الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
التالي صفحة
السابق

تقديم

بقلم: عمر عبيد حسنة

الحمد لله الذي أوقف الأمة المسلمة على خط النهاية من المسيرة البشرية للأمم والحضارات والثقافات، واصطفاها لوراثة الكتاب،

فقال تعالى: ( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ) (فاطر: 32) ،

وخصها بالنص السماوي الذي تعهد بحفظه، وعصمه عن التحريف والتبديل،

بقوله: ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) (الحجر: 9) ،

وتحقق الحفظ من خلال عزمات البشر، ليكون ميزانا للحق، ومعيارا للتقويم، وهداية للطريق، ومنهاجا للسير، وتقوى -أي وقاية- لما يمكن أن يكون من إصابات.

وجعل الإسلام الدين الخاتم مكملا للدين؛ حيث انتهت إليه محصلة تجربة النبوة التاريخية، كما جعل الأمة المسلمة أمة معيارية شاهدة على الناس، بعد أن صوبت معرفة الوحي مسيرتها، ومنحتها القيم والموازين السوية التي تمكنها من الحكم الصحيح، والوزن بالقسطاس المستقيم،

قال تعالى: ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ) (البقرة: 143) ،

فالرسول صلى الله عليه وسلم والوحي، يصوبان مسالك الأمة المسلمة.. والأمة المسلمة بما تمتلك من الوحي تصوب مسالك الناس، وتميز الخطأ من الصواب، والحق من الباطل، والرشاد من الضلال، والمعروف من المنكر، ولا يعتبر ذلك حكرا على ناس بأعيانهم أو زمن دون آخر أو منطقة جغرافية، كما هـو حال الدعوات العرقية ونظريات الشعب المختار، وإنما هـو متاح لكل من آمن بهذه القيم؛ لأنه بإيمانه يصبح جزءا منها كافة؛ لأن الخطاب الإسلامي خطاب إنساني لا يخص قوما أو لونا أو جنسا.

والصلاة والسلام على النبي الخاتم ( ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين ) (الأحزاب: 40) ،

الذي بعث للناس كافة بشيرا ونذيرا، قال تعالى: ( وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ) (سبأ: 28) ،

فكانت رسالته إنسانية الخطاب، مستوعبة للزمن منذ بدء الخلق وإلى أن ينشئ الله النشأة الآخرة، ومكملة لتاريخ النبوة الطويل، وجاء عطاءها وإنتاجها إنسانيا، شاركت فيه كل الأمم والشعوب، وإليها انتهت أصول الرسالات السماوية جميعا.. فالمؤمن بها ليس حدثا زمانيا أو مكانيا عارضا، وإنما إيمانه متجذر في التاريخ مستوعب للحاضر، ممتد إلى المستقبل، حتى يوم الدين.. فهو لبنة في بناء النبوة التاريخية الواحدة، تاريخها تاريخه، وما شرع الله لها من الدين شرعه له، وما لحقها من الإصابات، وتحقق لها من النهوض والإنجازات جزء من تاريخه الممتد الذي يشكل مصدر عبرته واستلهامه واقتدائه.. قال تعالى: ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى ) (الشورى: 13) ،

وقال تعالى: ( إن هـذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون ) (الأنبياء: 92) ،

وقال: ( أولئك الذين هـدى الله فبهداهم اقتده ) (الأنعام: 90) .

فالفرد المسلم ليس خلقا معزولا، ولا يعاني القطيعة والانفصال عن التاريخ الإنساني، بل هـو جزء منه.. وهذا التاريخ يشكل للمسلم منجما للخبرة، وثمرة لتجارب متعددة، وميدانا فسيحا للرؤية والعبرة والهداية والوقاية لحاضره ومستقبله، وبعد:

فهذا كتاب الأمة الستون.. (المنظور الحضاري في التدوين التاريخي عند العرب) للدكتور سالم أحمد محل ، في سلسلة " كتاب الأمة " ، التي يصدرها مركز البحوث والدراسات، بوزارة الأوقاف والشئون الإسلامية في دولة قطر ، مساهمة في عملية استرداد شخصية المسلم الذي يفقه الدين ويفهم العصر، ومعاودة إخراج الأمة المسلمة، وتحقيق مدلول الإيمان والوحدانية بأبعاده المتعددة في النفوس، بعد أن لحق به الكثير من التأويلات والتفسيرات، التي أشاعها مناخ التخلف والاستخذاء الثقافي.

فالإيمان بالله الواحد هـو السبيل الوحيد لتحقيق إنسانية الإنسان، وتخليصه من الرق والشرك الديني والثقافي والسياسي والاجتماعي والتربوي، والقضاء على التخاذل الذي لحق بعالم المسلمين، وأورثه حالات من الخنوع والتواكل والإرجاء، وأخرجه من التاريخ والواقع.

إن حالة الإرجاء والتخاذل والانسحاب من الحياة أدت إلى انطفاء الفاعلية، وانعدام الشعور بالمسئولية، والتفكير في امتلاك القدرة على تأسيس الرؤية الثقافية المبنية على معرفة الوحي المعصوم، والتي تقتضي إحياء دور العقل في النظر، وبيان أهمية الاجتهاد الفقهي والفكري في التطور البشري، وتنزيل القيم الإسلامية على واقع الناس، والنظر لمشكلات الأمة وقضاياها المعاصرة في ضوء هـدايات الوحي.

فالمسلم الحق يقوده إسلامه إلى استيعاب التاريخ البشري، والتعرف إلى وسائل النهوض والسقوط، وإدراك السنن والقوانين الكامنة وراء الفعل التاريخي، التي لم تتحول ولم تتبدل، ودور الإرادة البشرية في صنع التاريخ، وممارسة عملية التغيير، ومدافعة القدر بقدر أحب إلى الله، والاستجابة لأمر الله سبحانه وتعالى الذي ناط عمليات التغيير وصنع التاريخ بإرادة الإنسان وقدرته،

فقال تعالى: ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) (الرعد: 11) .

فالله سبحانه وتعالى هـو الذي أراد للإنسان أن يريد، وأكثر من ذلك إنه ربط حدوث التغيير بإرادة الإنسان، كقانون للفعل التاريخي، ولم يتركه هـملا بدون دليل عملي، وإنما هـداه إلى مفاتيح التغيير وسننه في الأنفس والآفاق، وبسط له مساحات كبيرة من تاريخ البشرية الطويل، وقدم له نماذج متعددة تستوعب مسيرة الحياة بجوانبها وأنشطتها المختلفة، لتكون دليله إلى الفعل الصائب، ومنهجه إلى العبرة والوقاية من كل الإصابات وانتقال علل الأمم السابقة.

ونستطيع أن نقول: إن الكتاب والسنة قدما مساحات تعبيرية هـائلة عن تجارب الأمم السابقة ومسالكها، وعللا أسباب الإصابات التي لحقتها، والقوانين والسنن المجردة عن حدود الزمان والمكان التي حكمت ذلك، وألقيا الأضواء الكاشفة على جميع جوانب الحياة، على مستوى العقيدة والعبادة والمعاملة والمسالك.. ولم يقتصرا على ما كان، وإنما تجاوزا الماضي والحاضر إلى إلقاء الأضواء على المستقبل، وما سوف يكون من الفتن، بما في ذلك علامات ومؤشرات اقتراب الساعة؛ ليستوعب المسلم موقفه تماما، ويأخذ حذره، ويمارس دوره، من خلال هـذه النوافذ على الرؤية الشمولية لما كان وما سوف يكون.

ولعل القضية الأهم هـنا، أن الوحي (الكتاب والسنة الصحيحة) ، هـو مصدر الوعي التاريخي للمسلمين بشكل خاص، فهو الذي أثار الرغبة في الاطلاع والتشوف إلى التعرف على أحوال الأمم السابقة، وسبب انقراضها، وسنن التداول الحضاري، حتى إنه لم يدع الإنسان أمام هـذا الغيب المجهول المحرم على حواسه، بل قدم له مساحات كبير لقصص السابقين، قبل اختراع الكتابة وتدوين التاريخ، غطى فيها جميع جوانب النشاط البشري العبادي والفكري والسياسي والثقافي والاقتصادي والاجتماعي وحتى النفسي، بما يمكن أن نطلق عليه اليوم التاريخ الحضاري، وامتد إلى أنباء الغيب، والغيب هـنا يعني الماضي الغائب عن ساحة المعرفة والشهود.

لقد امتد الوحي في رؤيته التاريخية إلى مرحلة بدء الفعل التاريخي، وحض على النظر في كيفية بدء الخلق،

قال تعالى: ( قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ) (العنكبوت: 20) ،

وغطى الكثير من المساحات المجهولة للإنسان، وعلى الأخص في مرحلة ما قبل الكتابة -كما أسلفنا- وامتد بملامح الرؤية التاريخية لتشمل الماضي والحاضر والمستقبل، إلى درجة يمكن القول معها إن القرآن والبيان النبوي، يعتبران بهذا المعنى الوثائقي (وليس الديني فقط) ، أقدم وثيقة تاريخية وردت بطريق علمي صحيح، بمعايير البشر، عدا عما يؤمن به المؤمن من اليقين الإيماني بتعهد الله بالحفظ.. لذلك نرى أن القرآن والبيان النبوي يشكلان مصدرا تاريخيا للكثير من العقائد والأديان والأقوام والمواقع الجغرافية على خارطة الزمن الطويلة؛ حيث لا توجد وثائق معتمدة تغطي هـذه الفترات التاريخية.

فالقرآن هـو مصدر المعرفة التاريخية، ومصدر الوعي التاريخي في وقت واحد، خاصة وأنه طلب التوغل في التاريخ، ودعا إلى السير في الأرض، ولفت النظر إلى أهمية الاعتبار بأحوال الأمم السابقة، وأتى على نماذج منها، مما دفع الإنسان المسلم للبحث والتنقيب التاريخي لمعرفة هـذه الأحوال، والخروج من عهدة التكليف الشرعي بتحقيق العظة والعبرة والوقاية الحضارية،

قال تعالى: ( قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين ) (آل عمران: 137 -138) ،

وقال: ( لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ) (يوسف: 111) ،

وقال: ( وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هـذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين ) (هود: 120) .

حتى لقد جعلت المعرفة التاريخية ومسالك الأنبياء مع أقوامهم، مصدر تبين واهتداء ومنهج اقتداء للموحى إليه:

( أولئك الذين هـدى الله فبهداهم اقتده ) (الأنعام: 90) .

( فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ) (الأحقاف: 35) ..

ولئن كانت هـذه المحركات للنزوع التاريخي بالنسبة للموحى إليه المستغني عنها بالوحي، فهي بالنسبة للمسلم المسترشد بالوحي -بعد توقفه- أشد لزوما.

ولم يقتصر القرآن على ذكر الحدث التاريخي أو القصة التاريخية وتسجيلها كما وردت، وهذا يمثل نصف الطريق في البحث التاريخي، وإنما تجاوزها إلى التقويم والنقد، أو التفسير التاريخي في ضوء السنن الفاعلة في الحياة والقيم المعيارية الموحى بها، ليمتلك المسلم الأبجدية المطلوبة لقراءة التاريخ وتفسيره، فلا يضل ولا يشقى، فيذهب إلى التاريخ بلا معيار، ويعجز عن العودة للتعامل مع الحاضر.

ويمكن القول: إن عملية النقد والتقويم والمراجعة كانت تسير في القرآن جنبا إلى جنب مع تسجيل الحدث التاريخي، مما يوحي بأن النقد والتقويم التاريخي يعتبر جزءا من صناعة التاريخ أو البناء التاريخي، الأمر الذي يؤكد ما يراه بعضهم من: أن النقد والتقويم يبقى دائما جزءا لا يتجزأ من عملية البناء الفكري والتربوي والأدبي والثقافي، وأن الناقد والمنتج شريكان في العمل.

وإن أسباب النزول للآيات والورود للأحاديث التي تعتبر وسائل معينة لفهم الحدث، وإدراك سببه، والإحاطة به، هـي في الحقيقة بما تقدمه من التعقيب والتعليق، والتحليل والتفنيد، والتوجيه وصياغة العبرة على أرض الحدث، إنما تؤكد أن هـداية الوحي تنبثق عن رؤية وتفحص للتاريخ، فتجئ تلك الهداية في واقعيتها وصدقيتها في علم التاريخ، أشبه ما تكون بالتجربة المعملية في نطاق العلوم التجريبية.

لذلك كان من معطيات منهج القرآن والحديث في هـذا المجال، البحث في سند الحدث التاريخي والتحقيق فيه لمعرفة صدقه، ومن ثم التفسير، والتقويم، والتعليل، والمراجعة لدوافع الحدث ونتائجه وعواقبه، الأمر الذي تبلور من خلاله وانتهى إليه علم التاريخ، الذي تقوم معادلته على أمرين: تحري الدقة للوصول إلى الحقيقة التاريخية، ومن ثم التفسير والتحليل والتعليل للحدث والتقويم له؛ للخلوص إلى العبرة التاريخية، أو إلى ما يسمى: " حكم التاريخ " ،

قال تعالى : ( وجاءك في هـذه الحق ) (هود: 120) -دقة المعلومة-

( وموعظة وذكرى للمؤمنين ) (هود: 120) -تحقيق العبرة- ..

وبهذا لا يكون التاريخ مجرد استعادة للماضي وإعادة تسجيل له على أوراق جديدة، وإنما تجريد الحدث التاريخي من قيود الزمان والمكان، ونقله وتعديته، ليتمكن الإنسان من الإفادة منه في التعامل مع الحاضر، ورؤية المستقبل من خلاله، وبمعنى آخر هـو بعث للماضي، وإحياء له في وجدان الحاضر.

ومن هـنا رأى ابن خلدون ، أن التاريخ في ظاهره لا يزيد عن أخبار الأيام والدول والسوابق من القرون الأولى.. ولكنه في باطنه : " نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق، وجدير بأن يعد في علومها خليق " .

ولذلك، لا بد أن نشير هـنا إلى أن ابن خلدون، الذي يعتبرونه مؤسس علم الاجتماع والعمران، وأول من تكلم في تفسير وفلسفة التاريخ، هـو في الحقيقة لم يخرج عن المنهج القرآني الذي سبقه بسبعة قرون أو يزيد، وإنما انطلق من مرجعية القرآن والسنة ومنهج علماء التفسير والحديث، وعلم أسباب النزول والورود، ومناهج الجرح والتعديل في نظرته التاريخية، وكيفية فحص الحدث والتعامل معه، والسعي للوصول إلى الأسباب الكامنة وراءه، والقوانين التي تحكم الحركة التاريخية.. ذلك أن التاريخ إذا انقلب ليصبح مجرد حروب ومعاهدات، وسير أشخاص، ومواريث حكم بعيدا عن التاريخ الثقافي والحضاري واستكناه حقائقه وموجهاته قد لا يستحق المعرفة والجهد؛ لأن ذلك لا يضيف شيئا يذكر، وقد يكون مضيعة للأجر والعمر معا.

ذلك أن الوعي بالتاريخ ليس حفظا للذاكرة وتسجيلا للحدث، وإنما إعمالا للتفكير، واستنتاجا للعبرة والعظة، وامتلاك المؤهل لاستيعاب الحاضر وتفسيره، والتنبؤ بتداعياته ومآلاته وعواقبه.

وهذا يمنحنا القناعة باستمرار، وكلما تلونا القصص القرآني أو قلبنا أوراق التاريخ؛ أن أية عملية للإصلاح والتغيير واستشراف المستقبل، لا بد أن تبدأ باستشراف التاريخ، وأن الوعي التاريخي هـو من أهم الموارد الثقافية والمعرفية لثقافة الحاضر، ورؤية المستقبل، وأن القطيعة التاريخية تجعل التعامل مع الحياة نوعا من الخبط الأعشى.

إضافة إلى بعد آخر، ليس بعيدا عما ذكرنا وهو: " أن الفضل الرئيس للتاريخ هـو أن يكون أداة للثقافة العقلية، فممارسة المنهج التاريخي في البحث يفيد العقل صحة، ويشفيه من داء السذاجة في الاعتقاد " (انظر: ما هـو التاريخ؟ ترجمة أحمد حمدي محمود ) .

ذلك أن من أبرز ميزات الثقافة التاريخية: أنها توسع اختبار الإنسان وتعمقه، وإن كانت فائدتها ليست عملية مباشرة؛ لأن التاريخ لا يعيد نفسه من كل وجه.

والثقافة التاريخية سبيل لإدراك الذات، أفرادا وأمة وإنسانية، وهذه الثقافة تبعث في النفس اعتزازا بالأجيال الماضية، من شأنها بناء الفرد والأمة، وتوطيد كيانهما على أن تكون معرفة الذات المؤدية إلى احترام الذات وتقدير الماضي هـي أيضا نقد للذات وللماضي.

إن الثقافة التاريخية تنمي الحكمة التي يولدها عمق الاختبار وسعته، والتي تلح على الإنسان في التساؤل حتى يصل إلى الأعماق والجذور.. " إن الإنسان الحي الفاعل صانع التاريخ، ليس مستقبليا مطلقا سائحا في الرؤى والأحلام.. ولا حاضريا مطلقا غارقا فيما حوله من مشكلات.. ولا تاريخيا مطلقا يحن إلى الماضي ويبغي أن يرجعه كما كان.. وإنما هـو يعيش في توتر دائم بين الحاضر والماضي والمستقبل، تتفاعل قواها وعناصرها في ذاته بإدراك متزن صحيح، وشعور دقيق نافذ، فيكون من أثر هـذا التفاعل العملي، تاريخي مبدع " (انظر: نحن والتاريخ، زريق ) .

لذلك اعتبر بعضهم التاريخ هـو المفتاح الكبير لمغاليق المشكلات المعقدة، والمدخل المأمون للقوانين والسنن التي تعين على حل تلك المشكلات ( محمد مصطفى زيادة ، مقال في التاريخ في الشرق الأوسط) .

وحسبنا أن نشير إلى أن التاريخ، كما هـو معلوم، هـو الرحم الذي تخرجت منه العلوم الاجتماعية جميعا، واستقرئت قوانينها وفلسفتها ونظرتها الكلية التي تنتظم جميع الجزئيات، أو أنه كان السبيل إلى اكتشاف قانون الحركة الاجتماعية، لأنه المختبر الحقيقي للمبادئ والقيم والفلسفات، إلى درجة يمكن أن تقاس به وفيه مدى فاعليتها.

والتاريخ ليس حركة عبثية قائمة على المصادفة والعشوائية، وإنما ينتظمه قانون، وتحكم حركته سنن، وهو من أعمال وصناعة البشر، أصحاب القدرات والإرادات والمسئوليات، ولو لم يكن للتاريخ هـذا البعد والقانون الكلي لما استحق أن يكون علما، ولما استحق أن يكون مصدرا للعبرة والتجربة للإنسان في كل زمان، ولما أمكن الإفادة منه لغير زمانه، ولما جاز أن يترتب على الفعل التاريخي أية مسئولية، ولما استطاع أن يضيف عمرا يضاعف أعمارنا، وعبرا تغذي عقولنا.. أو بكلمة مختصرة: لم يكن لذكر القصص القرآني أي معنى في صناعة الحاضر ورؤية المستقبل!

ذلك أنه من المعروف أن قوانين العلوم التجريبية، يمكن الوصول إليها واكتشافها من خلال الملاحظة والاختبار في التجارب المعملية، وضمن إطار زمني قصير نسبيا؛ لأن عناصرها مركبة من مواد صماء لا اختيار لها، ولا إرادة لحركتها، لذلك فمن السهولة بمكان إدراكها والوصول إلى نتائجها وقوانينها، بحيث كلما توفرت عناصرها تحققت نتائجها.. أما العلوم الاجتماعية والإنسانية فلا يمكن أن تخضع للقوانين نفسها، لا من حيث الزمن ولا من حيث المواصفات والخصائص، ولا من حيث النتائج؛ لأن موضوعها ومادتها وأداتها الإنسان نفسه، الذي يملك الحرية والإرادة والقدرة على الكمون والتشكل، لذلك تبقى عصية عن الضبط والتحكم؛ لأنها لا تخضع للنتائج القريبة، وإنما تخضع للعواقب والتداعيات المركبة والمعقدة بعيدة المدى، ولأن الإنسان بكل مكوناته هـو موضوع العلم وهو وسيلته وأداة البحث فيه -كما أسلفنا- لذلك فإن اكتشاف سنن وقوانين الاجتماع والسقوط والنهوض والدورات الحضارية، يبقى عصيا عن الإدراك، من خلال جيل أو حاضر أو حدث، لأنه لا يمكن اختزال حياة الإنسان الخاضعة لأكثر من عامل في وقت واحد أو حدث واحد، فقد تستوعب مقدماته جيلا أو جيلين، إلى درجة قد يظن الإنسان معها أن الأمر لا ضابط له حتى تظهر نتائجه أو عواقبه في الجيل الثالث أو الرابع.

لذلك يبقى التاريخ الطويل هـو محل الرؤية والاستقراء والاستنتاج لمثل هـذه القوانين، التي تحكم الحركة البشرية عموما، فكم من الأجيال سقطت فريسة للظلم والاستبداد السياسي وفتن الناس بها، وامتد زمانها، ريثما تحضرت القابليات للتغيير، والدلالة على أن الظلم مهما امتد فسوف يؤذن بخراب البلدان والعمران،

وقد حكى الله قصة ذلك في قوله: ( حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين ) (يوسف: 110) .

ولعلنا نقول: إن فهم أية أمة، وكيفية التعامل معها، والنهوض بها، وتغيير واقعها، هـو إلى حد بعيد رهين باستيعاب تاريخها الطويل، وطبيعة استجابتها للظروف المختلفة، الأمر الذي يمكن من اكتشاف عوامل وأدلة التحريك فيها، لذلك رأينا الاستعمار ركز أول ما ركز على دراسة التاريخ والعلوم الاجتماعية، ليكون ذلك مدخله الصحيح إلى التحكم والاستعمار، فالثقافة التاريخية والاجتماعية بشكل عام هـي مفاتيح الشعوب، ودليل التعامل معها.

وقد نخلص إلى القول: إن سياسة الأمم، وأدلة التعامل معها، ورؤية مستقبلها، والتفكير بمشاريع الإصلاح والتغيير لواقعها، يكمن في ثلاثة معطيات تقريبا هـي:

- الإحاطة بعقيدتها وقيمها (نظرتها للحياة) .

- دراسة تاريخها، وتحديد نصيب هـذا التاريخ من الاستجابة لعقيدتها، وقدرة الأمة على ترجمة القيم والمبادئ إلى برامج وأفعال بشرية، أي تنزيل القيم والعقيدة على الواقع، وتتبع الخط البياني لأقدار التدين هـبوطا ونهوضا، ودراسة سبب ذلك، لأن التدين يزيد وينقص بحسب المؤثرات الخارجية، والتربية الذاتية، والاندفاعات التاريخية للنهوض.

- دراسة الحاضر بكل مكوناته وظروفه وأسبابه، ومن ثم التحديد الدقيق لموقع هـذا الحاضر من متطلبات العقيدة ومن المسيرة التاريخية الطويلة، سواء كان ذلك على مستوى التاريخ الخاص للأمة الذي لن يكون بحال من الأحوال منفصلا عن التاريخ العام، أو التاريخ العام للإنسانية من خلال القوانين والسنن التي تحكمه، والتي لا تحابي أحدا، مع أهمية الاحتفاظ بالخصوصية الثقافية التي تميز التاريخ الخاص عن العام، حتى لا يكون الخلط.

لذلك نقول: إذا تم إدراك هـذه الأبعاد الثلاثة، أمكن بعد ذلك الدخول من الباب الصحيح لسياسة الأمة، وإحداث التغيير، واكتشاف سنن السقوط والنهوض، والوسائل التي تشكل مفاتيح العمل والتعامل مع هـذه الأمة، وإن أي تجاهل لمعادلة الأمة الاجتماعية، والقفز من فوق تاريخها، في الريادة والقيادة والإصلاح والتغيير أو التحديث والنهوض، سوف يبوء أصحابه بالفشل كسائر المحاولات للمشروعات المستوردة التي شهدتها بلدان العالم الإسلامي، فأهدرت طاقاته، وعبثت واستغلت إمكاناته، وانتهت به إلى التخلف والفشل، لأن مدعي التحديث والنهوض قاسوا واقعه على تاريخ غيره بعيدا عن معطيات عقيدته وتاريخه وخصوصيته الثقافية.. والغريب أنهم لايزالون مصرين على وضع المفاتيح في الجدران الصماء، بدل وضعها في الأبواب، إنهم يمارسون على الأمة غربة الزمان وغربة المكان، وغربة المبادئ والعقائد والقيم والأديان، لذلك يضطرون لحراسة طروحاتهم ومشاريعهم الثقافية والاجتماعية المفروضة بالحراب والاستبداد السياسي .

إن عملية استقراء تاريخ الأمم والشعوب اليوم، أصبح ميسورا إلى درجة تمكن من رؤية العالم بأكثر من حاسة.

وللحق نقول: إن المعاناة التي كان يعيشها الباحث في القديم حتى يحصل على الأحداث المتفرقة والمعلومة التاريخية هـنا وهناك، ويحاول أن يجمعها وينظر فيها ويكتشف النظرة الكلية التي تحكمها، اختزلت اليوم بثورة المعلومات والإعلام، لدرجة أصبح معها تاريخ العالم حلقات متصلة يؤثر بعضها ببعض إلى حد كبير.

وقد لا يكون مستغربا، بعد أن أشرنا إلى ملامح عامة لأهمية التاريخ وبعده الثقافي والحضاري ودور الإنسان في صناعته، أن يجعل القرآن -وهو وحي معصوم من خالق الإنسان صاحب الفعل- التاريخ مصدرا للمعرفة، التي تستوعب المعلومة، وتوسع الخبرة، وتصنع الحكمة، وتحقق الموعظة، وتكون العبرة، وتغني بالتجربة، وتؤكد اطراد السنن وفاعليتها، ويستنكر على من يقعدون عن السير في الأرض، والتوغل في التاريخ والاطلاع على الأحوال، ويتعرفون على أسباب التداول الحضاري، بقوله تعالى : ( أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ) (الروم : 9) .

ولم يرض القرآن للإنسان أن يكون مصورا للواقع، ومسجلا لأحداث التاريخ من الخارج، بل لفت نظره إلى أهمية النقد والتقويم التاريخي، كما لم يدعه يتيه في عملية النقد ويضل المنهج أو علم الطريق، وإنما منحه من معرفة الوحي المعيار الذي بموجبه يقوم، والسراج الذي يستنير بضوئه، وقدم له نماذج عملية تدريبية من القصص القرآني في التعليل وبيان الأسباب، وما صارت إليه من النتائج أو من العواقب، ليكتسب المنهج في البحث، ويأخذ حذره.. فالإنسان الحر المختار هـو الذي يصنع التاريخ، ويدرك الخطأ ويقومه، ويمكن أن يتشكل بالثقافة التاريخية التي تعتبر من أهم موارد التشكيل الثقافي، لكنه لا يقع أسيرا لها، لما يملكه من معيار الخطأ والصواب، الذي تمنحه معرفة الوحي، والقصص القرآني بشكل خاص.

وقضية أخرى قد تكون جديرة بلفت النظر إليها في إطار المعطيات القرآنية للوعي التاريخي، واعتبار التاريخ مصدرا للمعرفة، والتأكد من صدقية السنن والقوانين التي تحكم الحركة التاريخية، في مقدماتها ونتائجها وعواقبها، وهي أنه من المعروف أن للإسلام رؤيته وفلسفته للكون والإنسان والحياة، أو هـو دين انتظم قيم الحياة بكل أبعادها الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية ... إلخ، لذلك نرى أن القصص القرآني والنماذج المطروحة من خلالها، أو مفهوم التاريخ بالمعنى القرآني، غطى المساحات والأنشطة الحياتية جميعها، وقدم نماذج في مجال الاستبداد السياسي ، والظلم الاجتماعي ، والانحراف السلوكي ، والصراع الطبقي ، والانحراف الفكري والثقافي ، والتقليد الاجتماعي ، والفساد الاقتصادي ، والترف الحياتي ، وقدم لذلك نماذج، وحكى قصتها، والعواقب التي انتهت إليها.. قدم نماذج لمسالك أفراد وأمم، وأقوام وأسر، وحكام ومحكومين، وحوارات متعددة بين الملك والجمهور، وبين الضعفاء والذين استكبروا، بحيث تمحورت حركة التاريخ على قضية الإيمان والكفر، ولو تعددت صورها واختلفت أشكالها.

وبذلك نقول: إن القرآن الكريم في مجال الإفادة من البعد التاريخي، قدم للمسلم خبرات وتجارب وعبر وثقافة تاريخية، في مجالات الحياة جميعها، بالقدر الذي يشكل له زادا كافيا، ودليلا هـاديا، يمكنه من استيعاب الحاضر ورؤية المستقبل، في المجالات جميعا.

من هـنا نقول: إن الفهم الإسلامي للتاريخ لا يقتصر على مجرد ذكر الأحداث السياسية، أو الاكتفاء بتسجيل تاريخ الحكام، أو تتبع تفاصيل المعارك العسكرية، أو الصراع على السلطة، وإنما يتجاوز ذلك إلى تغطية كل المساحات الحياتية بأنشطتها المختلفة، السياسية والثقافية والعلمية والاقتصادية والاجتماعية، أو بتعبير أشمل المجالات الحضارية؛ لأن التاريخ الحقيقي للأمم هـو التاريخ الثقافي.. فالثقافة دائما تمثل الحقيقة، والسياسة تمثل الصورة.. وكثيرا ما وقع الانفصال في تاريخ الأمة بين التاريخ الثقافي والتاريخ السياسي ، أو بتعبير أدق انفصل السلطان عن القرآن، فغاب واندثر تاريخ السلطان، واستمر عطاء تاريخ القرآن وحملته العلماء الأعلام.

ولعل مما يميز النظرة الإسلامية للتاريخ، أو للثقافة التاريخية المطلوبة لتربية الأجيال -حتى تحقق العملية التربوية والتعليمية بعدها المطلوب- أن المعيار الإسلامي في النقد والتقويم التاريخي أو في الصناعة التاريخية، توجه إلى تقدير الأعمال والإنتاج، ولم يركز على تقدير وتعظيم الأشخاص، وإعادة بناء الصنمية بشكل أو بآخر.. إنه يمجد البطولة كصفة لا بد من التطلع والنزوع إليها من الناس جميعا، ولا يقدس البطل ويحصر البطولة في إطاره، ويجعلها حكرا عليه، لتصبح مطلبا شعبيا.. لذلك نرى في التاريخ الإسلامي، إذا ذكر أبو بكر رضي الله عنه ، ذكر الصدق والشجاعة في الحق.. وإذا ذكر عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، ذكر العدل، والتواضع، والتزام الحق.. وإذا ذكر عثمان رضي الله عنه ، ذكر الحياء.. وإذا ذكر علي رضي الله عنه ، ذكر العلم والحكمة.. وإذا ذكر خالد رضي الله عنه ، ذكرت الشجاعة والإقدام في سبيل الله ... إلخ.

كما أن القرآن الكريم حاول إنقاذ المسلم من الوقوع في الأسر الثقافي للتاريخ، وخلصه مما يمكن أن يسمى " الآبائية " أو " المواريث الضالة " ، ومنحه المعيار الدقيق للقبول والرد، وأن وجود الفعل التاريخي ووقوعه لا يعني بالضرورة صوابه وصدقه، فلا بد من الاختبار للميراث التاريخي، وتحكيم القيم المعصومة في النظر إليه.

لذلك نعى الله سبحانه وتعالى على الذين يعطلون معايير النظر والتقويم، ويقعون أسرى للميراث الثقافي، ويقبلونه بدون نظر،

بقوله: ( وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون ) (المائدة: 104) .

وهكذا يتحول التاريخ والوعي التاريخي، أو إن شئت فقل: الثقافة التاريخية الخاضعة للنقد والتقويم، إلى مورد من أهم موارد التشكيل الثقافي والتربوي للأجيال.

وهنا قضية قد يكون من الأهمية بمكان معاودة التأكيد عليها، وهي أن التاريخ الإسلامي ليس هـو الإسلام، ذلك أن الإسلام هـو ما ورد في الكتاب والسنة والسيرة العملية، وإنما هـو فعل بشري يجري عليه الخطأ والصواب، وتتعرض الأمة في مسيرتها التاريخية لحالات من السقوط والنهوض، والنصر والهزيمة، والصواب والخطأ، أو هـو اجتهاد بشري في تنزيل القيم الإسلامية من الكتاب والسنة على واقع الناس، وهذا الاجتهاد أو التنزيل قد يصيب وقد يخطئ، وصوابه لعصر معين لا يعني بالضرورة صوابه لكل العصور، على تبدلها وتغيرها، ولا عصمة لفعل البشر الذي يشكل التاريخ.

لذلك يمكن القول: بأن التاريخ الإسلامي ليس مصدرا للتشريع، وإن كان مصدرا للعبرة والعظة والمعرفة، واكتشاف السنن، والتعرف على قوانين الحركة التاريخية؛ للإفادة من التجارب، وتحقيق الوقاية الحضارية ،

وقد حدد القرآن ذلك بقوله: ( فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين ) (آل عمران: 137 -138) .

إنه الاهتداء إلى قوانين الاجتماع البشري، وأخذ العبرة مما أصاب الأمم السابقة بما فيهم الأمة المسلمة، من خطأ وصواب، وسقوط ونهوض، وزيادة ونقصان في أقدار التدين، حتى لا تنتقل علل التدين والإصابات الحضارية إلينا، بما يمكن أن نسميه: تحقيق الوقاية الحضارية من السقوط، أو التقوى بالمصطلح القرآني.. وما يلحق الأمة من إصابات لا يتعارض مع الاعتزاز بالتاريخ، والتأكيد على أهمية الثقافة التاريخية في مجال التربية والتشكيل الثقافي، لأن اكتشاف الخطأ لا يقل أهمية في العملية التربوية عن إدراك الصواب، إلى درجة يمكن القول معها: إن التاريخ هـو أبو العلوم الاجتماعية والإنسانية والتربوية -كما أسلفنا- لكن الانحياز الأعمى للتاريخ بكل ما فيه يعطل الإفادة منه، ويحجزه عن عطاء الأجيال، وتربية ملكة النقد والتفكير عندها، وبذلك يتحول التاريخ إلى نموذج لتكريس التلقين، والإبقاء على حالة الركود والاستنقاع الحضاري، والاستمرار في تحكم عقدة الافتخار في الماضي لتعويض السقوط والتخلف في الحاضر.

ومن هـنا نقول: إن التاريخ الإسلامي بهذا الاعتبار الذي أشرنا إليه، غير السيرة النبوية ، وإن كانت جزءا منه أو حلقة فيه من الناحية الزمانية، إلا أن السيرة تتميز عنه بأنها معصومة بتأييد الوحي وتسديده، وهي خالدة في عطائها، مجردة عن حدود الزمان والمكان، وهي أنموذج للاقتداء والتلقي، وبذلك فهي مصدر للتشريع أو للفقه العملي التطبيقي، وبهذا تفترق عن التاريخ من بعض الوجوه، ولا أبين في ذلك من قولة الإمام مالك رحمه الله: كل إنسان يؤخذ من كلامه ويرد، ويؤخذ من فعله واجتهاده ويرد، إلا صاحب هـذا القبر عليه الصلاة والسلام .

ولعل من الخطورة بمكان أن تجعل السيرة من التاريخ الماضي، وأن يجعل التاريخ في منزلة السيرة، ومع شديد الأسف نجد أن الدراسات التاريخية، حتى في المناهج المدرسية والكتب التربوية، في الأدب واللغة والسياسة، تقوم في معظمها على هـذا الاعتبار، فتاريخ صدر الإسلام يعني السيرة والخلافة الراشدة، وبعده التاريخ الأموي أو العصر الأموي، وبعده العصر العباسي وهكذا، دون التمييز بين التاريخ والسيرة، وما تمتاز به هـذه الفترة من الخلود والأنموذجية، والفقه الميداني لتنزيل القيم الإسلامية على واقع الناس.

ولعلنا نقول : إن وجود أخطاء واجتهادات متنوعة ومتعددة حتى في مرحلة القدوة، هـو من لوازم الطبيعة البشرية، وحتى تتحقق عملية الاقتداء والتعامل مع كل الحالات المتوقعة على الزمن؛ لأن مجتمع الصحابة الأنموذج والمثال مجتمع بشري، وليس مجتمع ملائكة، ولو كانوا ملائكة مسيرين بلا أخطاء، ما كانوا مؤهلين لإثارة الاقتداء.

لكن الفرق واضح بين فترة السيرة وما تلاها من تاريخ؛ لأن الخطأ الواقع ناله التصويب من الوحي، فما وقع في هـذه الفترة إما صواب أقره الوحي بسكوته عنه، وإما خطأ صوبه لذلك فكل ما وردنا عن هـذه الفترة هـو صواب إذا توفرت له شروط النقل، وإلا كيف يمكن أن يكون قدوة للناس إذا لم يكن صوابا؟

وهنا قضية تجدر الإشارة إليها: وهي أنه على الرغم مما يقال عن المسلمين بأنهم ماضويون أو تاريخيون، وعلى الرغم من أهمية علم التاريخ في تحقيق الوعي بحركة الأمة ومكوناتها، ودور التاريخ في فهم الحاضر والتحضير للمستقبل، والتبصر بوسائل النهوض والتغيير لواقعها، فإن علم التاريخ بأبعاده المطلوبة لم يأخذ المدى المطلوب من تخصصاتنا ودراساتنا المنهجية.. والذين يدعون منا إدراك فلسفة التاريخ، هـم نقلة يملئون أوعيتهم الذهنية من إنتاج الآخرين، أما باقي المسلمين فهم يقتصرون على قراءة التاريخ الذي يكتب لهم، ويعجزون عن صناعته.. إنهم يقرأون تاريخهم بأبجديات وتقسيمات غيرهم.

وقد تكون المشكلة أن التاريخ في هـذه الحالة، بدل أن يكون عامل نهوض وتغيير، يصبح سبيل ركود وتمزيق لنسيج الأمة الثقافي والاجتماعي.

لأن المشكلة تبقى دائما، وخاصة في دراسة التاريخ بين الذات والموضوع بين الدراسة المنهجية والعصبية المذهبية، أو التركيز على جانب واحد في صناعة التاريخ وقراءته.. فالتاريخ دائما لا يكتب من الخارج، ولا يقرأ من الخارج.

لقد أصبح التوجه صوب التاريخ والتعامل معه كمعطى ثقافي، أو كمورد من أهم موارد التشكيل الثقافي ، من الأهمية بمكان، لأنه يعتبر إلى حد بعيد من ضرورات الخصوصية الثقافية، وعلى الأخص في عصر العولمة ، ومحاولات طمس الهوية وتذويب الخصوصيات، وفرض ثقافة وتاريخ الغالب باسم التطبيع أو نهاية التاريخ والنزوع إلى العالمية والإنسانية.

فالتاريخ هـو ذاكرة الأمة ومخزون تراثها الثقافي، ومناخ عمليات التفكير وتحديد الوجهة، وحامل قسمات شخصيتها الحضارية، وهو من أهم عوامل الارتكاز الثقافي .. وهو مفتاح لكل نهوض أو إصلاح أو تغيير، في صفحاته تقرأ الأمم والشعوب، ويكتشف دليل التعامل معها.. ومن خلال استقرائه تعرف السنن الفاعلة في الحياة، والقوانين التي تحكم الفعل التاريخي، وتحقق العبرة التي تختزل لنا التجربة، وتطوي مسافة الزمان والمكان، وتمد أعمارنا إلى الماضي البعيد، وتوجه أبصارنا إلى أفق المستقبل وعالم الغد المديد، وتمنحنا الحكمة، وتزكي عقولنا، وتنمي معارفنا، وتمنحنا القدرة على الموازنة والمقارنة والفهم والتحليل والتعليل، وتحرضنا على التفكير في أسباب السقوط والنهوض، لذلك اعتبر القرآن التاريخ -كما أسلفنا- مصدرا للمعرفة ، ودعا إلى السير في الأرض لاستيعابه، واستنكر الركود والاستنقاع وعدم الاكتشاف الحضاري،

فقال: ( أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ) (الروم: 9) .

وحسبنا أن نقول: بأن الكثير من الموحى به، من أنباء الغيب كان تاريخا، ومع ذلك فالمسلم اليوم يكاد يعيش خارج التاريخ وخارج الحاضر، الأمر الذي سوف يؤدي إلى إخراجه من المستقبل أيضا، لأن تاريخا ينتقى منه ويقرأ ويفسر لنا بأبجديات تصب في تحقيق أهداف أصحابها، يعني أن حاضرنا يصنع من غيرنا، ومستقبلنا -إذا كانت هـذه هـي مقدماته- فالله أعلم به.. لذلك فالمؤسسات التربوية والثقافية والإعلامية مدعوة جميعا إلى إدراك أهمية التاريخ، وموقعه من تشكيل الأمة الثقافي، والتفكير بكيفية تصويب الحال، وكيفية إحياء هـذا الفرض الكفائي أو هـذا الفرض الحضاري، بعيدا عن الضجيج والصخب، والخطب والحماس، وضرب الطبول، وارتفاع الأصوات، وسماكة الحناجر، والإثارة التي لا تؤدي إلا إلى الإحباط والحسرة.

وبعد :

فهذا الكتاب الذي نقدمه، يعتبر محاولة على قدر من الأهمية في تبيان دور القرآن في تحقيق النقلة الحضارية والثقافية، وإثارة وعي المسلمين بالبعد التاريخي ودوره في التشكيل الثقافي ، وتحقيق العبرة، وإخراج العرب من النظرة الدهرية، وتنمية حسهم بالزمن كوعاء للفعل الحضاري، وما قدمه القرآن من منهج في تفسير التاريخ أو فلسفة التاريخ، وأثر منهج القرآن والحديث في التدوين والتحقيق التاريخي، ومحاولة تقديم مسح لملامح المكتبة التاريخية الإسلامية بتنوعاتها وخصائصها المتعددة، والجهود العلمية المتميزة وخصائصها في هـذا المجال.

ذلك أن التاريخ هـو وعاء الفعل الحضاري، وميدان تنزيل القيم على الواقع، وذاكرة الأمة ومحل تجربتها وعبرتها، وهو مخزون غني يورثه الآباء للأبناء والأحفاد، ونهر متدفق يتجه من الماضي، ويمر بالحاضر، ويصب بالمستقبل، لذلك لا غنى عنه لكل العاملين في مجال الثقافة والتربية والتعليم والإعلام، ولكل رواد الإصلاح لعالم الغد.

والله المستعان.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث