الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

^0^

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
التالي صفحة
السابق

تقديم

عمر عبيد حسنة

الحمد لله الذي فطر النفس الإنسانية على حب الخير، وجعلها مؤهلة لاكتساب الخير، والنـزوع إليه وفعله، والشعور بالسعادة والبشر بتحقيقه وتحصيله؛ وسوى النفس البشرية تسوية مميزة عن سائر الخلق، وركز فيها طاقات وإمكانات من الصعب جدا إدراكها والإحاطة بها، وجعل مفتاح هـذه الإمكانات والطاقات المركوزة في النفس البشرية بيد الإنسان نفسه، وجاءت هـداية الوحي، أو معرفة الوحي، لترشده إلى المناهج والوسائل القادرة على تفجير ينابيع الخير في نفسه، وجعل الحيدة عنها مدعاة للوقوع في الشقاء والفجور والفساد والبوار،

فقال تعالى: ( ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها ) (الشمس:7-10) .

لذلك قد نبصر من بعض أبعاد هـذه الآيات أن الله خلق النفس ابتداء (سوية) ، وجاءت تسويتها بهذه الكينونة وولادتها كصفحة بيضاء نقية، [ ص: 5 ] وأن أمر تزكيتها وتربيتها وتنميتها على فعل الخير وممارسته بيد الإنسان، فهي خامة بكر مهيأة للتصنيع والتشكيل؛ كما أن تدسيتها وإفسادها بالمعاصي منوط بالإنسان أيضا..

( وهديناه النجدين ) (البلد:10) .

ولعل المسئولية تعظم وتشتد أيضا إذا أدركنا أن التربية على الخير والسير في طريقه امتداد لأصل الخلق ونقاء النفس، وأن الفساد والإفساد والتدسية والإصابة أمر طارئ عليها، وأن رصيد الفطرة من الخلق على الخير يشكل إمكانية قادرة باستمرار على التوبة والإنابة والتجاوز والنـزوع إلى الأصل السوي، أو أصل التسوية، وفي هـذا ما فيه من آفاق وآمداء وفضاءات لإمكانات تربوية مفتوحة للولوج منها لتصويب المسيرة وتزكية النفس وتنميتها والارتقاء بها.

وفي الحديث القدسي: ( ... إني خلقت عبادي حنفاء كلهم وإنهم أتتهـم الشياطين فاجتالتهم عن دينهـم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا... ) (أخرجه مسلم ) .. والطفل (كخلق سوي) في سنيه الأولى يشكل المسافة الأقرب لأصل الخلق، والإمكانية الأكبر للتزكية والوقاية من التدسية، والمحل الأكثر قابلية للفعل التربوي، والوقاية تزكية أيضا.

والصلاة والسلام على النبي الكريم محل الأسوة والقدوة، الذي أدبه ربه فأحسن تأديبه، الذي بين أن مسئولية التربية والتزكية للإنسان المولود [ ص: 6 ] على الفطرة منوطة بالإنسان، ( فقال صلى الله عليه وسلم : « ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ) (أخرجه البخاري ) ؛ وكانت سيرته صلى الله عليه وسلم أنموذجا للاقتداء في مراحل حياته كلها، حيث تجسدت قيم الوحي ومعانيه في سلوكه، فكان خلقه القرآن، كما وصفته السيدة عائشة ، رضي الله عنها .. وهل الأدب والتأديب والتربية والثقافة والتثقيف في نهاية المطاف والمقصد النهائي إلا تحويل القيم إلى سلوك ومهارات مكتسبة تتطلبها الحياة، التي خلق الإنسان لإعمارها وفق قيم السماء، وتجسيد الفكر في الفعل؟

وبعد:

فهذا «كتاب الأمة» التاسع بعد المائة: «في أدب الأطفال: رؤية الحاضر.. بصيرة المستقبل» للأستاذ محمد بسام ملص، في سلسلة الكتب الثقافية، التي يصدرها مركز البحوث والدراسات في وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة قطر، في محاولاته المستمرة لاكتشاف مواطن الخلل في مسيرة الأمة، ودراسة أسبابها، وفتح أبواب الاجتهاد الفكري والمثقافة والمدارسة والمحاورة على مصراعيها، وكسر الحاجز النفسي واسترداد عافية العقل المسلم، محل تلقي الوحي، ليمارس رسالته ووظيفته وحقه في الاجتهاد بلا خوف، بل بمزيد من التوثب والقلق (السوي) والفاعلية والدافعية واسـتشعار أن ذلك عبادة وتدين من الـدين، وحتى [ ص: 7 ] لو قاد الاجتهاد إلى الوقوع في الخطأ، فالخطأ أحد طرق الوصول إلى الصواب، والخطأ معفو عنه في الإسلام بشكل عام: ( إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ) (أخرجه ابن ماجه ) ؛ لأن الخوف من الوقوع في الخطأ يكبل العقل، ويشل الطاقة، ويطفئ الفاعلية، ويشيع الركود والتقليد والسقوط في التخلف.

وإذا كان الخطأ معـفوا عنه بشـكل عام، كما أفاد حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ، فإن الإقدام على الاجتهاد والخطأ فيه مأجور صاحبه على جهده واجتهاده وفعله ومحاولته الوصول إلى الصواب، وليس الأجر على الخطأ، كما قد يفهم من ظاهر الحديث، وإنما على الجهد والفعل والمحاولة، ليبقى البحث عن الحقيقة والسـعي إليها والحوار والمثاقفة والتقويم والمراجعة والمناصحة والنقد هـي بؤرة الفاعلية ومرتكز الدافعية للبحث عن الصواب، والتحري للحقيقة هـو الهاجس الدائم لكل مسلم في ميدانه، ولعلنا نقول هـنا: إن حالة التخلف والركود وشيوع التقليد الجماعي والتخاذل الفكري والثقافي سببه العميق، إلى جانب الاستبداد السياسي، ملازمه الثقافي من الإرهاب الفكري ، وما يمارس من التحريم والتأثيم والتخطيئ لاجتهاد الإنسان.

إن الإرهاب الفكري، يعتبر الحارس القوي وغير الأمين للاستبداد والإرهاب السياسي بشكل عام، والإرهاب الديني بشكل أخص، هـو [ ص: 8 ] الذي عطل العقل وشل حركته وأقعده عن وظيفته، أو بشكل عام ألغى الإنسان؛ حتى شاعت في أوساطنا المتدينة شعارات محزنة هـي أقرب للفزاعات المخيفة تنفر من العقل وتحذر من التفكير، فالخوف من الخـطأ أطفأ الفاعلية، وجمد العقل، وعطل قيم الوحي، وأدى إلى التخلف والاستنقاع الحضاري، علما بأن فترات النهوض والتألق والإنجاز الحضاري في تاريخنا الطويل إنما تحققت عند التقاء معرفة الوحي بمعرفة العقل.. ولا ندري ما قيمـة معرفة الوحي بلا عقل، أو لمن لا عقل له، وما قيمة معرفـة العقـل وما فائدتـها للإنسـان بلا تسـديد الوحي ومرجعيته وتأطيره؟!

لذلك فقد تكون الإشكالية اليوم بتوفر نصوص الوحي وقيمه ومعرفته وغياب وظيفة العقل في الاجتهاد في تنـزيل هـذه القيم وهذه المعرفة على الواقع وتقويمه بها، وهذه وظيفة العقل.

لذلك فالإشكالية قد تكون بوجود معرفة الوحي وغياب معرفة العقل، أو على الطرف الآخر بوجود معرفة العقل وغياب معرفة الوحي، حتى وصلت الإصابة أو الإشكالية إلى درجة أصبح من المقبول في أوساطنا الثقافية المتخلفة أو ذات الثقافة المغشوشة أن يطلق على كل من يحاول أن يسترد وظيفة العقل في النظر بقيم الوحي وكيفية تنـزيلها على الواقع بأنه عقلاني أو عقلي، وكأننا نريد أو نروج لمجتمع ولإنسان لا عقل له! [ ص: 9 ] ولا ندري كيف يكون تلقي الوحي بلا عقل، الذي هـو محل الخطاب ومحل فهم الوحي وتطبيقه والاستجابه له والاستدلال عليه وحمله ونشره وبيانه وإبلاغه وتحقيق الإقناع به والاعتناق له؟

ولعل ذلك يعتبر من مظاهر التخلف وإفرازات عقلية التخلف، التي تنعكس على كل شيء، وعند ذلك تتحول معرفة الوحي من عامل للنهوض والارتقاء إلى سبب في تكريس التخلف والجمود وانطفاء الفاعلية، حيث يحاصر العقل ويحبس بين جدران المحرم والممنوع، مع أهمية الاعتراف هـنا بأن معرفة الوحي بالنسبة للمسلمين هـي التي حركت العقل وحررته وحولت الأمة الأمية، إلى أمة عالمة متعلمة تنشد التعلم والارتقاء، أنتجت حضارتها، وكانت معرفة الوحي وسيلتها في الممانعة الحضارية والثقافية والحماية لها من الذوبان، لتبقى دائما مؤهلة، حال العودة إليها والاجتهاد في تنـزيلها على الواقع، لعلمية معاودة النهوض، كما يؤكد ذلك المسيرة الحضارية وفترات النهوض.

إن معرفة الوحي، إذا أدركت بكل أبعادها، تشكل أكبر محركات الإمكان الحضاري الذي تمتلكه الأمة المسلمة، كما أنها تشكل المرتكز والمحور الأساس لكل نهوض؛ وبالإمكان القول، بكل استقراء للتاريخ وقراءة للواقع بشكل أمين، وبكل يقين اعتقادي يسبق هـذا الاستقراء وتلك القراءة: إن أية محاولة نهوض في عالم المسلمين، حاولت تجاوز معرفة [ ص: 10 ] الوحي، أو لم تتمكن من إبداع الوسائل (وهي منتج العقل) للتواصل والتعامل والتفاعل معها باءت بالفشل.

وقد تكون الإشـكالية في عـالم المسـلمين، بعدم إدراك السبب الحقيقي، الأمر الذي قاد إلى محـاولات الانسلاخ من معرفة الوحي واتـهامها بأنـها ضد العقل والتفكير، والارتماء على (الآخر) ، حيث تبدو الظاهرة المقلقة اليوم: عقل بلا وحي، ووحي بلا عقل، أو بتعبير آخر: علم بلا دين (بغي وتدمير وتسلط) ودين بلا علم (جمود وتخلف وعجز وفراغ) .

وقد يكون صحيحا إلى حد بعيد أن معرفة الوحي نزلت على الأمة الأمية التي لا تقرأ ولا تحسب، كما أشار القرآن :

( هـو الذي بعث في الأميين رسولا منهم ) (الجمعـة:2) ،

وكمـا بين الرسـول صلى الله عليه وسلم : ( إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب ) (أخرجه البخاري ) ، ومع ذلك أحسنت التلقي والتعامل مع معرفة الوحي، والتحول من الغياب إلى الفعل الحضاري، من الأمية إلى العلم والمعرفة، حيث شكلت معرفة الوحي بعثا وإحياء وتعليما وتربية:

( هـو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ) (الجمعة:2) . [ ص: 11 ]

والقرآن ميسر للذكر: ( ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ) (القمر:17) ،

وخطاب للناس جميعا: ( قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا ) (الأعراف:158) ،

والتفاعل معه جاء بدرجات متفاوتة.

بل لعلنا نقول: إن بقية البقية الباقية من معرفة الوحي، التي ما نزال نتحصل عليها، لا زالت تشكل لنا رؤية ودليل تعامل، على مستوى الأسرة والطفل والمرأة والجوار والمال والحكم والعبادة والمعاملة والخلق....إلخ، وأن بقية البقية من الأحكام الشرعية في تلك المجالات جميعا ما تزال أيضا هـي القوة المانعة لنا من السقوط والانكسار الحضاري، لكن الإشكالية هـي كيفية تحويل هـذه القوة أو الرؤية المانعة إلى رؤية دافعة ومحرك أساس في الفعل الحضاري اليوم؟

حيث لا بد من التفريق دائما بين الرؤية العـامة، أو الثقافة العامة التي يأخـذ كل منها بنصيب، وبين الرؤية الخـاصة أو الثقافـة الخاصة أو التخصصـية، التي يضطـلع بـها أفراد بأعيانهم، ذلك أن الإيقاع الإسلامي عامة، في مجالات التربية والنفس والاجتماع والإنسان، هـذه الشعب المعرفية الخطيرة، ما يزال عاما عائما بعيدا عن التخصص والإحاطة بعلم الأشياء، لذلك تأتي النتائج، غالبا ودائما، محزنة وكليلة ومجافية للحقيقة. [ ص: 12 ]

فإذا كانت الثقافة هـي الرحم والمناخ والرؤية التي تدفع إلى التخصص في العلم، وتحدث الفاعلية، فإنها تبقى دون القدرة على أن تحل محل العلم والتخصص، ذلك أن العلم هـو الإحاطة بكل الجوانب عن الشيء المطروح، بينما الثقافة تعني المعرفة العامة والقدرة على القراءة العامة والحكم العام، الذي قد يحمي الشخصية ويحول دون الذوبان والاختراق، لكنها تبقى غير قادرة على الإبداع والإنتاج المأمول من العقل التخصصي في ضوء معرفة الوحي وما تشيعه من مناخ ثقافي سليم.

لذلك نعتقد أن حالة النهوض والإنجاز والتنمية والتجاوز تتطلب ثقافة مرجعية منطلقة من معرفة الوحي، وبرامج وخطط ومناهج منطلقة من معرفة العقل وكسبه العلمي والمعرفي، فمعرفة الوحي تشكل الدافعية والفاعلية للعقل -كما أسلفنا- ومهما انتظرنا أن تقوم الثقافة مقام العلم، بمعناه التخصصي، وتوهمنا أننا قادرون على أن نقدم برامج وخططا، دون تخصص، فإن ذلك سوف يسلمنا إلى الفشل والتخلف، وعندها تفقد الثقافة مهمتها ووظفيتها ورسالتها ودورها.

وقد تكون الإصابة الكبرى اليوم، في معظم أنشطتنا المعرفية ومشاريعنا للنهوض وردم فجوة التخلف، كامنة في الخلل بين وظيفة الثقافة المنطلقة من قيم الوحي ومعرفته، والعلم المتحقق من كسب العقل ووظيفته.. فإشكالية وضع الثقافة مكان العلم، والطلب إليها تقديم البرامج [ ص: 13 ] والخطط، تماما كوضع العلم مكان الثقـافة، والطلب إليه وضع الرؤية والمرجعية والقيم والمعيار.

والوضع السليم هـو في التزاوج بين الثقافة التي تقدم الرؤية والمرجعية والمنطلق وتحدد الهدف وتصنع البيئة الذهنية والمناخ الفكري، وبين العلم الذي يبصر الحقائق ويقدم البرامج ويضع الخطط ويراكم الخبرة ويقدم الحلول المناسبة للمشكلات التي تعترض الأمة.

إن هـذا الخلط بين المعرفتين، معرفة الوحي ومعرفة العقل، بين الثقافة والعلم، دفع بالكثير منا إلى نوع من الجراءة في ارتياد آفاق وتقديم آراء واقتراح حلول وتقديم برامج دون أن يتوفر على القدر أو الحد الأدنى المطلوب من الكسب العلمي التخصصي، مهما كانت المشكلات المطروحة، سواء كانت أسرية اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية أو علمية أو إعلامية أو تنموية... إلخ، حتى أشد الإشكاليات غموضا وتعقيدا نندفع إلى التعاطي معها دون أن ندرك أبعادها وعقدها، ومصالحها ومفاسدها، والسبب بسيط هـو أننا لا نحيط بعلمها ولا نبصر مآلاتها، فهل ينطبق علينا هـنا بعض آفاق قوله تعالى:

( بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله ) (يونس:39)

وما لم نتأدب بأبسط قواعد المنطق، التي تقضي: بأن «الحكم على الشيء فرع عن تصوره» فنتوقف عن الخوض فيما لا علم لنا فيه ولا تصور [ ص: 14 ] له، ونلتزم أدب المعرفة، ونعطي السهم باريها، ونعطي الخبز خبازه، فسوف تستمر رحلة التيه وعدم الجدوى في الكثير من أنشطتنا ومؤتمراتنا؛ لأنها لا تخرج عن كونها مراوحة في المكان الواحد، ومحاولة للتعامل مع المشكلة دون امتلاك الأدوات الملائمة لها أو المفاتيح الصحيحة لمغاليقها.

لذلك كله نقول: إن الإحساس بالتخلف لم يقدنا إلى إدراك أسبابه في كثير من الأحيان، وبقينا عند عتبة الإحساس والنواح والصراخ، وإن هـاجس النهوض منذ زمن طويل يراودنا جميعا ويدفعنا إلى حماسات ومحاولات دون أن تحقق على طريق النهوض شيئا؛ حتى مفهوم النخبة أو أهل الحل والعقد ، لحقت به الإصابة، وتحول هـذا المصطلح أو هـذا المفهوم على أيدينا إلى صورة بائسة لا تختلف فيها النخبة عن العامة، ومن يسمون بالعلماء عن الدهماء؛ لأن لكل قضية وفن ومعرفة أهل حلها وعقدها من الخبراء والمختصين، القادرين على النظر وتقليب الأمور على وجوهها جميعا، والقيام بالمقارنات ودراسة الظروف المحيطة والإمكانات المتوفرة وبصارة المستقبل وتقديم الحلول والخطط اللازمة وعقد العزم على الفعل بعد الفكر.

فأهل الحل والعقد، أو النخبة، الذين ينصبون أنفسهم قادة للأمة، قد يمتلكون بعض الثقافة الإسلامية وشيئا من علوم الأحكام الشرعية، لكنهم يجهلون الكثير من الخبرات والحقائق العلمية اللازمة للنظر في الأمر [ ص: 15 ] المطروح، الذي قد يكون من أدق القضايا وأخطرها، فيتحولون إلى عبء وأهل حل وسبب في التحلل الحضاري دون أن يكونوا أهل عقد.

لذلك نرى أن النظر في إشكالية النهوض وصناعة المستقبل، أو بناء عالم الغد الذي يمثله عالم الطفل اليوم، يتطلب إضافة لما تمنحه معرفة الوحي من الرؤية الثقافية، التي تبصر الحياة بكل أبعادها وامتداداتها، والمرجعية التي تشكل المعيار والقيمة لكل أنشطة الحياة، والعين السحرية التي تراقب جودة الإنتاج وسلامته واتسامه بالمواصفات الشرعية المطلوبة قبل تسويقه، يتطلب وضع استراتيجية شاملة في المجالات المتعددة، تسبقها دراسة وتحليل للواقع، والتعرف على أسباب التخلف، وفرز الجوانب الإيجابية واعتمادها ومحاولة تنميتها والامتداد فيها، وتحديد الجوانب السلبية ومحاصرتها ومعالجة أسبابها.

ولعل أول الخطوات في ذلك تتمثل في تقويم الواقع ونقده بشكل صحيح، واعتبار ذلك من أهم مكونات الرؤية الاستراتيجية المطلوبة، ومن ثم التعرف على الإمكانات المتاحة والظروف المحيطة، والاستهداء بالتجربة التاريخية على مستوى الذات و (الآخر) معا، واستحضار الظروف المحلية والإقليمية والدولية ومحركات العولمة اليوم وأهدافها ووسائلها ومؤثراتها، حتى لا تكون الرؤية معزولة عن بصارة العالم وتطوره وتسارعه وأثره وتأثيره.. وهذه الاستراتيجية الشاملة لمعالجة إشكالية النهوض، لها أبعاد [ ص: 16 ] متعددة، وتخصصات معرفية متنوعة، واستراتيجيات متكاملة، تشكل بمجموعها الرؤية الشاملة.

ولا شك عندنا أن وضع مثل هـذه الاستراتيجيات، وحسن تقدير الإمكانات المتاحة والظروف المحيطة، واستشعار المآلات، والقدرة على تقويم المراحل ومتابعتها، يتطلب مجموعة خبرات ومؤهلات علمية وأدوات تقنية.. إنه يتطلب كسـبا علميا متقدما في شعب المعرفة جميعا، أو في جوانب الحياة جميعا، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية والثقافية والإعـلامية، بحيث تتحقق فروض الكفاية ويتحصل الاكتفاء الذاتي، إضافة إلى الخبرات العملية والميدانية، والقدرة على المتابعة والتقويم، حيث لا ينفع معها الادعاء والتطاول والحماس والشعارات والخطب الطنانة الرنانة ومجرد الحس بإشكالية التخلف دون الإدراك لأبعادها وكيفيات علاجها.

وهذا جميعه يتطلب النفرة لاستدراك التخصصات المطلوبة لبناء الحياة وإقامة العمران وإدارة العمران، أو بمعنى آخر إحياء الفروض الكفائية ، والإحساس بل والتيقن بأن ذلك من مقاصد الدين وضرورياته الأساس، للوصول إلى حقبة الخبراء والعلماء،

استجابة لقوله تعالى: ( وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ) (التوبة:122) ،

وقوله: ( ولو ردوه إلى [ ص: 17 ] الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) (النساء:83) ،

وقوله تعالى: ( ولا ينبئك مثل خبير ) (فاطر:14) ،

وقوله: ( فاسأل به خبيرا ) (الفرقان:59) ، بحيث يتحول إدراك أهمية النفرة في التخصصات جميعا إلى ثقافـة يأخـذ كل منا منها بنصـيب، فلا يثق إلا بأهل الخبرة، ولا يعتمد إلا العلم، ولا يذهب إلا إلى المتخصص.

وبذلك يضيق الخناق على الحواة والمتطـاولين والحكـواتية، الذين لا يزيدون الأمة إلا خبالا، إضافة إلى أهمية أن تصبح استراتيجية التنمية وبناء الغد ثقافة جماهيرية عامة، ينسلك فيها الناس جميعا، كل من موقعه، بحيث يعرف طريقه ليضع إمكاناته وفعله في الموقع المجدي الصحيح، فتصب الجهود جميعها في المجرى العام لمسيرة الأمة.

وبالإمكان القول هـنا: إن من أهم عوامل النهوض وبناء المستقبل وصناعة عالم الغد التمحور حول التربية وصناعة الأجيال القادمة بشكل سليم،

استجابة لقوله تعالى: ( ولتصنع على عيني ) (طه:39) ..

إن صناعة الغد على منهج الله، على عين الله، يتمحور بكل أبعاده حول حسن صناعة عالم الطفولة.

ونسارع إلى القول: بأن متطلبات عالم الطفولة (مجتمع الغد) بكل مكوناته ومراحله واستحقاقاته ما يزال مجهولا بالأقدار المطلوبة في عالم المسلمين، وأن هـناك قصورا مفزعا في التخصصات المطلوبة لعالم الطفل، [ ص: 18 ] علم النفس وعلم الاجتماع وعلم التربية، أو إن شئت فقل: العلوم الاجتماعية ، حيث ما يزال الكثير منا غاية ما يراه من عالم الطفولة تأمين الغذاء والكساء، كشأن سائر المخلوقات الأخرى، وحتى الذين يحاولون دخول هـذا العالم والتعامل معه فإنما يدخلونه بدون علم مسبق بالطفولة ومراحلها واستحقاقاتها في كل مرحلة، وبدون امتلاك الأدوات الصحيحة للتعامل معه، علما بأن التعامل مع عالم الطفولة خطير وخطير جدا، فهو أشبه ما يكون بالتعامل مع المواد الخطيرة وحقول الألغام، نظرا لحساسيته الشديدة وخطورة الخطأ في التعامل معه؛ هـذا بالنسبة لواقعه وتعقيداته، فإذا تقرر لدينا أن عالم الطفل يمثل مجتمع الغد كانت الخطورة أكبر، والمسئولية أعظم؛ لأننا بذلك لا نقتصر على إصابة حاضرنا بل يمتد التقصير والجهل إلى تدمير مستقلبنا، ذلك أن الخطأ في التعامل مع عالم الطفولة والعبث به، دون دراية وعلم، سوف يشكل منبع التخلف، ويجعل منه حالة مستدامة تحكم الحاضر وتتحكم بالمستقبل.

ونحب أن نؤكد هـنا أنه لولا رحمة الله بنا، وما نمتكله من البقية الباقية في حياتنا الفكرية والثقافية من عطاء معرفة الوحي وقيمه في عالم الطفولة، التي تحمي مكونات الطفولة الأساسية، وتحدد ملامحها العامة ومراحلها الرئيسة، وتضع بعض الأحكام الشرعية في التعامل معها والمسئولية عنها، لأصبحنا أثرا بعد عين، لكن معرفة الوحي هـي سبيل الحفاظ على الإمكان [ ص: 19 ] الحضاري والاحتفاظ بخميرة النهوض المستمر في عالم الطفولة ومجالات الحياة الأخرى.

إن عالم الطفل بكل أبعاده وفضاءاته واستحقاقـاته أصبح يشكل علما قائما بذاته، تتشارك فيه الكثير من العلوم الاجتماعية: علم النفس بكل شعبه وتشعباته، وعلم التربية بكل تخصصاته واستطلاعاته واخـتباراته ومحاولات قياس عطائه ونواتجه، وعلم الاجتماع بكل استقراءاته واكتشافاته، إضافة إلى جميع الوسائل والأدوات التقنية التي تساهم بسبر غور عالم الطفولة، ليأتي التعامل معه من مواقع ومنطلقات صحيحة.

ولم يعد عالم الطفولة أشبه بالصندوق الأسود تصعب معرفة دواخله وحل رموزه وشفراته وتحـليل معلوماته واكتشاف الحقيقة التي ينطوي عليها، بل أصبح عالم الطفولة محلا لكثير من الدراسـات والاختبارات والتحليل النفسي والاكتشـافات، حتى بلغت محاولات هـذه الدراسـات اقتحام عالم الأجـنة ورسـم ورصد تحركاته واستجـاباته وتحولاته، في ضوء ما تخضع له الأم من مؤثرات، إضافة إلى ما يقدمه علم الوراثة وعلم الأجنة من محـددات وموجهات في الموضوع، ومع ذلك فما يزال المجهول في هـذا الفضـاء الكبير أكبر من المعلوم، وما يزال هـذا القفل المغلق يحتاج إلى تجارب الكثير من المفاتيح والتفسيرات لأنماط من السلوك لم تكن متوقعة. [ ص: 20 ]

وعلى الرغم مما يتمتع به عالم الطفل من الصفاء والنقاء والفطرة والنفس السوية ابتداء والمرآة شـديدة الحساسية، الخطيرة واللاقطة، بقدر ما تعظم المهمة والمسئولية في كيفية التعامل معه، وخطورة ما يقدم له، وخطورة الخطأ في وضع البذور الغلط في تربة الطفولة.. ففي الطفولة تزرع بذور مستقبل الحياة السلوكية، كما تزرع بذور مقومات الرجولة.

لذلك فإن استسـهال الدخول إلى عـالم الطفولة، لمن يحسن ومن لا يحسن، ومن يعلم ومن لا يعلم، ومن يقدر المرحلة ودوافعها ومسالكها ومن لا يقدر، وممن قد يقرأ الكثير من الممارسات الطفلية خطأ فيقدم بسبب جهله على حرمان الطفل من طفولته، قد يؤدي بنا إلى تدمير عالم الطفولة بأيدينا ونحن نظن أننا نحسن صنعا.. ذلك أن الغلط البسيط يشكل لغما موقوتا في داخل الطفل لا ندري متى ينفجر بصاحبه وبأهله، لذلك نرى الفشل الذريع في التعامل مع عالم الطفولة، حتى عند بعض الصالحين من الآباء والأمهات وأصحاب النوايا الحسنة؛ لأنهم إنما يجهلون عالم الطفولة ومتطلباتها واستحقاقاتها وحاجاتها في كل مرحلة، ويحاولون تركيب عقولهم وتجاربهم على رءوس الأطفال، كالذي يحاول الإمساك بساق الشجيرة أو أوراقها الحديثة وشدها إلى الأعلى لتكبر وتثمر قبل أجلها فيقع في قطعها؛ لأنه عاجز عن أدراك سنة الأجل.

ذلك أن الكثير من التصرفات، التي قد نراها من الأطفال ونحكم عليها بأنها شاذة وغير سليمة، بسبب جهلنا عالم الطفولة ومتطلباته، تؤكد [ ص: 21 ] عند أهل العلم والخبرة أن الشذوذ في غيابها وتغييبها وليس في حضورها؛ لأن الطفل بها يعبر عن نفسه وذاته ومرحلته العمرية، التي لو أدركنا أبعادها بحق لأمكننا اكتشاف مواهب الطفل وميوله واتجاهاته ومن ثم كيفية توجيهها والتعامل معها في كل المجالات والأنشطة.

إن مراقبة سلوك الطفل وردود فعله واستجاباته هـي التي تمكن من حسن صناعته، وإن أية غفلة أو غياب عن الملاحظة قد يؤذن بتشكل خاص وخطورة تصعب معالجتها فيما بعد،

لذلك فإن النص القرآني: ( ولتصنع على عيني )

يحمل أبعادا ودلالات مهمة ومهمة جدا، يستدعي التفكير بكيفية الصناعة على منهج الله وتحت مراقبته ورقابته، ويستدعي التفكير بكيفية مراقبة أنفسنا وسلوكنا في التعامل معه، فقد تلتقط مرآته الحساسة في لحظة ما وغفلة منا ما يشكل شخصيته في المستقبل؛ لأن الصناعة على العين تعني استمرار المراقبة والتوجيه والمداخلة والعين المفتوحة

( ولتصنع على عيني )

والإعداد للمهمة المترجاة.

فالطفل مخزون مخيف من الاستعدادات والانفعالات، التي تتطلب أقدارا كبيرة من الحرية حتى يعبر عن ذاته فنتعرف عليها، كما تتطلب البيئة المناسبة لإظهارها والمشاركة في تنميتها، ذلك أن التوهم بأن الأوامر الصارمة والكبت الذي يخفي الاستعـدادات والانفعـالات ولا يلغيها هـو تربية، فيه الكثير من الجهل، كما أن الحـكم على الطفل بالجهل [ ص: 22 ] (جهال) وأنه مجرد محل للتلقي والتلقـين والاختزان وليس محلا للتفكير والانطلاق والمشاركة مجازفة غير مأمونة العواقب، وإن كانت نتائجها القريبة قد تحمل الكثير من الغرر والتغرير.

إن استكناه عالم الطفل وسبر غوره يحتاج إلى الكثير من الحرية والحوار، ويخضع للكثير من المحرضات والأدوات ومراقبة المؤثرات، ليأتي التعامل من منطلق الحقيقة والعلمية والموضوعية ؛ والتقدم الذي حصل في هـذا الميدان عالميا بلغ شأوا بعيدا، فلكل عمر لعبته وصورته وألوانه ومجالاته وقصصه ورواياته، ولكل لعبة هـدفها ودورها... إلخ في تنمية مدركات الطفل وحواسه، وتدريبه، واكتشاف مواهبه وميوله، وليس مجرد تسالي تلغي صخب الطفل وتريح أهله منه.

ولعل الإشكالية الأكبر، قد تتمثل في وجود الإخلاص وغياب الصواب، وحتى لو انطلقت من حب الخير للأطفال، ذلك أن جهلنا بعالم الأطفال سوف يؤدي بشكل طبيعي إلى جهلنا بنوعية ومستوى ما يقدم لهم من فنون الأدب وأجناسه جميعا، وبذلك نسيئ من حيث نريد أن نحسن، ونهدم وندمر ونقفل الطريق من حيث نريد أن نبني، وندفع بالأطفال دفعا إلى التلقي من (الآخر) بكل ما يمتلك من فنون متنوعة واختبارات مستمرة وتطوير متسارع يستأثر بهم، ووسائل مغرية تشد الأطفال بل تسرقهم منا، بدل أن نكون متخصصين في عالم الأطفال، نقدم عطاء معرفة الوحي [ ص: 23 ] ونحسن عرضها بالشكل المغري، فنكون بذلك كالذي يبني تماثيل من الثلج، ومن ثم يبكي على ذوبانها لكن بعد فوات الأوان.

ولا نخلص من المسئولية والتبعة، ولا يكفي أن نتكلم عن الطفولة ومسئوليتها وخطورتها وأهميتها ومستقبلها... إلخ، ونقف عند هـذه الحدود دون أن يقودنا ذلك لمعرفة عالمها وتقدير حاجاته بدقة، وتقديم الإنتاج المناسب، وكيفية إشباع هـذه الحاجات بالمواد وبالوسائل المناسبة.

إن قصص الخيال العلمي في مجال الطفل أنتجت علماء ومخترعين، وإن حسن تقديم سير البطولة أنتجت أبطالا وقادة، وإن دراسة حياة الصالحين صنعت رواد صلاح نجحوا في إصلاح الأمة.

لقد بلغ الاهتمام بعالم الطفل أن يصبح الهاجس العالمي الدائم والأمل الباقي، فعلى الرغم من التقدم الكبير، علميا وعالميا، في رؤية عالم الطفولة من زوايا علمية متعددة ومتكاملة، مثل علم النفس وعلم الاجتماع وعلم التربية وعلم الأجنة وعلوم الوراثة، ومحاولة استكناه حقيقة عالم الطفولة وتتبع سيرورته، ورصد سلوك الطفل في المراحل المختلفة والبيئات المختلفة، والإنتاج العلمي والفني والأدبي الكبير، والمساحات التعبيرية الهائلة، التي تحتل المكتبات وعالم الإعلام، مع ذلك كله فإن العيون الراصدة والاختبارات المستمرة والمتنوعة وتعريض الطفل لمؤثرات متنوعة ودراسة الظواهر تكتشف كل يوم جديدا في عالم الطفل، حتى يكاد [ ص: 24 ] معظم الإنتاج والاهتمام يتحول إلى عالم الطفولة؛ لأنه يمثل صناعة عالم الغد، بكل آفاقه وأبعاده، ذلك أن هـذا العالم ما يزال يمثل سرا عميقا ومتداخلا يتطلب كبار المفكرين والعلماء والباحثين والأدباء والروائيين ومنتجي الصور والأفلام والألبسة ومهندسي الألوان التي تتناسب مع المضمون وتحقق الأهداف المطلوبة.

وقد لا نستغرب، على الصورة المقابلة، أن يكون الكثير من إنتاجنا الثقافي لعالم الطفل يمثل التقـليد والمحـاكاة والمقاربة والنقـل بلا وعي ولا معيار؛ ومن أين يتأتى لنا امتلاك المعيار الفاحص للإنتاج واختبار مدى ملاءمته عندما نفتقد الاختصاص وتقديم الصناعة الثقافية والتربوية الرشيدة، وعندما تتحـول معرفة الوحي في هـذا المجال، في ذهنيتنا المتخلفة، إلى محـل تبرك وليس إلى باعث رؤية واكتشاف وعطاء، كذلك لا نستغرب عندما نرى أطفالنا يعزفون عن إنتاجنا ويلتصقون بإنتاج (الآخر) ، بغثه وسمينه، ولا يردعهم عن ذلك إلا الزجر والقهر والإكراه والمنع الذي قد يزيدهم تعلقا، تحت شعار: «كل ممنوع مرغوب».

فإذا كان المطلوب شرعا أن نخاطب الراشدين والكبار على قدر عقولهم حتى لا يكذب الله ورسوله، نتيجة لسوء تقديرنا، فكيف بعالم الطفولة الصامت، الذي يدخله كل من شاء بما شاء، ذلك أن كثيرا من العلماء والفقهاء والأدباء والكتاب، على فضلهم وعلمهم، وأصحاب [ ص: 25 ] العبارات والأساليب الصارمة والدقيقة، يقتحمون هـذا العالم الخطير والدقيق بدون أدوات ملائمة أو صحيحة، ويقدمون للأطفال مضامين وأساليب قد تتجاوز عمرهم العقلي وقدرتهم على الاستيعاب ومفرداتهم اللغوية، التي قد تساهم بتعقيدهم؛ حتى قصص الأنبياء والأعلام، على كل الخير الذي تحتويه، فإن تقديمها للأطفال يتطلب مهارة معينة وسوية معينة في الأسلوب والتناول واختيار جوانب ومحطات بعينها من سير الأعلام وتسليط الضوء عليها، وتأجيل بعضها الآخر لعمر عقلي قادم، وتحقيق الرواء النفسي والذهني للطفل.

هذا عدا عن الأسلوب وخطورته، فالكتابة للأطفال قد لا يحسنه الفقيه والمفسر والأصولي والمحدث بطبيعة أدواته وأسلوبه ومصطلحاته؛ لقد أصبح اختصاصا قائما بذاته وله مقوماته وأدواته ومحركاته الذهنية والخيالية.. وإن كانت ثقافة التعامل مع الطفل مطلوبة منا جميعا، لأننا جميعا، آباء وأمهات وأخوة وأخوات، نعيش عالم الطفولة ونتعامل معه، إلا أن الكتابة للطفل وبناء ثقافة الكبار تجاه الطفل فن له مواصفاته الخاصة، ليأتي التعامل صحيحا، فالتعامل مع الأطفال علم وفن معا، وتشارك في التأهيل له عدة علوم وفنون، وإلا سوف يسرق أطفالنا منا، ويصنعون على عين غيرنا، في أكثر من مصـنع، وليس ذلك عن نقص كفاءة وأهلية وإنما عن فوضى فكرية وغياب اختصاص وتأخر العمل النقدي لما يقدم [ ص: 26 ] للأطفال، على مستوى المضمون والتناول والأسلوب والتناسب، وعدم التقدير الدقيق لهذا العالم التي يمثل الأمل والمستقبل حتى ولو انكسر الحاضر.

إنها الفوضى التي يورثها التخلف، والتي تضيع معها الرؤية، وتطيش فيها السـهام، ويكثر فيها الادعـاء، فنقول كثيرا ونعمل قليلا، ونقول بما لا نعلم، فنـزداد ارتكاسا، وننظر للأمور بذهنية الاستسهال، لعجزنا عن إدراك العواقب والمآلات، فنقع في الحفرة تلو الأخرى، التي نحفرها بأيدينا، ويتحول أطفالنا ليشكلوا رصيدا (للآخر) ممتدا في فراغنا وحياتنا.

ونحن هـنا لا نطالب بإدخال الأطفال الغرف المعقمة وعزلهم عن الحركة العالمية لأدب الطفل وثقافة الطفل ، وعدم تأهيلهم لمجتمعهم بكل ما فيه، وإنما المطلوب أن نمتلك الرؤية والقدرة على تأهيل الطفل لمجتمعه، وكيفية التعامل معه، ونرسم مستقبلنا من خلال هـذا العالم، ونبصر دورنا فيه، ونحضر أطفالنا ليكونوا رسلنا وحملة قيمنا إلى العالم جميعه في عالم الغد.

إن الأطفال مجتمع المستقبل، هـم الأمل الباقي والأفق المنظور للتفاؤل والتحريض على تحضير أدوات سـليمة للبناء الصحيح، ففي لحظة أمل، ولا أقول لحظة يأس، حيث اشتدت وطأة الحاضر وجاء الحصار من كل جانب، ( قال الرسول صلى الله عليه وسلم : « أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا ) (أخرجه البخاري ) ، فهل يكون المسلم اليوم في مستوى مقولة النبوة ومتطلبات العصر؟ [ ص: 27 ] وهذا الكتاب يعتبر إلى حد بعيد رؤية نقدية ودعوة للمراجعة والتقويم والفحص والاختبار لما يملأ الساحة من أدب الأطفال، على المستوى العربي، أو على المستوى الإسلامي، وخاصة في مجال القصص والسير والأعلام وأدب الطفـل بشكل عام، سـواء من حيث الشكل أو المضمون، ومحاولة لإلقاء أضواء كاشفة على مستقبل أدب الأطفال، والتدليل على أهميته في بناء مستقبل الأمة، ودعوة إلى حسن صناعته وفق منهجية واضحة وأدوات ملائمة تمكن الاغتراف من معرفة الوحي، وتحقق استرداد الفاعلية، وتقديم أدب أطفال متميز، ينطلق من مرجعية الأمة ويغرس قيمها في النفس ويحقق استقامة السلوك، بحيث يتحول الفكر إلى فعل، والإيمان إلى حركة، وتسترد الأمة الرحمة الغائبة، التي من أجلها جاءت الرسالة الإسلامية، وتشيعها على مستوى الذات و (الآخر) .

ذلك أن الاستمرار في حالة العجز عن التغيير والارتقاء فيما نقدم، يعني أن هـناك خـللا ما أو عطبا ما في وسائلنا لا بد من كشفه ودراسة سببه، وهذا يتطلب علماء وكتابا ومفكرين متخصصين يمتلكون أدوات النقد الصحيحة، كما يمتلكون القدرة والبصيرة على الخوض في أدق وأخطر المسائل النفسية والتربوية، والإفادة من تجارب (الآخر) ، ليخلصوا منها إلى وسائل سليمة، تتحول إلى ثقافة اجتماعية في الأمة، حتى نتمكن من بلوغ المستقبل المأمول.

والحمد لله رب العالمين. [ ص: 28 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث