإسلام لا يخص جنسا، ولا لونا، ولا قوما.

وأحسب أن المبادرة بالحوار، والدعوة إليه، يجب أن تبدأ من عند المسلم، وأن يكون المسلم أكثر حرصا عليها من الآخر.. ولعلي أرى في قوله تعالى: ( قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ) (آل عمران: 64) ، تكليفا شرعيا لا يخص عصرا بعينه، ولا حادثة بعينها، ولا يجوز أن يعتبر سبب النزول قيدا لخلود النص، وتجرده عن حدود الزمان والمكان.. فمقتضى خلود النص يعني: أن التكليف جار وقائم في كل زمان ومكان.. والدعوة إلى الحوار، واللقاء بالآخر، ومحاججته بالتي هـي أحسن، وظيفة المسلم، لإلحاق الرحمة بالناس.. وما يمتلك المسلم من قيم سماوية معصومة منزلة من رب العالمين، وتجربة تاريخية فذة، وشخصية حضارية وثقافية، تجعله في موقع مكين، يدفعه إلى الإيجابية، وطلب الحوار، ويجعل مكاسبه من الحوار مقدرة ابتداء، ذلك أن الآخر سوف يتأثر على كل حال، وليس بالضرورة أن تظهر النتائج بشكل سريع، فكثير من الصحابة رضوان الله عليهم سمع القرآن لأكثر من عشر سنوات، وكان الحوار بالقرآن، وكان المحاور الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أوتي جوامع الكلم، وجاء إيمانه متأخرا، ومع ذلك أبلى في الإسلام بلاء حسنا، وانتصر هـذا الدين على يده، في معارك كثيرة، فكرية، أو فقهية، أو عسكرية.

وكان الآخر هـو الذي يتهرب من الحوار، ويغلق منافذه، ولعل قوله تعالى: ( وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون ) (فصلت: 26) ، مؤشر واضح على موقع المسلم في الحوار، وموقع الآخر، لذلك لا أرى عذرا ولا مصلحة في إقفال باب الحوار مع الآخر أو نفيه، أو إلغائه، مهما كانت الأسباب، أو ترك المبادرة له، لتنظيم ندوات الحوار، وتحديد أهدافه، وموضوعه، واستدعاء بعض الاسلاميين لملء المربعات المرسومة لهم مسبقا، بحيث تنتهي ندوات الحوار لتصب في مصلحة الآخر في نهاية المطاف خاصة اذا كان الإسلاميون المدعوون ممن استنبتوا على التربة الإسلامية، وغرسوا فيها لهدف، حيث جعلت مهمتهم توهين القيم الإسلامية ومقاربتها بقيم الحضارة الغربية، التي تمثل الآخر في الحوار الدائر اليوم.

وقضية الحوار مع الآخر، وإعادة النظر بمواصفات الخطاب الإسلامي المعاصر، وأدوات توصيله، ووسائل إبلاغه على مختلف الأصعدة، لم تعد خيارا للمسلم، في عصر ثورة المعلومات والاتصالات، وتطور وسائل الإعلام، حتى يكاد العالم يصبح قرية إعلامية صغيرة، وحيث امتدت حواس الإنسان من خلال وسائل الإعلام، لترى، وتسمع، وتستقبل، وترسل، إلى أقاصي الدنيا، وتعالت الأصوات في الدعوة إلى الحضارة الواحدة، والنظام العالمي الجديد..

والمطروح: كيف يستطيع المسلم استشعار التحدي الإعلامي والمعلوماتي، وامتلاك القدرة على أن يصب في هـذه الأوعية الإعلامية، المواد النافعة، ويسجل حضورا، أو شهودا حضاريا، ويحول النقم التي تصب من فوق رأسه إلى نعم، في إيصال الإسلام إلى الناس؟

وهنا قضية، أرى أن إعادة التذكير بها، في غاية الأهمية، وهي أن الحضارة الإسلامية، هـي في حقيقتها، وتاريخها، ونواتجها، حضارة إنسانية، لا تخص جنسا، أو لونا، أو عرقا، أو منطقة جغرافية، أو طبقة اجتماعية، وإن كان العرب وبلادهم هـي قاعدتها، وهم حملتها الأوائل، لقد تجاوزت بدعوتها وممارستها كل الفوارق القسرية، التي لا يد للإنسان في وجودها، وجعلت معيار الكرامة، فعلا كسبيا، بمقدور كل إنسان أن يرقى إليه، وليس أمرا قسريا لا يد له فيه، قال تعالى: ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) (الحجرات:13) .

لقد جاءت معظم آيات القرآن المكية، تؤكد الوحدة الإنسانية، وتحطم الفوارق التمييزية، قبل أن يكون للمسلمين أمة أو دولة، أو حكومة، أو موقعا جغرافيا، وكانت الوحدة الإنسانية، أو وحدة الأصل البشرية، من المقومات الأساسية التي نص عليها الوحي، ولم يدع مجالا لا للمساومة عليها، أو يسمح بتجاوزها، وكان عطاء الوحي موجها إلى العالمين، بل لقد كانت الغاية من الرسالة السماوية وإنتاجها الحضاري، هـو إلحاق الرحمة بالناس كافة، قال تعالى: ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) (الأنبياء: 107) ، وكان الإسلام أول من دعا إلى فكرة المواطن العالمي، في أمة الإسلام، والتمتع بالحقوق، والواجبات كافة، في دولة الإسلام، بمجرد أن يعتنق الإنسان الإسلام، كائنا من كان، وبذلك انتفت عن الإسلام وحضارته إصابات العنصرية، والعرقية، ولوثة وعقدة الشعب المختار التي لم تبرأ منها الحضارات البشرية بشكل أو بآخر.

وبذلك فالإسلام بطبيعته يناقض التعصب، والانغلاق, ويعتبره من الجاهلية وآفاتها، ونخوتها، وتعاظمها بالآباء، وسفهها، لأن أسوار التعصب المحتمل، أو العارض، لا يلبث أن يكسر بمجرد الإيمان، والدخول بالإسلام، بينما نرى الحضارة الغربية، هـي حضارة اللون والعرق والقوم، رغم ادعائها بالإنسانية.. إنها توبخ نفسها بادعاء الإنسانية، والمعيار الحضاري الإنساني، في أكثر من موقع من العالم، ولسنا بحاجة للتذكير، بتاريخها الإستعماري، كما أننا لا نرى أنفسنا بحاجة إلى القراءة في واقعها وممارساتها في فلسطين ، والبوسنة ، والشيشان ، وغيرها من بلاد العالم.

والحضارة، أية حضارة، ترتكز إلى اللون، أو العنصر، أو القوم، أو العرق، أو الطبقة، هـي حضارة عنصرية، أو عدوانية، بطبيعتها وأصل تكوينها، لا تستطيع أن تعيش بدون عدو أو عدوان، فإن لم يوجد لها عدو حقيقي، تصنع لنفسها عدوا، ولو كان وهميا، لمعالجة مشكلاتها الداخلية، وتوجيه أنظار شعوبها إلى الخارج، فهي كالنار التي سوف تأكل بعضها، إن لم تجد ما تأكله.

لذلك رأينا كيف أن عسكر الحضارة الغربية حاولوا استعمار العالم واستنفاد خيراته، وامتصاص خبراته، وكيف أن مصانع، ومعامل، وجسور، وأنفاق بلاد الحضارة الغربية، إنما بنيت بأموال المستعمرات، وسواعد العمال، الذين جلبوا، والأرقاء الذين خطفوا من بلادهم الأصلية.

وأن أموال، وخبرات وطاقات العالم النامي، وعلى الأخص العالم الإسلامي، ما تزال موظفة بشكل أو آخر لصالح حضارة الغرب.

وكيف أن هـذه الحضارات العرقية العنصرية، بمجرد أن يتوقف عدوانها على الخارج تنفجر فيها النزعات العنصرية الداخلية، وتقوم فيها الديكتاتوريات الاستبدادية .

إن فكرة الصراع الحضاري ، أو التحدي الحضاري ، أو ما يسمى صراع البقاء للأقوى ، أو الصراع الطبقي، هـي الأساس الذي تقوم عليه الحضارة الغربية، بمذاهبها المتعددة، وتطبيقاتها المتنوعة.. والصراع يعني - فيما يعني - محاولة إلغاء الآخر بشتى الأساليب والوسائل، لذلك فإن أية حضارة، أو ثقافة، تفتقد النزوع الإنساني، وتقوم على العرق أو الجنس، أو اللون، أو الطبقة، هـي حضارة تمييز وتعال بطبيعتها -كما أسلفنا- الأمر الذي يقودها إلى الاعتقاد بأن البقاء مرهون بإلغاء الآخر، لذلك تصبح الطبيعة العدوانية، من أخص خصائصها، إن لم نقل: إنها في الأصل تقوم على الفكرة العدوانية؛ لأنها تنظر إلى الآخر نظرة دونية، وتحاول أن تصرعه، وتتغلب عليه، وهذا يستدعي استعماره واسترقاقه، واستنفاد طاقاته، ليبقى صريعا.

من هـنا، قلنا: بأنها لا تستطيع أن تعيش بدون عدو، يضمن تماسكها، واستمرارها.. فإن لم يكن لها عدو، فلتصنع عدوا.. وإن لم تستطع صناعة الأعداء، لاستمرار التعبئة والمواجهة، ترد سهامها إلى ذاتها، فتتآكل من داخلها، أو يتحول عدوانها إلى الداخل.

وفي ضوء ذلك، يمكن أن نفسر دوافع الحملات الصليبية على العالم الإسلامي، كما نستطيع أن نفسر دوافع الاستعمار الحديث ، الذي لم يختلف عن الحملات السابقة إلا بوضع الصليب، الشعار المستفز لعالم المسلمين.. ويمكن أن نفسر في ضوئه أيضا، الحروب الكونية العالمية، التي جاءت من أخطر صور العدوان وأعظمها ضحايا.. هـذا على مستوى الموقف العدواني من الآخر، ثقافة وحضارة.

فإذا ما جئنا إلى الموقف العدواني، على مستوى الذات، فنرى أن معظم الأنظمة الفاشية ، والنازية ، والديكتاتورية ، ومؤسسات الاستبداد السياسي ، كانت من إفرازات الحضارة الغربية، ومواليدها الشرعيين، ولا يزال العالم يذكر نماذج المآسي الإنسانية، من أمثال: موسليني ، وهتلر ، وستالين ، وفيردنياند ، وإيزابيلا ، ومحاكم التفتيش ، وفرانكو ، وغيرهم.. كما لا يزال يذكر مذهب ميكافيللي الذي يمثل الأساس الثقافي والفكري لحضارة الصراع الغربية.

ونحب أن نوضح أن إصابات العدوى التي لحقت بمؤسسات الحكم في العالم الإسلامي، من حضارة الغرب العنصرية، والتي جاءت بسبب الانسلاخ عن الإسلام، والعدوان له، وأفرزت نماذج لا علاقة لها بسماحة الإسلام، وعدالته، وإنسانيته، هـي دخيلة على الحضارة الإسلامية، التي تعتبر الاعتراف بالآخر، وحقه في حرية العقيدة والعبادة، والعمل، والاختيار.. دينا من الدين.

وخلاصة القول: إن حضارة الغرب، هـي حضارة القوة والصراع، وتسلط الإنسان على الإنسان، ولو بدت على غير ذلك، بسبب التضليل الإعلامي.. إنها حضارة جباية، وحقد، وعدوان، والتاريخ والحاضر يعتبران شاهد إدانة على ذلك في مواقع متعددة.. بينما نرى الحضارة الإسلامية، حضارة إنسانية.. حضارة رحمة، وحب، وهداية، واحتساب، واعتراف بالآخر، وليست حضارة حقد وصراع.. هـي حضارة الإنسان، التي تدعو إلى الحوار على كلمة سواء، وتعتمد الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وتتنكر للإكراه في الدين، وتبتغي إلحاق الرحمة بالعالمين، لأن الناس كل الناس، هـم محل الخطاب السماوي.. والقوة في الإسلام، إنما تشرع حتى تحمي حرية الاختيار وتحقيق إنسانية الإنسان.

ونعتقد أن الحضارة الغربية، وإن استطاعت بأشيائها، وقوتها، أن تطفو حضاريا، وتكسب بعض الجولات في الصراع الحضاري، إلا أن العبرة دائما بالعواقب، والمآلات، وليس بالنتائج القريبة، فكثيرا ما حمل لنا التاريخ، دلالات حضارية، على أن الأفكار والعقائد، تبقى أقوى من الأشياء والسياسات، وأن قيم المغلوب عسكريا، كانت أقوى من عسكر الغالب، وأن الحضارة الإسلامية، هـضمت الكثير من الموجات، والاجتياحات الاستعمارية العدوانية، وانتهى الغالب إلى اعتناق حضارة المغلوب، وهذا ما لا نراه إلا في تاريخ الحضارة الإسلامية؛ لأنها حضارة الفطرة، حضارة الإنسان.

وقد يكون من أخطر إشكاليات الصراع الحضاري، التي يعاني منها عالم المسلمين اليوم -إضافة إلى وجود العلمانيين، والحداثيين المرتهنين لحضارة الآخر، بسبب تشكيلهم الثقافي، وتاريخهم التعليمي، ونظامهم المعرفي، الذين يشكلون طلائع متقدمة، للحضارة الغربية في الداخل الإسلامي، ويفعلون فعلهم في الإفساد، والتخريب، لصالح الغرب- هـو في أنظمة الاستبداد ، وما يلازمه من القمع السياسي ، والظلم الاجتماعي ، التي وجدت لصالح الغرب، بحيث أصبحت عوامل الطرد للطاقات المتميزة، والخبرات، والسواعد، والأموال، متوفرة في معظم بلاد العالم الإسلامي، إلا من رحم الله، وبذلك يدمر المسلمون طاقاتهم، ويكسرون أسلحتهم، ويكرسون تخلفهم بأنفسهم، أو بمعنى آخر: يخربون بيوتهم بأيديهم، في الوقت الذي نرى فيه، عوامل الجذب، والإغراء بالهجرة، متوفرة في مجتمعات الحضارة الغربية.

ونستطيع أن نقول: إن خيرة الطاقات الإسلامية، اليوم، في العلوم التطبيقية، والإنسانية على سواء، مسخرة لخدمة الحضارة، والتقدم، والتحكم، والسيطرة الغربية.

إن كثيرا من الجامعات، والمعاهد، ومراكز الدراسات، والمخابر، والشركات، والمؤسسات المالية، والاقتصادية الغربية، تتوفر على أفضل الطاقات الإسلامية، وتتقوى بها. ويخشى أن تفتقد هـذه الطاقات والخبرات، انتماءها، شيئا فشيئا، بسبب أجواء الإرهاب السياسي ، والفكري، في معظم بلاد عالم المسلمين.. وكم يبدو الأمر مذهلا، وخطيرا مستقبلا، إذا أدركنا أن الهجرة لم تعد تقتصر على الأدمغة المتميزة، والسواعد القوية، والخبرات المقدورة، وإنما تتجاوز ذلك إلى هـجرة الأجنة في الأرحام.. إنها قمة المأساة من الناحية الحضارية، أن يسعى الكثير من أبناء العالم الإسلامي المنكوب بأهله، أن يستولدوا نساءهم في ديار الحضارة الغربية، لاكتساب الجنسية والمواطنة، هـناك، حيث يجد الإنسان نفسه، ولو وهما، يستمتع ببعض حقوقه، ويشعر بإنسانيته، المفقودة هـنا.

وتزداد محنة المسلم، وفتنته، عندما يرى، أن ما يتمتع به من الحقوق والحريات، وسيادة النظام والقانون، في بلاد الغرب، مفقود تماما في العالم الإسلامي وأن ما يقوله، ويمارسه، من الحرية، في الدعوة إلى الإسلام، في المراكز، والحدائق، والشوارع، ووسائل الإعلام - على الرغم من أن هـذه الحرية، الواقعة تحت السيطرة، بدأت تواجه اليوم بالنزعات العنصرية، التي تعبر عن طبيعة وحقيقة الحضارة الغربية - لا يمكن قوله وممارسته، في كثير من مساجد العالم الإسلامي التي تحكمها أنظمة الاستبداد السياسي ، ويفوته أن هـذا يشكل قمة الصراع، والاستلاب الحضاري ، والغزو الثقافي .

فإذا عجز عن تجاوز الصورة، إلى إدراك الحقيقة، وتجاوز النتيجة إلى فهم المقدمة، وأدرك أن حضارة الغرب، التي تتيح له أقدارا من الحرية، وحقوق الإنسان - لا تخرج عن السيطرة بحال من الأحوال - وأن الغرب الذي يستقبله مهاجرا، أو لاجئا سياسيا، هـو الغرب نفسه، الذي يدعم أنظمة الاستبداد، والقمع السياسي، في كثير من بلدان العالم الإسلامي، ويخوف من عودة الوعي الإسلامي، ويغري باستئصالها، ويمد الأنظمة، بالخبرات، والأدوات، والمعلومات، لتكون في مواجهة الأمة.. إذا عجز عن إدراك هـذه الحقيقة، استلب حضاريا، وأصبح رهينة، واقعا في العمالة الثقافية.

حيث لا بد أن ندرك أن اليد التي تمنح المسلم، الحرية هـناك، هـي اليد نفسها، التي تمنعها هـنا، ليتم الاستقطاب، والتحكم من جانب، ولإعطاء دليل عملي واقعي، على أن حضارة الغرب، بعطائها، تتميز عن حضارة المسلمين، فتهفو النفوس إليها، وتهاجر الأجنة إلى بلادها.

ولقد بلغت المحنة مداها، وأخذت الفتنة أبعادها المرسومة، حتى عند بعض المفكرين والأفراد الممتازين - إن صح التعبير - الذين بدأوا يشيدون بقيم الحضارة الغربية، واحترامها للإنسان.. ولم يقتصر نقدهم، على واقع المسلمين البائس، بسبب انسلاخهم عن الإسلام، لا بسبب انتمائهم له، والتزامهم به، وإنما تجاوزوا إلى نقد التاريخ الإسلامي، ولم يعودوا يروا فيه إلا النقاط السوداء، والممارسات الشاذة، وبدأوا يعيشون عقدة مركب النقص، أمام قيم الحضارة الغربية، وآلياتها، دون أن يبصروا صورتها الحقيقية، أو وجهها الآخر، على يد عملائها وسدنتها في العالم الإسلامي.

وأعتقد أن التحكم والسيطرة على العالم الإسلامي، واستنفاد طاقاته، لم تعد تقتصر على إقامة الحراسات، والمخافر، لمصلحة الحضارة الغربية، ودعم أنظمة القمع والاستبداد السياسي ، والتمكين لها، وامتصاص خبرات، وطاقات، وسواعد المسلمين، وإنما تجاوز ذلك، إلى محاولات التحكم بالمستقبل، حتى لا تقوم للمسلمين قائمة.

إنها مرحلة التحكم بالأرحام، والحد من النمو الديموغرافي للمسلمين، وذلك بإقامة مؤتمرات للسكان، والتمهيد لتشريعات، وتوصيات، الغاية منها الحصار السكاني، بعد أن تحقق الحصار السياسي، والاجتماعي، والاقتصادي، حتى لا تخرج الأصلاب، وتحتضن الأرحام، من يفكر بالخروج عن السيطرة في المستقبل.

ومن ميادين الصراع الحضاري الخطيرة، التي لا بد من التنبه لها أيضا، قضية الابتعاث، وتلقي العلم والثقافة، في معاهد، وجامعات الحضارة الغربية، ذلك أن الإلقاء بالطلبة في محاضن الحضارة الغربية، دون توفير التحصين الثقافي المكين، والوعي الحضاري اليقظ، ودون تزويدهم بدليل التعامل مع قيم الحضارة، وفهمها، وحسن قراءتها، سوف يجعل منهم ضحايا، قد يعودون إلى بلادهم، مشوهين حضاريا، أو قد ينتهون، إلى الاستيطان، يصبحون طاقات ودماء في شرايين الحضارة الغربية، ويستوي في ذلك الذين يذهبون لتلقي العلم التجريبي، والذين يدرسون الإنسانيات، وإن كانت دراسة الإنسانيات أشد خطرا وأعظم أثرا.

أما الكثيرين من الذين يذهبون لأقسام الدراسات الشرقية، وأقسام الشريعة، والدراسات الإسلامية، التي أقامها الغرب لأداء رسالة معينة، دون تحصينهم بمعرفة الوحي، وبناء مرجعيتهم بضوابط الشريعة وعزائم الإيمان، بشكل صحيح، فسوف يكونون الأخطر، في آليات الصراع الحضاري، لأنهم ينقلبون إلى ألغام في جسم الأمة، قابلة للانفجار في كل لحظة، حيث يتحدد دورهم، في نقض الأسس، وهدمها، وتوهين القيم، والتشكيك فيها، لصالح الآخر، ذلك أن العدوان على الإسلام، والتحدي والاستفزاز من الخارج، يجمع الطاقات، ويقضي على الرخاوة، ويقوي العزائم، ويبعث الروح الحضاري.

إنه المحرض الحضاري، الذي يساهم باسترداد الذات، والاحتماء بالقيم، وتجديد الانتماء، وتمتين الالتزام في معركة المواجهة.. وقد تكون المشكلة، كل المشكلة هـنا، هـي في تدمير البيوت، بأيدي أهلها.

والحقيقة الأخرى، التي لا بد أن نعرض لها، في إطار الحوار، أو الصراع الحضاري، هـي قضية اللغة، وما تحمل من دلالات، تعتبر أوعية للتفكير، وليس مجرد وسيلة للتعبير، وما تحمله وتعبر عنه، من حالات نفسية وشعورية، وما تمتلكه من مصطلحات، ومفاهيم هـي خلاصات لعقل الأمة, وتجاربها وخبراتها. وليس من قبيل المجازفة القول: إن اللغة هـي أداة الفعل الحضاري، ووسيلة التكوين، والتشكيل الثقافي .. إنها وعاء الهوية، وأداة التواصل بين الأجيال.. هـي التراث، والحاضر، والمستقبل، لأنها طريقة الفهم للتراث، والتاريخ، والقيم.. لهذا كله، كانت، ولا تزال، مستهدفة من الآخر، في عملية الصراع ، والاستعمار ، والحوار الحضاري ، فالأمة الي تلغي لغتها في المعهد، والجامعة، والمدرسة، والكتاب، والمصدر، والمرجع، هـي أمة متوقفة حضاريا عن الامتداد والإبداع، ومهزومة حضاريا، إن صح التعبير، مهما حاولنا التخفيف من آثار ذلك، والادعاء، بأن اللغة هـي وسيلة تعبير، وتفاهم فقط، لا علاقة لها بالتفكير، أو الفعل الحضاري.

ولا يستع المجال هـنا، أن نعرض لدور القرآن، في حماية اللغة العربية، ولماذا أنزل بالعربية، ودور سلامة اللغة، في إدراك مدلولات النص القرآني، وعمليات المسخ، والتشويه، والتحريف، التي لحقت بالنصوص المقدسة الأخرى، والتمزق، والتبعثر الديني، والعقيدي الذي نتج عن ذلك، بسبب سوء الترجمات التي اتسعت لسوء المقاصد والنوايا.

وسوف تستمر هـزيمتنا، ويتوقف نمونا، ويغيب إبداعنا، وتحاصر رسالتنا، إلى العالم، طالما أننا نفكر بأوعية الآخرين، ونصب أفكارهم في عقولنا، من خلال لغاتهم.

وتبقى قضية على غاية من الأهمية.. فإذا تقرر لدينا، أن الحوار الحضاري، هـو سنة من سنن الله في الكون، له مقوماته، وآلياته، وأدواته، وأهدافه، وغاياته، وأسلحته المتعددة، فإن فهم إدارة الحوار، وكيفيات التعامل معه، لا يقل أهمية عن امتلاك أدواته.. فكثيرا ما تستنزف الطاقات، في معارك دفاعية، غير مجدية، بل خاسرة، لأنها استنفاد للطاقة، واستهلاك لها، على حساب مواقع انتاجية أخرى.. فإذا استغرقتنا المواقف الدفاعية، في معركة الصراع الحضاري ، وأصبح كل فعلنا، الرد على التهم، التي توجه إلينا، دون وعي بآلية الصراع، والتحكم بإدارته، نتحول من أن نكون أحد أطراف الحوار، المستخدمين لأدواته، إلى أداة للحوار، وميدان له، ونخضع لتحكم الآخر، بتفكيرنا، ونشاطنا، بحيث يصبح الزمام بيده، فيكفي أن يلقي إلينا بالتهم، التي يريد، ويحدد الزمان الذي يختار، ومكان المعركة التي تناسبه، ونحن ما علينا إلا رد الفعل، والاستجابة المرسومة مسبقا، وبذلك يتحكم بساحة تفكيرنا، وبنوع نشاطنا، ومجال فعلنا، ويفقدنا زمام المبادرة، وتصير حياتنا، رد فعل عفوي، بعيدا عن الفعل المختار.

إن عمليات الاستهداف، ولائحة الاتهامات للإسلام اليوم، ومحاولات إدانة صحوته، وشل حركة العاملين، ومحاصرتهم، باسم الأصولية، والإرهاب، واعتبار الإسلام هـو العدو الحضاري للغرب، وتوظيف كثير من الأنظمة، والأفراد، والمؤسسات، يتطلب من المسلمين استيعاب الهجمة، بعيدا عن الانفعال، والاستجابة العفوية للاستفزاز، والصبر، والتبصر، بكيفيات إدارة الصراع، لتفويت غرض الآخر، والتحول من أن نكون موطنا لأفكار الحضارة الغربية، وترجمتها إلى حياتنا، ومقاربة قيمنا بها، إلى نقل كنوز، وروائع، وقيم الحضارة الإسلامية، إلى الآخر لإلحاق الرحمة به، واستنقاذه من التشويه العنصري والقومي، وبذلك نسهم فعلا في الحوار الحضاري المثمر، وبناء حضارة إنسانية، يكون فيها الأكرم هـو الأتقى.

إن الحضارة الغربية التي انتصرت بأشيائها وقوتها، وسقطت بقيمها وإنسانها، يرتفع صوتها اليوم، وترفع شعارها يوميا، على عالم المسلمين، وكأني بها تقول للمسلمين المهزومين: (اعل هـبل) ، مستخدمة في ذلك وسائل إعلامها.. ولنا أن نتصور مدى الخطورة المستقبلية، إذا لم نكن في مستوى إسلامنا، وعصرنا، حيث من المتوقع، في هـذا العام، أن يصل عدد قنوات الإرسال التلفزيوني الفضائية، إلى نحو 140 قناة، تعمل 75 قناة منها على مدار الساعة، أكثر من 91% منها تبثها شركات أو شبكات من أوروبا الغربية ، وأمريكا الشمالية ، واليابان ، واستراليا ، والعشر الباقية لا تخرج عن أن تكون رجع الصدى.

ولا شك أن هـذا الإغراق الثقافي والإعلامي، سوف يوقع في الداخل الإسلامي الكثير من الضحايا، ممن ينقلبون على المفاهيم، ويقررون الانسلاخ عن هـذا الدين، في مناخ القهر الحضاري، ومحاولات التطبيع للهزائم.. لكن العالم الإسلامي، المهزوم بأشيائه، سوف يستعلي بقيمه وأفكاره، ويواجه الغزو الذي يرفع شعار: (أعل هـبل) بشعار ( الله أعلى وأجل) ، قولة أهل أحد .. وأن الهزيمة والاستفزاز والقرح، الذي يصيب المسلمين، سوف تؤدي إلى الاستجابة لله وللرسول، ويتحقق الخلود لقوله تعالى: ( ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ) (آل عمران: 139) ، ولقوله تعالى: ( الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم ) (آل عمران: 172) .

وتنبعث الروح الإسلامية من جديد.. فالاستجابة قادمة، على مستوى عالم المسلمين، والبشائر قائمة، إن شاء الله.

والكتاب الذي نقدمه اليوم، يعتبر إسهامة من الإسهامات البارزة في مجال الصراع الحضاري ، سواء فيما يفتح من نوافذ على رؤية الآخر للإسلام والمسلمين، أو بما يكشف من نوايا مبيتة لعالم المسلمين، وصناعة للعداوات، أو بما يقدمه من إلقاء الضوء على بعض جوانب حضارة الإسلام، الأمر الذي يرشحها للصمود في معركة تحقيق الذات وحمايتها، كما صمدت في الماضي، كما يرشحها لأن تكون حضارة الإنسان البديلة، بما تمتلك من القيم السماوية السليمة، التي لا يد فيها للإنسان، ولا مجال معها لتسلطه على الإنسان الآخر، وبهذه المساواة أمام الخالق الواحد التي تعتبر روح الحضارة الإسلامية سوف يتحقق التوحيد وتتوحد العبودية، فإن حضارة الإسلام هـي التي سوف تشكل البديل المأمول، والملاذ الآمن، للبشر جميعا، حيث تتحقق المساواة بين الخلق جميعا، وتسقط الفوارق، التي كانت سببا للشقوة والحياة الضنك.. والحمد لله رب العالمين.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث